ارشيف من :أخبار لبنانية
دمشق: كلام السيّد شأن داخلي يعالجه اللبنانيون
نقولا ناصيف ـ الاخبار
3 إشارات متتالية لم تكتم تبنّي دمشق الضمني ما قاله السيّد (أرشيف ــ هيثم الموسوي)كثرت التأويلات التي أحاطت بالمؤتمر الصحافي الأخير للمدير العام السابق للأمن العام اللواء الركن جميل السيّد، لكن أحداً لم يسعه منذ الأحد الماضي الجزم بالموقف السوري ممّا قاله الرجل، إلى أن تلاحقت الإشارات
بعد ساعات على المؤتمر الصحافي الذي عقده اللواء جميل السيّد الأحد الماضي (12 أيلول)، اتصل مدير مكتب رئيس الحكومة نادر الحريري ثلاث مرات بالمستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري الوزيرة بثينة شعبان، للتحقق من رد فعل دمشق على الحملة العنيفة وسبحة التهديدات التي أطلقها السيّد، وبعضها شمل الرئيس سعد الحريري. ورغب مدير مكتب رئيس الحكومة، وهو يشتكي، في جسّ نبض سوريا حيال موافقتها على كل ما ساقه السيّد.
لم يأته الجواب سريعاً، إلى أن أبلغ بالموقف السوري بناءً على توجيهات الرئيس بشّار الأسد. وفحواه أن ما قاله السيّد شأن داخلي، وعلى اللبنانيين معالجة مشكلاتهم في ما بينهم. قالت دمشق أيضاً إنها أخذت علماً بشكوى الحريري من المدير العام السابق للأمن العام، ولاحظت أن ما قاله الرجل يمثل جزءاً من مشكلة داخلية، مع التأكيد ـــــ تبعاً لتوجيهات الأسد ـــــ أن الرئيس السوري لا يزال يحتضن رئيس الحكومة.
في ساعات قليلة أخرى، كانت إشارة ثانية. استقبل الرئيس السوري وزير الطاقة جبران باسيل الاثنين. وفي مسار أحاديثهما، بدا ردّ فعل الأسد إيجابياً بإزاء ما أطلقه اللواء المتقاعد، ولم يُظهر انزعاجاً أو توريطاً لسوريا في ما لا تريد قوله، بل لفت إلى وجود مطالب لأفرقاء تأذّوا ويقتضي الإصغاء إليهم.
ومن غير الإفصاح عمّا دار بين الأسد وباسيل، كانت الإشارة الثالثة انتظار ما سيقوله الرئيس ميشال عون بعد الاجتماع الدوري لتكتل التغيير والإصلاح البارحة. اقترنت هذه الإشارة بالتأكيد أن عون سيطرق الموضوعين اللذين أثارهما بسخونة السيّد، وبتصعيد مماثل كون عون بات معنياً مباشرة بعلاقته بهما، وهما الملفان القضائي والأمني الوثيقا الصلة والتأثر برئيس الحكومة. وهو مؤشر إلى ما كان سمعه زوّار دمشق في الأيام الأخيرة من الأسد، ومؤداه أن سوريا لن تقول لهذا الطرف أو ذاك ما ينبغي أن يقوله أو لا يقوله، ولن تتدخّل في ما بينهم أو تستجيب وساطة في الجدل الدائر، تاركة للأفرقاء اللبنانيين حلّ معضلاتهم بأنفسهم. وهكذا قال عون أمس ما قال.
عكست الإشارات الثلاث هذه، المتلاحقة في أقل من 48 ساعة، موقف دمشق من المؤتمر الصحافي للسيّد، وسط تأويلات متناقضة بين الأفرقاء اللبنانيين، بين قائل بإيحاءات سورية انطوى عليها المؤتمر الصحافي واستمدها من الاجتماع الخامس بين الرئيس السوري والسيّد الثلاثاء الماضي (7 أيلول) غداة إدلاء رئيس الحكومة بحديثه المدوّي في صحيفة الشرق الأوسط، بين قائل آخر عزا المؤتمر الصحافي إلى وجهة نظر شخصية نأت دمشق بنفسها عنها.
