ارشيف من :أخبار لبنانية

تشاور سعودي ــ سوري ــ فرنسي لتجميد المحكمة؟

تشاور سعودي ــ سوري ــ فرنسي لتجميد المحكمة؟
ابراهيم الأمين، الأخبار

الإقالة أو الاستقالة. باتت الصورة أقرب إلى هذين الخيارين لدى المدعي العام في المحكمة الدولية دانيال بلمار. ويبدو أنّ الأمر لا يخصّه وحده، بل يشمل أيضاً بعض القضاة البارزين في المحكمة، وفي مقدّمهم القاضي اللبناني، نائب رئيس المحكمة، رالف رياشي، الذي جرى تناول موقعه في التحقيقات الدولية الأولية من زاوية ترسم علامات استفهام حول استمراره في عمله، وإن كان هو يمتنع شخصياً عن أيّ تعليق على ما يتناوله في هذا الجانب. لكن المشكلة أن البحث القائم حالياً حول المحكمة لا يتوقّف عند حسابات العاملين فيها.

الواضح بحسب المعطيات، أنّ الاتصالات السعودية ـــــ السورية الخاصة بلبنان وملف المحكمة، وما تلاها من اتصالات فرنسية ـــــ سورية، ومن ثم فرنسية ـــــ سعودية، أظهرت الآتي:

أولاً: أنّ توافقاً جدياً قام على ما يبدو بين الرئيس السوري بشار الأسد والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، على ضرورة عدم منح المحكمة الدولية التفويض الذي يتيح لها التصرف كيفما كان في الملف. والجديد في الموقف السعودي أنّ الملك عبد الله، الذي كان قد اقتنع في وقت سابق بأن سوريا مسؤولة عن اغتيال الحريري، بات الآن في موقع المشكّك، أو عدم الرافض لمبدأ التشكيك في إمكان حصول تسييس في عمل المحكمة. والجدير بالذكر أنّ مراجعة عبد الله شملت أموراً وهميّة كثيرة كان فريق سعودي وآخر من دول عربية وغربية قد أقنعا ملك السعودية بها، وأبرزها أن الأسد "متورّط" في جعل إيران تسيطر على سوريا، وأنه وافق على جعل أتباع الطائفة العلويّة ينتقلون إلى الطائفة الشيعية، وأنه وافق أيضاً على حملة لتشييع قسم كبير من السوريين. ويبدو أنّ الجديد في موقف الملك السعودي هو رفضه اتخاذ موقف نهائي يقول إنّ المحكمة الدولية متروك لها الأمر دون مناقشة أو مراجعة.

ثانياً: تفاهم سعودي ـــــ سوري على أنّ الفتنة السنيّة ـــــ الشيعية، سواء تعزّزت في العراق أو انتقلت إلى لبنان، فهي لن تقف عند حدود أيّ دولة هذه المرة، وأنّ مخاطر انتقالها إلى سوريا والسعودية جديّة، ما يحتم على الجانبين العمل على إزالة الأسباب الممكن إزالتها، وذلك من خلال مواصلة الحوار السعودي ـــــ السوري بشأن الملف العراقي، والتوافق على خطوات عملية في ما خصّ الملف اللبناني.

ثالثاً: اقتناع السعودية بأنّ تجاوز المرحلة الماضية يتطلب جملة خطوات، منها ما يتعلّق بتوضيحات واعتذارات وخلافه من الأمور، ومنها ما يتعلق بمراجعة أداء التحقيق الدولي وتحديد مصدر الخطر الذي أصاب المرحلة الأولى عندما جرى تسويق الاتهام السياسي لسوريا وحلفائها في لبنان. ويبدو أنه ليس هناك من مدخل لهذه المعالجة غير السلوك الذي بدأه الرئيس سعد الحريري قبل مدة، وكذلك من خلال المضيّ في ملف شهود الزور حتى النهاية، علماً بأنّ المناقشات التي جرت على مراحل بين الرئيس الأسد والرئيس الحريري تناولت هذا الأمر، رغم محاولة الحريري في المرحلة الأولى جعل الحوار لا يتناول ملف المحكمة الدولية. لكن المشكلات التي تفاقمت وتراكمت في وقت لاحق، جعلت الحريري في موقع الراغب في تطوير علاقته بسوريا وبرئيسها، الأمر الذي ترافق مع حوار غير مباشر رعاه نجل ملك السعودية، الأمير عبد العزيز، الذي يتولى ملف العلاقة مع سوريا وملف لبنان.

