ارشيف من :أخبار لبنانية
بشير الجميل.. لن يعود مرة أخرى
نصري الصايغ، السفير
I ـ العبرة من استعادة بشير الجميل
لا عودة لبشير الجميل مرة أخرى.. في الرابع عشر من أيلول عام 1982، انتهى بشير وسقط مشروعه ولم يعد قيد التداول، وما يسمع اليوم من كلام قديم، لا طحين فيه. هو من صنف الجعجعة.
وطالما لا عودة لبشير الجميل، فلم استعادته والحديث عنه؟
الجواب: كي يساهم اللبنانيون في دفن تلك الحقبة نهائياً، ووضع حراسة مشددة عليها، ولعدم تقليدها بمثيلات طائفية، بعدما أخلت المارونية السياسية المسرح، مدماة ومأزومة وعلى وشك نهاياتها.
جواب آخر: كي لا يحلم أحد بعد الآن، بمشاريع انتحارية، متوهماً أن الكاريزما كافية، والعصبية الطائفية ملبية، واتجاهات الريح الدولية مؤاتية، لارتكاب سياسي، تكرر مراراً، وقد يستعاد، فيجر لبنان إلى منصات لإطلاق النار على فلسطين والفلسطينيين، وعلى دمشق والعروبيين، وعلى الأقليات اللبنانية كثيرة العدد.
جواب آخر: كي تكف آلة القتل، عقاباً على ارتكاب، أو ثأراً لجريمة، أو تسهيلا لمخطط، أو فاتحة لأبواب الجحيم المشرعة على حروب أهلية، وحروب الطوائفيات التي أدمنت تهادي القبور والمجازر.
جواب آخر: كي لا يكون اللبنانيون، إلى أي كيان سياسي/ طائفي/ اجتماعي/ انتموا، وقوداً لمحرقة، تنتقل نيرانها من «تل الزعتر» إلى الدامور، ومن الصفرا إلى إهدن، ومن النبعة إلى الشوف، حيث أُعيدت القرى فيه إلى العصر الحجري.. وكي لا يستشهد أحد، متوهماً أنه يموت من أجل انتصار، يدوم لأيام.
جواب آخر: كي نقرأ ما حدث في تلك الحقبة، بالسياسة، وليس بالتشفي وإيقاظ النعرات ونبش القبور والتبارز في القدح والذم.
II ـ الاغتيال كان حكماً سياسياً بالإعدام
غبي جداً، من كان يظن أن بشير الجميل لن يغتال. أحمق من كان يظن أن مشروعه سينجح، وأن نجاحه في اقتناص رئاسة الجمهورية بقوة الاحتلال، سيشكل انتصاراً، تتأسس عليه حقبة جديدة في لبنان وفي المنطقة.
إن سوابق مثل هذه الحالات، أفضت إلى مقتل أنور السادات، صانع «مجد العبور»، كما قيل، وإلى مقتل وصفي التل، صانع مجازر «أيلول الأسود» في الأردن... وبشير الجميل، الذي طوّر العلاقة مع إسرائيل إلى حدود الشراكة في صياغة «شرق أوسط جديد»، مدعوماً من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، لم يكن ملك الساحة الإقليمية كي ينجو. فأعداؤه في السياسة، أكثر من أعدائه الذين تربوا على نيران أسلحته التي خاضها، ضد رفاق السلاح في الخنادق المسيحية المختلفة. ولذلك، اغتيل بشير جميل بيد اعدائه، وسقط معه المشروع، ولا تزال تداعيات ذلك السقوط ملموسة حتى اليوم.
وتبين بعد اغتيال بشير الجميل، أن عدد الأجهزة الأمنية المرتبطة بدول ومنظمات سياسية وحزبية وفلسطينية، والتي كانت تسعى لاغتياله، أكثر من أصابع اليد الواحدة. وصَدَف أن الذي نفذ «حكم الإعدام السياسي»، ولبنان مشتعل في حروبه، ينتمي إلى حزب عقائدي، ولا يعرف حتى اليوم، ما جرى بعد اعتقال حبيب الشرتوني وسجنه، وعدم محاكمته...
من ينظر إلى الاغتيال على أنه جريمة عادية، بحق رئيس جمهورية منتخب، يخطئ. كان الإعدام قراراً سياسياً، أو جزءاً من المعركة التي بدأت في العام 1975.
III ـ لست وحدك... والكل ضدك
في السياسة، لست وحدك. في المعارك، لست وحدك. في التنافس، لست وحدك... وبشير، لم يكن وحده في الساحة.