الواضح أن سوريا لم تظهر حتى الآن تردّداً في تبنّي موقف المدير العام السابق للأمن العام من قضية شهود الزور، ولم تشكُ من نبرته العالية في إثارتها، ولم تقيّد إجراءات المضيّ فيها لدى القضاء السوري، ولم تجد خصوصاً إحراجاً في موازاة دعم السيّد تأكيد تأييد الحريري ومساعدته على تجاوز العقبات التي تجبهها حكومته، في وقت استهدفت فيه استنابات قضائية سورية بعض معاوني رئيس الحكومة، واستنفدت حتى الآن، في أقل من سنة، أربع مراحل في حقّ هؤلاء لدى دعوتهم إلى المثول أمام قاضي التحقيق في دمشق، قبل أن تذهب إلى أبعد من ذلك في غضون ثلاثة أسابيع.
لكن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب فحسب. ووفق مطّلعين عن قرب على موقفها، تقارب دمشق الجدل الساخن في بيروت منذ إطلاق السيّد، ثم حزب الله، حملتهما العنيفة على شهود الزور قبل أشهر، مروراً بحديث رئيس الحكومة إلى صحيفة الشرق الأوسط (6 أيلول) وتخليه فيه عن اتهام سوريا باغتيال والده الرئيس رفيق الحريري واعترافه بوجود شهود الزور، تبعاً للمعطيات الآتية:
1 ـــ تلقفت سوريا بارتياح كلام الحريري، وعدّته ترجمة أولى ـــــ وإن متأخرة ـــــ لما كان قاله مراراً أمام الرئيس السوري، ولكنها وجدت أنه غير كاف، لأن التصويب لا يقتصر عليها وحدها، بل أيضاً على فريق آخر من اللبنانيين استهدفه الاتهام وشهود الزور وتأذّى منهما كسوريا. تالياً يقتضي اتخاذ إجراءات مكمّلة لما قاله رئيس الحكومة بغية تصحيح الأخطاء التي ترتبت على الاتهام وشهود الزور.
أحد المغازي المهمة في حديث الحريري ذاك، وفاجأ به بعض معاونيه الأقربين، أنه تمسّك بمضمونه، بقوله إنه تعمّد نشره في صحيفة سعودية، لا سورية ولا لبنانية، كي يعبّر من خلاله عن دعم المملكة للموقف المدوّي هذا. على أثر صدوره، اتصل نجل العاهل السعودي ومستشاره الأمير عبد العزيز بن عبد الله بالحريري وهنأه عليه، ثم بادر الأخير إلى الاتصال بالرئيس السوري الذي هنأه بدوره على هذا الحديث.
لا يعود تراجع رئيس الحكومة عن اتهامه سوريا باغتيال والده إلى خامس لقاء جمعه بالأسد في سحور 30 آب الماضي، بل إلى الجلسة الثالثة التي ضمّتهما في أول زيارة له لدمشق، في 19 كانون الأول 2009 و20 منه.
يومذاك، في فطور 20 كانون الأول، قال الرئيس السوري لرئيس الحكومة الآتي: أراك مرتبكاً وغير مرتاح. قد تكون لديك هواجس نتيجة تراكم السنوات الماضية تقول لك إن سوريا مسؤولة عن اغتيال والدك. إذا كنتَ لا تزال متيقّناً من هذه الهواجس، فلا حرج لديّ في أن تخرج من اجتماعنا وتقول للإعلام إن اقتناعك هذا لا يزال نفسه ولم يتبدّل، وإن سوريا مسؤولة عن اغتيال والدك، ولكنك، في سبيل مصلحة لبنان وسوريا وشعبيهما، أتيت إلى هنا من أجل صوغ علاقات ثنائية على أسس جديدة تحتاج إليها الدولتان. أما إذا تبدّل اقتناعك هذا وتعتقد بأن سوريا غير مسؤولة عن الاغتيال وأنها اتهمت زوراً بذلك، ممّا يتطلّب فتح صفحة جديدة في علاقات البلدين وبناءها على أسس مختلفة، أهمها الثقة والصراحة، فيقتضي قول ذلك أيضاً.
