ارشيف من :أخبار لبنانية
في 14 آذار من لم ينتبه إلى أن تغييراً حصل في سوريا
برغم أن في قوى 14 آذار من أجرى أو يجري مراجعة، ولو على مضض، أو غصباً عنه، إلا أن هذه المراجعة تعني بالنسبة إلى هؤلاء «رجعة» إلى الخلف. وليس فيها أي نية لمحاسبة المخطئين أو الذين قدموا تقديرات خاطئة أو لجأوا الى خطوات أثمرت سلبيات وسلبيات. ويبدو أن هؤلاء يريدون الاكتفاء بمحو ما حصل خلال السنوات الماضية وكأن شيئاً لم يكن. أو أن ما أقدموا عليه مجتمعين أو منفردين هو مجرد مناورات سياسية لم تؤت ثمارها، ولا داعي لخضوعهم للحساب جراء ما فعلوه. وهذا المنطق، هو الذي يعيد الأمور في عقول هؤلاء الى ما كانت عليه الأمور سابقاً، ومن بادر منهم الى البحث عن علاقة جديدة مع سوريا، لا يزال يصر على صورة نمطية عن العلاقات السورية ـــــ اللبنانية كما عرفها الطرفان خلال العقدين السابقين.
وبحسب اعتقاد هؤلاء، فإن سوريا دولة لا تربطها علاقات مستقلة مع أي جهة في لبنان، وهي تقود من يتحالف معها مباشرة أو عن بعد. وبالتالي، فإن جوهر الفكرة التي يعمل عليها الرئيس سعد الحريري اليوم، هو القائل بأن أي اتفاق مع سوريا يغنيه عن أي اتفاق مع أي جهة لبنانية يعدّها هو في معسكر سوريا أو هي كذلك. وبناءً على ذلك، يمكن فهم شكل العلاقة التي يعمل الحريري وفريقه اللصيق على بنائها مع سوريا. وهو شكل منسوخ عما كان معمولاً به قبل الانسحاب العسكري السوري من لبنان في ربيع عام 2005، أي العودة إلى بناء جسور العلاقات الشخصية، والتودد الى من هو قريب من مركز القرار، والتعرف على ما أمكن من «مفاتيح النظام» في السياسة والأمن وعالم الأعمال. وكل ذلك يقوم على قاعدة أن هذه الطريقة من شأنها معالجة ما ترسّب من إشكالات شخصية، وعسى أن تعالج أزمة الثقة، وتفيد في إعادة الأمور الى مستوى من التواصل يعيد الوضع الى ما كان عليه قبل عام 2005... وفي هذا المجال، يجهد بعض محيط رئيس الحكومة في تقديم الاقتراحات والأفكار، وكل هؤلاء يقولون سراً وعلناً جملة واحدة: عليك أن تسترضي القيادة السورية فتحصل منها على ما تشاء!
الحريري كما جنبلاط لا يمانع في استرضاء سوريا من كيس غيره ظناً منه أن دمشق هي هيوعندما يتفاعل «التوابون» مع الأمر على هذا النحو، لا يهمّهم دفع الأثمان ما دامت من أكياس غيرهم. فها هو وليد جنبلاط لم يعد يعرف شيئاً اسمه «ثورة الرزّ» أو «انتفاضة الاستقلال» حتى وصل الأمر به حدّ طلب بدل إيجار من إلياس عطا الله لقاء العمل في بساتين تعود للزعامة الجنبلاطية في ساحل الشوف. أما سعد الحريري فليس مهتماً بغضب أو عتب كل فرقة الأمانة العامة لـ14 آذار، وهو الذي توقف عن دفع حصته من تمويل عملها. كما أنه ليس عابئاً بصورة كبيرة بعتب آخرين، حتى من قيادات تعمل معه.
لكنه مضطر في بعض الحالات الى الاستعانة بالمايسترو السعودي أو الحليف المصري لتخفيف غضب قوى بارزة في فريقه المنحل، مثل «القوات اللبنانية» وهو يكلف أحد مستشاريه بالعمل على إقناع الكنيسة المارونية بأن ما يقوم به ضروري وأنه قسري.
وفي سياق هذه الخطوات، يمكن العودة الى كل الأسلوب القديم: وشوشات وشكاوى، ذم بهذا وهجاء بآخر، وثناء على فلان واستعداد لمصالحة علان. وفي جوهر الأمر، يعرض «التوابون» سياقاً من التنازلات التي لا تحدّ من نفوذهم الحقيقي، ما دامت المطالب السورية لم تلامس بعد حد طلب الانتقال الكلي من موقع الى آخر. مثل حال وليد جنبلاط الذي يتذرع بأنه على «علاقة استراتيجية» مع السعودية، وبالتالي فإنه مستعد مقابل ترك هذه العلاقة له أن يفعل كل ما تريده دمشق، ولو اقتضى الأمر، إقامة احتفال تكريمي ضخم لناصر قنديل في المختارة. بينما يلحق به الحريري، مبدياً الاستعداد للاعتذار من سوريا ورئيسها وكل قياداتها ـــــ فرداً فرداً إذا لزم الأمر ـــــ شرط عدم إحراجه ومطالبته باعتذار من أبناء بلده الذين ظلمهم وأهانهم لسنوات. وأن يترك له هامش لتنفيس غضب جمهوره المغلوب على أمره، من خلال تركه يشنّ ما تيسّر من حملات على «الاجتياح الفارسي بواسطة حزب الله في لبنان».
وإذا كان في سوريا اليوم، مسؤولون من الذين يشتاقون الى صيغة منتهية الصلاحية من العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، ولو كان هؤلاء في الأمن والسياسة وعالم الأعمال، فإن ذلك ليس كافياً لرسم استراتيجية للعلاقة مع سوريا على قياس هؤلاء. وهو الأمر الذي لم يفهمه «التوابون» حتى اللحظة، ولو أن جنبلاط يسرّ في بعض الأحيان لندمائه بأن «في الشام شيئاً ما تغيّر».
وبناءً على ذلك، فإن عدم فهم حقيقة ما قام بين سوريا والقوى البارزة الحليفة لها في لبنان خلال السنوات الماضية، وإصرار فريق «التوابين» على تجاهل هذا الأمر، سوف يوقعهم في مزيد من الأخطاء، مثل تلك الرائجة اليوم حيال كيفية التعامل مع الإدارة السياسية والإعلامية لقوى المعارضة السابقة في مواجهة الملفات المتصلة بالتحقيق الدولي وسلوك أجهزة أمنية وقضائية لبنانية تخضع لتأثير فريق الحريري.
ثمة شيء حقيقي تغير، وهو الشيء الذي سيكتشف الناس، ولو بعد حين، أنه حقيقي، وأن سوريا لم تعد صاحبة مصلحة في العودة الى لبنان، وأن في لبنان قوى تملك حيثية لا تفيد سوريا في تعزيزها ولا في تحجيمها، وهي قوى قادرة على بناء خطاب وبرنامج عمل، وسوف يكون أمامها مهمة مركزية عنوانها: إذا كان متعذراً تغيير الحكومة، فليس مستحيلاً تحسين سلوكها!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018