لنعد إلى رسم الواقع في ذلك الزمن المشؤوم:
كان بشير الجميل دعامة لبنانية، لمشروع كتائبي (قواتي تحديداً) ولمشروع إسرائيلي (شاروني أساساً) جرى تبنيه أميركياً في 17 آذار 1981، أي قبل انتخابه بأكثر من 18 شهراً.
وكان بشير قد استولى، بالقوة، على شركائه، فاستبعد آل فرنجية و«المردة»، وطرد «نمور الأحرار» وقائدهم داني شمعون، وقبض على ناصية الشارع والقرار، مطوّعاً حزبه الكتائبي ليمشي خلفه.
لقد أقنع بشير الجميل شركاءه عنوة، والياس سركيس لعجزه، والسعودية لنفورها من دمشق وقربها من أميركا. فلم يكن وحيداً. كان واحداً في محور محلي إقليمي دولي، وعندما أقدم على خوض معركته، بالتقسيط، في معسكره، ودفعة واحدة، ضد معسكر الخصوم (لبنانيين وفلسطينيين وسوريين) توهم أنه وحيد. ومن كان معه وحوله من مستشارين ومؤيدين، أغفلوا أن المعسكر الآخر أيضاً ليس وحيداً. فعندما اندفع الجميل، لتأييد حرب إسرائيلية/ سورية فوق الأراضي اللبنانية، تخوّف منها المندوب الأميركي فيليب حبيب، الذي استفظع الصدام الإسرائيلي السوري، ورأى مخاطره الكبيرة على لبنان. بشير لم ير ذلك كذلك. حبذ حرباً إقليمية فوق أرض لبنان، ليفوز بالسلطة.
بشير الجميل، كان يخوض حرباً ضد سوريا في لبنان، وضد الفلسطينيين في لبنان، وضد السوفيات في لبنان، وضد الأحزاب والطوائفيات اللبنانية المعارضة بنهجه في لبنان... وما كان ممكناً لهذه القوى أن تكون مكتوفة الأيدي.
لقد حسم بشير الجميل معركة رئاسة الجمهورية بمذكرات جلب لنواب الأمة، (وهم عادة يألفون هذا الأسلوب، لأنهم جلبوا لمبايعة اتفاق 17 أيار، ومن ثم لإلغائه، كما جلبوا سابقا لانتخاب الياس سركيس... ولم تتوقف مذكرات الجلب، في زمن الوجود السوري في لبنان). فاز بشير إذاً برئاسة الجمهورية لكن الأرض كانت محتلة من الإسرائيليين، وطلائع المقاومة بدأت في أكثر من منطقة.
صار الرئيس الحلم لجماعته والكابوس لأعدائه. لم يكن رئيساً على
الـ 10452 كلم2 مربعاً. كانت الأرض محشوة بالألغام. سوريا أخرجت من بيروت، ولكنها موجودة في صوفر وما تبقى من لبنان. المنظمات أخرجت من بيروت، لكن المخيمات كانت تعج خارج العاصمة بالمقاتلين. الأحزاب الوطنية كانت تستعد لمواجهة بشير الجميل وقوات الاحتلال الإسرائيلي معاً... ولقد فعلتها بفعالية.
اصطاد بشير المقعد الرئاسي، ولكن الرئاسة الفعلية كانت مستحيلة، والدليل، أنها امتنعت عليه بالاغتيال وعلى أخيه أمين الجميل، برغم التأييد الإسرائيلي المتفاوت، والدعم الأميركي السياسي والعسكري، بالجنود والبوارج وحاملات القنابل الأميركية، والدعم العربي الكيدي...
كان بشير الجميل رئيساً قوياً بذاته، على دولة أقوى منه بكثير، لأنها كانت موزعة، ومعظمها ضده. فكيف ينجح؟ وكيف ينجو من العقاب؟
IV ـ الخمينية في لبنان واندروبوف كذلك
لست وحدك في عقد التحالفات. الواقع السياسي في لبنان، لم ينج من تحالفات متناقضة... كان بشير حليفاً لأميركا وشريكاً لإسرائيل. ولكن سوريا استعادت قوتها العسكرية. لم تسقط كما كان يظن بشير في حديثه مع فيليب حبيب (مجلة النجوى العدد 1290). (وكم عوّل سياسي في لبنان، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري على سقوط النظام في سوريا).
كانت سوريا على موعد مع التغيرات الدولية. جاء اندروبوف. نصبت الصواريخ في أكثر من مكان. انتهت أزمة صواريخ سام في البقاع، فجاء السوريون بصواريخ أشد. كانت إيران قد دخلت المسرح. الخمينية أرسلت بذورها، فنبت لها في أرض لبنان، لبنانيون من الطائفة الشيعية، سيعيدون القضية إلى نصابها: طرد المحتل والتزام بفلسطين. وها نحن نعيش اليوم، حقبة فوز المقاومة على إسرائيل وأميركا ومن معهما في الخارج والداخل.