كان ردّ الحريري أنه طوى المرحلة السابقة نهائياً، وأنه يريد مقاربة جديدة للعلاقات اللبنانية ـــــ السورية، مُبرزاً انفتاحه وإيجابيته حيال المستقبل. وأكد سعيه إلى إعادة ترتيب العلاقة الشخصية والسياسية مع سوريا، ومع الأسد بالذات.
2 ـــ تقول سوريا إنها قامت بما هو ملقى على عاتقها في موضوع شهود الزور في المرحلة المتاحة أمامها، فاستدعت، على أثر تقدّم اللواء السيّد في 20 تشرين الأول 2009 بدعاوى لدى القضاء السوري ضدّ شهود الزور، أحد هؤلاء المقيم في سوريا، وهو الشاهد المقنّع الذي ووجِه به اللواء السيّد إبان اعتقاله في أول أيلول 2005، الشاهد السوري هسام هسام لدى قاضي التحقيق في دمشق في كانون الأول 2009. ودوّن إفادته، المطابقة لتلك التي كان قد
أدلى بها في تشرين الأول 2005 عند لجوئه إلى سوريا، وكشف فيها أسماء شخصيات لبنانية قال إنه تعامل معها في سياق الشهادة الكاذبة
| ❞لن تقول دمشق لهذا الطرف أو ذاك ما يقوله أو لا يقوله
من الفطور إلى السحور: ماذا قال الأسد عن اتهام سوريا باغتيال الحريري الأب؟ |
نامت الاستنابات السورية في أدراج القضاء اللبناني، ولا تزال منذ أكثر من 11 شهراً. لم يجب عنها تحت وطأة ما اعتبره الرئيس السوري ضغوطاً سياسية على القضاء اللبناني. وهذا ما فاتح الحريري به في سحورهما الأخير في دمشق.
3 ـــ ينظر الرئيس السوري إلى قضية شهود الزور على أنه ملف تقتضي معالجته لبنانياً، ومن خلال القضاء اللبناني، على غرار ما فعلت سوريا. وهو لفت الحريري في سحورهما إلى أن من غير المناسب إبقاءه معلّقاً. كذلك كرّر عليه ما كان قد قاله له منذ أول لقاء جمعهما، وهو أن أي اتهام توجّهه المحكمة الدولية إلى حزب الله أو إلى المقاومة يمثّل اتهاماً لسوريا.
لكنه، في سحور 30 آب، أضاف إليه موقفاً مهماً سمعه رئيس الحكومة منه للمرة الأولى، وهو أن سوريا ليست في حاجة إلى أحد لتأجيل القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية، وأن لديها من القدرة والاتصالات ما يمكنها من تأجيله. ولم يفت الأسد توجيه إشارة ذات مغزى إلى ما عدّه دوراً سلبياً يقوم به بعض المحيطين بالحريري وبعض معاونيه، ولاحظ أن هؤلاء يُسيئون إلى العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. أضف أنه لا يسع هذه العلاقات، كي تكون جيّدة، الاكتفاء بالطابع الشخصي.
واقع الأمر أنه بلغ إلى مسؤولين سوريين كبار عبارة نُسبت إلى رئيس الحكومة، ذُكر أنه قالها في اجتماع ضمّه وبعض معاونيه على أثر نشر حديثه في صحيفة الشرق الأوسط، لم يَرُقهم مضمونها، فأجابهم ـــــ تبعاً لما وصل إلى دمشق ـــــ إن عليهم أن يصبروا قليلاً، وهو يكتفي بإمرار الوقت.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018