رابعاً: وصول القيادة السورية إلى قناعة بأنه لا بد من مصارحة الحريري بكل الأمور دون أيّ تحفّظ لجعله يقف على بيّنة منها واتخاذ ما يلزم من خطوات. وقد وصل الأمر في المرحلة الماضية إلى إبلاغ الحريري مجموعة رسائل بواسطة موفديه إلى العاصمة السورية تضمّنت تأكيداً بأنّ دمشق لا تقيم علاقة معه على أساس أنه رئيس للحكومة، بل هي لا ترى أنه المدخل الحقيقي للبنان، وهي تريد تفاهماً معه بوصفه زعيماً سياسياً يمثّل أغلبية في طائفة رئيسية. وبالتالي، فإنه لا يمكن أن يكتسب حقوقاً في العلاقة مع سوريا كرئيس للحكومة ويذهب لتوظيفها كزعيم سياسي.

وفي السحور الأخير الذي جمع الحريري بالرئيس السوري، كان الأسد غايةً في الصراحة، وقال كلاماً واضحاً إلى حدود أنّ الحريري لا يمكنه تأويل أيّ موقف أو أيّ كلام. وحتى عندما حاول الحديث عن رغبته في علاقة مع سوريا تجعله في موقع مطابق لموقع حزب الله عند القيادة السورية، قيل له ما هو مناسب. وانتهى الأمر إلى أن أدرك الحريري أنه أمام موجبات تتجاوز التعهدات الكلامية العامة التي تظل في الغرف الضيقة. وأنه إذا كان مقتنعاً وراغباً حقيقةً في ما يقوله في اللقاءات المغلقة، فعليه إعلان هذا الموقف علناً.

سعى الحريري إلى استمزاج رأي القيادة السعودية في الأمر، وسمع تشجيعاً على المضيّ في خطوات تفتح الباب أمام علاقات حقيقيّة ووثيقة مع القيادة السورية. وقيل له إنّ بمقدوره "تقليد المرجع" وليد جنبلاط. وساعتها قرّر الحريري، ودون إطلاع سوى عدد قليل جداً من محيطه، المضيّ قدماً، فبادر إلى مقابلته الأخيرة مع "الشرق الأوسط" وقال فيها كلاماً أكثر صراحةً ووضوحاً حتى من كلام جنبلاط في قناة "الجزيرة".

وبحسب مطّلعين، فإنّ الحريري تجنّب مشاورة فريقه في ما يريد قوله، لأنه خشي أن يجري إقناعه بقول كلام لا يُفهم بصورة مباشرة وصريحة. وعمد مباشرةً بعد نشر المقابلة إلى الاتصال بدمشق والسؤال عن رد الفعل، فسمع ترحيباً وتشجيعاً على المضيّ أكثر، بينما كان الأمير عبد العزيز يتصل به مشجّعاً، لكن الأمر لا


يتوقف عند هذه الحدود باعتبار أنّ الجميع يعرف أنّ الأمور تتطلب مراجعة من النوع الذي لا يمكن الحريري تجاهله، لأنه لن يكون متروكاً. وهو أمر ملحوظ في نوعية متابعة التيار الوطني الحر وحزب الله لملف شهود الزور، كما أن من المفيد أن يقرأ الجميع مدلولات المؤتمر الصحافي الذي عقده اللواء جميل السيد أمس.

وإلى حين اتضاح كامل معالم المرحلة المقبلة، فإنّ ملف التحقيق الدولي سيظل خاضعاً للحسابات السياسية، وخصوصاً بعدما أقدمت فرنسا على خطوات تشاورية تضمّنت الإشارة إلى آليات التعاون من خلال تقليصه إلى حدود كبيرة، والتلويح بالتراجع عن بعض الخدمات المعروضة، ومن بينها إعادة تمثيل الجريمة في إحدى قواعدها العسكرية داخل البلاد (نشرت الزميلة "السفير" أنّ فرنسا ألغت العملية، لكنّ مصدراً مأذوناً له نفى وجود قرار نهائي في هذا الأمر). أمّا الخطوات الأخرى، فغير معلنة، لكنها باتت قيد التداول، وهي تتصل بلقاءات ذات حساسية عالية جمعت مسؤولين بارزين في باريس بالمدعي العام الدولي في الأسابيع الأخيرة، وتناولت الملف من زوايا مختلفة، جعلت بلمار يتعهّد بعد الاجتماعات أنه سوف يجمّد عمله في ما خص القرار الاتهامي إلى آخر السنة الحالية حداً أدنى، وسوف يدرس الموقف في النصف الثاني من كانون الأول المقبل ليقرّر خطوته المقبلة.

كذلك تلقّت فرنسا رسائل واضحة من جانب سوريا وحزب الله، تشرح من دون مواربة التقديرات بشأن مستقبل الوضع في لبنان إذا أُخذ بالتوصيات الأميركية القاضية بتوجيه اتهام إلى حزب الله بالتورط في اغتيال الحريري.

2010-09-13