ارشيف من :أخبار لبنانية
محطة أخيرة ... أهـم مـن نمـوذج
ساطع نور الدين، السفير
دولة أوروبية تولد على التخوم الشمالية للعالم العربي. هي ليست عضوا من الاتحاد الاوروبي وربما لن تكون أبدا. كما هي ليست محورا للمشرق الإسلامي وربما لن تكون يوما. الثابت حتى الآن انها نموذج فريد من نوعه، لا يمكن تعميمه ولا يمكن تقليده. لكن المؤكد أنه سيشكل نقلة نوعية في الثقافة السياسية العربية والإسلامية، تتجاوز حدود سوريا والعراق ولبنان، لتصل إلى مصر والسعودية والمغرب العربي.
كلمة الاستفتاء بحد ذاتها كانت عميقة الأثر: تقدمت حكومة حزب العدالة والتنمية ذات الطابع (لا التوجه) الإسلامي برئاسة سلطانها رجب طيب أردوغان، برزمة إصلاحات دستورية ترسي أسس الدولة المدنية في مواجهة العسكر الذين حكموا تركيا في العلن ثم الخفاء منذ انهيار السلطنة العثمانية، وترسخ قواعد ديموقراطية حقيقية، تضمن الفصل بين السلطات وتحمي حقوق المواطن. لم تتمكن من ضمان غالبية الثلثين في البرلمان، فلجأت الى الناخبين الذين منحوها تفويضا حاسما بغالبية تقرب الثلثين.. بعد حملة انتخابية جدية ومسالمة لم يسقط فيها قتيل واحد، ولم تشهد اتهاما واحدا بالتزوير او الرشى.
استوفى الاستفتاء جميع المعايير الغربية. لم يكن نسخة عن استفتاءات العالم العربي والاسلامي او العالم الثالث عموما، التي غالبا ما انتهت الى رقم الـ99 بالمئة، الذي يتوج الرئيس ملكا يحكم حتى الممات، او حتى الغزو الخارجي. ورفع مرتبة تركيا الى مصاف الدول المتقدمة، التي يمكنها ان تتباهى حتى على شركائها الاوروبيين الغربيين وانتخاباتهم الخاضعة لسلطة المال وجماعات الضغط والتأليب، التي أنتجت في معظم الاحيان رؤساء وحكومات من خارج المزاج الشعبي العام.
خطت تركيا خطوة تاريخية نحو قيام دولة ديموقراطية بالمعنى الحرفي للكلمة. لم يبق امامها سوى تطوير وتحديث الفصل التام بين الدين والدولة. وهي مهمة شاقة ومعقدة بالنسبة الى حزب العدالة والتنمية الذي لا يستطيع ان يقطع جذوره الاسلامية، كما انه لا يمكنه ان يقترح دستورا علمانيا على النمط الاوروبي الغربي.. يتعرض هذه الايام لانتهاكات دينية مسيحية من قبل جماعات متعصبة تستحضر الاسلام عدوا لكي تحيي ثقافة الحروب الصليبية وبرامجها العسكرية والسياسية.
يظلم أردوغان ويساء فهم حزبه اذا ما قيل انه قدم التعديلات الدستورية لكي يضمن الالتحاق بالنادي المسيحي الاوروبي المغلق في وجه تركيا، او لكي يشتبك مع هذا النادي في مواجهة حضارية جديدة تعيد الى الأذهان الحروب العثمانية الاوروبية. بعد اليوم لم تعد تركيا بحاجة الى بطاقة العضوية الاوروبية، لا سيما ان استقرارها السياسي وتطورها الاقتصادي يفوق بدرجات مستوى 20 من اصل 27 دولة عضوا في الاتحاد.
لكن اردوغان لن يظلم احدا اذا ما فكر ان ضمان التجربة التركية الجديدة يستدعي اكثر من المصالحة السياسية مع انظمة الحكم في سوريا والعراق ولبنان. ولن يتأخر قبل اكتشاف حاجة تركيا الماسة الى إجراء عمليات إصلاح وتحديث جدية في الدول الثلاث أولا، ثم في بقية بلدان العالم العربي الذي يشكل عمق تركيا الاستراتيجي، ولم ينفصل عنها الا لاسباب تكتيكية، على ما جاء في كتاب وزير خارجيته أحمد داود اوغلو.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018