ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يملك الممسكون بـ"سيف" القرار الظني الجرأة على استخدامه؟
خضر طالب، السفير
ربما يشكّل السجال السياسي الذي يبحث عن أي بحصة لاستخدامها في النقاش على "جنس الملائكة" مؤشراً على طبيعة مرحلة "ما بعد الفطر"، وهي مؤشرات سلبية بمجملها، خصوصاً إذا جرى تدعيمها بتلك المداولات الجارية في أكثر من عاصمة معنية بالشأن اللبناني، من واشنطن إلى باريس والقاهرة ثم دمشق ومنها تنتقل لتتجمع في ديوان الملك عبد الله بن عبد العزيز في الرياض.
وإذا كانت حصيلة تلك المداولات "غير مريحة" إلى الآن فإنها بدأت تخطو خطواتها نحو الانتقال إلى التشاؤم الذي لا يستطيع أي من المسؤولين في هذه العواصم مراقبته عن بُعد مكتوفي الأيدي، لأنهم يدركون أن أي خلل قد يصيب الوضع اللبناني إنما سيتمدّد نحو مساحات أوسع في كل المنطقة هذه المرة، فيمتد خطّ التماس في الفتنة طويلاً تنفيذاً لمشروع «حرب المئة عام» بين السنّة والشيعة...
ليست تلك المداولات من نسج خيال بعض المحرّضين على اندلاع الفتنة التي تطيح بالقضايا المركزية للعرب والمسلمين بدءاً من فلسطين عبر عنوان القدس، وانتهاء بالعراق عبر عنوان وحدته، وإنما هي من سيناريوهات باتت قيد التداول كخطة مكمّلة لاحتلال العراق وبديلة لحرب تموز، وهي تسمح بإعادة إنعاش مشاريع الكانتونات انطلاقاً من لبنان بعد نفض الغبار عنها.
تلك الهواجس صارح بها وزير لبناني ضيوفه إلى مائدة إفطار في "العشر الأخير" من رمضان، وأتبعها بجهله لأسباب عودة الحديث عن الكانتونات ومصدره وآلية تنفيذ هذا المشروع، لكنه قبل أن يكمل رسم المشهد السوداوي عاد ليمنّي النفس بإمكان إسقاط هذا المشروع مجدداً كما سقط في الماضي، لأن قراراً كهذا لا يمكن أن يكون قدراً للبنان والمنطقة، ولأن الدول المعنية بالشأن اللبناني لن تسمح بخروج مشروع الكانتونات من القمقم.
توسّع النقاش في تلك الجلسة الرمضانية عن دور فرنسا وسوريا والسعودية في حماية لبنان كدولة موحدة من السقوط في التاريخ، فالتقط صاحب الدعوة المبادرة: الظروف قد تكون مناسبة لأصحاب هذا المشروع، لكن لا ننسى أن سوريا لن تستطيع تحمّل مثل هذا الوضع على حدودها، والسعودية معها، وبالتالي فإن رهاننا اليوم على سوريا لمنع هذا المشروع، وللأسف فإن اللبنانيين غير منتبهين إلى أنهم يمهّدون الأرضية الصالحة لقيام الكانتونات، إلا أنهم وقد فقدوا القدرة على إدارة خلافاتهم، سيبلغون اللحظة التي يناشدون فيها سوريا مجدداً التدخّل "لحماية وحدة لبنان"...
بعد ذلك بأيام قليلة، عاد قطب سياسي بارز من جولة خارجية شملت عواصم تمدّ لبنان بـ"أوكسجين التماسك"، وقد نُقلت إليه على عجل تلك الانطباعات المتشائمة في جلسة ما بعد "التراويح"، فابتسم وحاول "التملّص" من الإجابة مكتفياً بالقول "الله يستر".. لكنه لم يستطع الصمود أمام أسئلة المقربين الذين يسرّ لهم عادة بما يعرف، فقدّم مطالعة سياسية بدت أكثر سوداوية، معزّزة بمعطيات متداولة فعلياً في دوائر رفيعة جداً في عدد من العواصم التي زارها.
في تلك المطالعة السياسية قدّم القطب المذكور قراءة سريعة للوقائع في العراق ودول الجوار العراقي. هناك في رأيه، تتصاعد حدة الاحتقان الذي قد ينفجر في أية لحظة ويتمدد إلى كل المحيط. يبادر أحد الحاضرين إلى السؤال: هل هذا تحليل أم معلومات؟ فيجيب بصراحة أسقطت التحفظ الذي كان يتحصّن به: هذا الأمر قيد النقاش الآن في كل المنطقة، لا بل هناك خطط استراتيجية بدأت ترسم للتعامل مع نتائج هذا الاحتمال وكيفية مواجهته وتداعيات ذلك على كل "مناطق التماس" السنية ـ الشيعية.
لكن القطب عينه يستدرك بفتح كوّة لمرور النور وسط ذلك المشهد المعتم: ليس بالضرورة أن تترجم هذه المخاوف.. هناك أمل.. لكنها مخاوف حقيقية لها معطياتها الجدية، وهذا الاحتمال يبدو متقدّماً في الوقت الراهن، بكل أسف...
خيم الوجوم على الحاضرين، ولم تنفع جرعة الأمل التي تعمّد القطب ضخّها إلا في مزيد من الأسئلة القلقة حول تداعيات ذلك على لبنان الذي لا يحتاج سوى إلى "إبرة صغيرة" تفجّر بالون الاحتقان السياسي المتراكم، فكيف إذا كان "المفجّر" قراراً ظنّياً يرى فيه فريق من اللبنانيين أنه مسيّس ويخدم مشروعاً كبيراً لإسقاط المقاومة في لبنان كبديل عن حرب تموز؟
انتظر القطب انتهاء سيل الأسئلة التي انهالت عليه تفتّش عن أجوبة مطمئنة، فأجاب عليها باختصار مكرراً أكثر من مرة العبارة ـ المفتاح:"مفتاح الحلّ في جيب الرئيس سعد الحريري".
في اليوم التالي، جاء زائر يريد أن يسمع من القطب نفسه ما يمحو كلام الليل بما فيه من سواد، فقال له: "ما قلته بالأمس سمعته من مسؤولين في عواصم عربية وأوروبية، وما سأقوله الآن هو ما أتوقعه شخصياً. صحيح أن الوضع معقّد وخطير. وصحيح أن الغيوم الملبّدة تخيّم فوق المنطقة كلها. لكن موسم العواصف ما يزال بعيداً ويمكن الاستعداد لتفادي أخطارها. والمنطق يقول إن أحداً لا يستطيع تحمّل تبعات هبوب الأعاصير لأنه لن يكون بمنأى عن أضرارها. ما زال لبنان ضرورة. والمنطقة لا تحتمل ذلك الخطر الذي لن يبقى محصوراً فيها. راقب ماذا يحصل وسترى أن الأمل بتفادي السقوط يملك حظوظاً قوية.. لا تتوقّع صدور القرار الظني قريباً. هذا القرار سيبقى كالسيف المصلت لتحقيق مصالح كبرى في المنطقة، لكن من يمسك بقبضته لن يجرؤ على استخدامه لأنه يعرف أنه قد يجرح لكنه لا يتمتّع بـ"الحدّ" الذي يطيح بالرؤوس، مما يعطي للآخرين فرصة الردّ على قاعدة "يا قاتل.. يا مقتول".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018