وحينها كذلك، كانت الأحزاب اللبنانية على أهبة إطلاق حركة المقاومة. مشروع بشير عاش قليلاً. كان وهماً ولم يكن حقيقة. والدليل، أنه بعد مقتله، تعرّض لعملية تجهيل واسعة ممن حوله وممن ورثه في رئاسة الجمهورية وفي قيادة القوات. لقد قتلوه نسياناً وانتقاماً ووراثة، ولم يبق منه إلا أصداء يرددها «قواتيون» أنشدوا لجعجع نشيد التأييد، في قداديس تحتفل بذكرى بشير.
فلا مشروع بشير كان قابلا للحياة، ولا مشروع وريثه كان قادراً على أن يحبو على قدميه... لقد انقضت القوات المشتركة لأمل والاشتراكي والمنظمات والأحزاب العقائدية، بدعم سوري ـ سوفياتي، على ما تبقى من سلطة أمين الجميل، وبات سجين قصر في بعبدا... لم تنفعه قوات «المارينز» ولا قوات حلف الأطلسي ولا الوقوف على أعتاب واشنطن، مهدداً دمشق بالقصف.
لقد قُصِفَ بشير بعد أيام من انتخابه، وقتل مشروعه بسرعة، وقُصِف عهد أخيه أمين، بعد شهور من وراثته الرئاسة وقُتل 17 أيار، وبات أمين يتسول حلاً، في لوزان أو جنيف، أو يتوسل حكومة لم تعد قادرة في عهده على الاجتماع، فعرف لبنان حقبة مضحكة، دعيت حقبة المراسيم الجوالة.
V ـ البحث عن المسيحيين في أصقاع لبنان
خارج ما كان يسمى «الغيتو» المسيحي، من بقي من مسيحيي الأطراف؟ في الجنوب؟ في شرق صيدا؟ في قضاء جزين؟ في البقاع الغربي؟ في البقاع الشمالي؟ في طرابلس وفي عكار؟
للعلم والخبر: عدد من كنائس هذه المناطق، مغلق. مفاتيح هذه الكنائس، إما بيد المختار أو بيد الشيخ أو إمام البلدة لرعايتها...
المسيحيون، تم تهجيرهم من الجبل ولما يعودوا بعد... برغم برامج العودة بالتقسيط.
المسيحي الذي انتشر في لبنان، منذ ما قبل الاستقلال، بل، منذ ما قبل تأسيس الكيان، شكل النسيج الوحدوي للبنان. وحدهم المسيحيون عاشوا مع الطوائف كافة، بعدما اختارت كل طائفة إسلامية أن تعيش وحدها. لم يعش السني مع الشيعي إلا بشكل محدود. ولا عاش هذان مع الدروز. وحدهم المسيحيون انتشروا وعاشوا مع السني والشيعي والدرزي والأرمني و...
الجريمة التي يجب أن يحاسب عليها بشير الجميل، هي تلك التي ارتكبها بحق مسيحيي الأطراف. لقد تم سحب شبابهم إلى لبنان الكانتون، وتُرك الباقون في خوف على وجودهم وحياتهم وأرزاقهم، من الطوائف الإسلامية.
الجريمة، أن المشروع الانتحاري، نحر المسيحيين، الذين نعتهم بشير: «نحن ملائكة هذا الشرق، وشياطينه». لقد كانوا ملائكة بنسبة ما. ولكنهم على يده، باتوا شياطين بنسبة عالية... ومارسوا الشيطنة الدامية، ضد بعضهم بعضاً وضد الآخرين.
الجريمة في توهمه أنه قادر على دفن الصيغة اللبنانية الميثاقية (الحد الأدنى للتعايش) لإقامة سلطة المارونية السياسية على كانتون. يومها، وقف والده في خلوة سيدة البير وقال لرفاقه: «إذا مشيتم خلف بشير بهذه الخطة، فلن يبقى مسيحي بعد 25 عاماً».
وبعد آلاف القتلى، اهتدى بشير إلى الصيغة، فأعاد إحياءها، وإحياء الـ10452كلم2. ولكن الأوان قد فات.
لقد قتل بشير ولن يعود مرة أخرى، لا من نسله ولا من طائفته. وليتعظ البشيريون من الطوائف الأخرى... وليتعلموا: لا مفر من دمشق. دمشق هي الأقوى، في عز ضعفها. ولا مفر من فلسطين: إنها القضية التي لن تموت. هي الأقوى برغم تجريدها من السلاح وأوراق القوة... أما اللعب بالصيغة اللبنانية الرثة، فكارثة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018