ارشيف من :أخبار لبنانية

طمأنة الداخل تطغى على "إسرائيل"

طمأنة الداخل تطغى على "إسرائيل"
يحيى دبوق، الأخبار

تُشغل "إسرائيل" في إطار مواجهة حزب الله، وتحديداً في أعقاب فشل جيشها عام 2006 في احتواء الحزب وإنهاء تهديده بالقوة العسكرية، بين الإعداد للحرب المقبلة كي لا تكون نسخة فشل جديدة عن الحرب السابقة، والإعداد والرهان على خيارات أخرى، يُؤمَل أن تحقق نتيجة الحرب المتعذّرة حالياً، وفي أقل تقدير أن تشغل حزب الله وتحرف أولوياته. ويعدّ القرار الاتهامي بقتل الرئيس رفيق الحريري، الرهان الإسرائيلي المفعّل في هذه الفترة، رغم الإدراك أنّ تداعياته المفترضة ابتداءً ضد حزب الله، لم تعد كما كانت.


على خلفية المواجهة القائمة، وإن بشكل صامت في هذه المرحلة، يجب فهم المواقف والتصريحات والأبحاث الإسرائيلية، التي كان آخرها التقدير الاستراتيجي لعام 2010، الصادر عن مركز دراسات الأمن القومي، الذي ركّز على وجود "حقائق" ثلاث، حيال حزب الله:

ارتداع المقاومة عن شنّ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي؛ مواصلة التعاظم العسكري بطريقة غير مسبوقة من جانب حزب الله؛ وفي المقابل، الإصرار على أن الجيش الإسرائيلي يعمل على تحقيق الاستعداد العسكري المطلوب للحرب المقبلة، على نقيض الحرب السابقة.

و"الحقائق" الثلاث هي نفس "الرواية" الرسمية الإسرائيلية لميزان القوى بين المقاومة والدولة العبرية، وما ترويج مركز دراسات الأمن القومي لهذه الرواية، سوى مجاراة للمقاربة العلنية الرسمية في "إسرائيل".

ويبدو أنّ تقدير المركز، إضافةً إلى مواقف وتقديرات وتقارير إسرائيلية أخرى، تشير إلى وجود نوع من التوظيف في الترويج لـ"الحقائق الثلاث" المذكورة، وكل منها يهدف إلى تحقيق نتيجة أو ظرف، يفترض أنه يساعد "إسرائيل" في المواجهة ضد حزب الله، لكنّ إمعان النظر أكثر في المسائل الثلاث: ارتداع حزب الله ومواصلة تعاظم قدرته العسكرية، والجهود الإسرائيلية استعداداً للحرب المقبلة، قد تشير إلى غايات أخرى.

ضمن الواقع العملي لحزب الله، وتحديداً في أعقاب عدوان عام 2006، وتنامي التهديدات الإسرائيلية والوعود بحرب جديدة مغايرة للحرب الماضية، لا يمكن الفصل بين الحراك العملي لحزب الله، بمعنى تنفيذ أو عدم تنفيذ عمليات ضد "إسرائيل"، والعمل على تعاظم القدرة العسكرية للمقاومة، بالطريقة الذي تُمكّنها من الدفاع الفاعل والناجع في الحرب الموعودة إسرائيلياً.

لكن رغم إدراك "إسرائيل" هذا الواقع، تعمل على الفصل بين المطلبين لغايات دعائية وأيضاً عملية، مرتبطة بتوفير الأسباب لعدم حراكها حيال حزب الله طوال الفترة الماضية، رغم الإقرار بتعاظم تهديده غير المسبوق. فتل أبيب، من جهة، توجّه إلى الداخل الإسرائيلي رسالة طمأنة، بأنّ امتناع حزب الله عن تنفيذ عمليات، يُرَدّ إلى حالة ارتداع وخشية منه، أي الإشارة إلى نجاعة إجراءات المسؤولين الإسرائيليين وسياساتهم حيال المقاومة؛ ومن جهة ثانية، تحاول بناء بيئة "شرعية" ضرورية، داخلية وخارجية، إذا قررت شن اعتدائها الموعود على لبنان، إن تمكنت من ذلك، من خلال الإقرار والتشديد على واقع التسلح غير المسبوق لحزب الله.

من ناحية فعلية، يبرز السؤال الآتي: كيف أمكن "إسرائيل" أن تفسّر امتناع حزب الله عن شن عمليات عليها في هذه الفترة، باعتباره ارتداعاً، بينما تقرّ بأنه غير مرتدع عن مواصلة تعزيز قدراته العسكرية، المفترض أن تكون أكثر إقلاقاً لـ"إسرائيل" من العمليات نفسها، وخاصةً أنها تقرّ بأنّ تعزيز القدرات يشمل حيازة أسلحة تصفها بالكاسرة للتوازن، أي من شأنها أن تكسر تفوّق الجيش الإسرائيلي على المقاومة، من ناحية عسكرية، وهذا الواقع أشدّ وأكثر تهديداً من العمليات نفسها.

في الوقت نفسه، تشدّد "إسرائيل" ضمن الوعود على أنّ الحرب المقبلة ستكون مغايرة للحرب الماضية، على أن جيشها يعمل على إكمال جهوزيته ضمن عملية تدريب وتجهيز متواصلة منذ أكثر من أربع سنوات، لكن من دون أن تصل إلى كفايتها، بل ويجري الحديث عن إمكان تواصلها للأعوام المقبلة... في المقلب الآخر من هذه "الحقيقة" نفسها، يوجد تأكيد غير مباشر على أنّ الجيش الإسرائيلي لم يجهز بعد لشن عدوان يحقّق النتائج المرجوّة منه حيال حزب الله، وهذا الجزء من "الحقيقة" يجري إهماله ولا يتعرض له أحد في "إسرائيل".

المواقف والتحليلات والتقديرات الصادرة من تل أبيب، ومن بينها تقدير مركز دراسات الأمن القومي الأخير، هي جزء من المواجهة الصامتة في هذه المرحلة بين المقاومة و"إسرائيل"، وبالتالي يجب فهمها والتعامل معها على هذا الأساس، إذ باتت ضرورات طمأنة الداخل في الدولة العبرية، على خلفية القلق المتنامي من قدرات المقاومة العسكرية، الذي يلف الكيان من أقصاه إلى أقصاه، تحتل حيزاً متقدماً جداً عمّا سبق.

2010-09-13