ارشيف من :أخبار لبنانية

البطريرك «يكوّع» و«حزب الله» يرحّب... لكن بلا تطبيع

البطريرك «يكوّع» و«حزب الله» يرحّب... لكن بلا تطبيع

ملاك عقيل - صحيفة السفير 
 

لم يكن «غداء الديمان» بين البطريرك نصر الله صفير والنائب سليمان فرنجية سوى انعكاس لخطاب المهادنة الذي ينتهجه سيدّ بكركي منذ نحو شهرين. العودة الى الوراء قليلاً، تحديداً الى «الأيام الفرنسية» للبطريرك في حزيران الماضي، تكشف وقتذاك استحالة توقع سيناريو دعوة صفير لـ «البيك المشاغب» الى مقره الصيفي في الديمان. يومها اندلعت الحرب الكلامية بين بكركي والضاحية. صفير من باريس يصف «ما يسمى حزب الله» بـ«الحالة الشاذة»، مطالباً اياه بأن يكون وطنياً «أكثر من انجذابه الى ايران»، وقيادات الحزب تستنكر «الإساءة» وترفض «الدجل والتمويه والتحريض والديماغوجية». يومها اعلن غالب أبو زينب المكلّف متابعة «الملف المسيحي» في «حزب الله» ان العلاقة مع بكركي وضعت جانباً «وهي الآن ليست تحت الضوء». في بيروت كان حلفاء «حزب الله» المسيحيون يدجّجون «الجدار الفاصل» مع بكركي، ويجنحون أكثر باتجاه تعزيز علاقاتهم مع الرهبانيات المارونية، ويردّدون في مجالسهم الخاصة عبارة واحدة «استحالة التعايش مع «فكر» سيد بكركي».

إعلان «حزب الله» لا يزال ساري المفعول حتى اليوم، ويبدو ان «ضجيج» بكركي الخافت الى أدنى مستوياته، لم يدفع بعد باتجاه إعادة العلاقة الى دائرة الضوء. فبعد عودته من العاصمة الفرنسية، حاملاً عبء مواقفه «النارية» باتجاه الحزب وسلاحه، يقرّر صفير من دون مقدمات الدخول الى زحلة، للمرة الأولى، على وقع شعار «ابواب بكركي مفتوحة للجميع»، مبتعداً عن مقاربة ملف المقاومة، مع ان صفير قبل ساعات من قدومه الى زحلة، جارة دمشق، أطلق تأكيدات بعدم جدوى زيارته سوريا «بما ان هناك ثلاثة مطارنة يقومون بواجباتهم حيال المسيحيين هناك»، ومعتبراً «انه بعد مدة عندما يأنس بنفسه (حزب الله) ان يحكم البلد ويستولي عليه، سيفعل ذلك».

بعد زحلة، يعود صفير الى خلوته الصيفية في الديمان. يقوم بزيارات الى بعض المناطق، ويلغي أخرى في اهدن وقرطبا، مرّدداً أمام سائليه عن «تكويعات» الآخرين والمستفسرين عن الخط الوطني للصرح «ما بتحرز نغيّر يا ولادي». مع ذلك، لا تستفزّ صفير أحداث برج ابي حيدر الى حد رفع الصوت مجدداً.
 
يكتفي بالإشارة الى انها «لا تريح البال». أما بيان المطارنة الموارنة المولود في توقيت استثنائي يبدو فيه «حزب الله» كأنه القائد الأعلى لمعركة إسقاط المحكمة الدولية، والطرف «الآخر» المحتمل لبروفة فتنوية سنية ـ شيعية متنقلة بين شوارع العاصمة بيروت، فـ«يأسف للأحداث المؤلمة في العاصمة»، ويطالب المسؤولين «على كل الصعد بأن يعملوا على وضع حد لفوضى السلاح»، متوقفاً بشكل مركّز على خطر التوطين وتناقضه مع الدستور، مستنسخاً هواجس المعارضة السابقة. وتفتح بكركي ذراعيها مرحبة قبل أيام بالسفير الايراني في لبنان غضنفر ركن ابادي، من دون ان تضطر على الأرجح الى إعادة تذكير ضيفها الدبلوماسي، ممثل أحد طرفي «محور الشر»، بضرورة قطع حبل السرّة مع «حزب الله» الذي يعمل لمصلحة طهران، كما كان يردّد دوماً سيّد الصرح.

يأتي تلاقي «البطريركين»(صفير وفرنجية) في الديمان تعبيرا متجددا عن تلك النظرة البطريركية الضعيفة تجاه «ابناء العائلات المسيحيين» وتحديدا الموارنة، اذ مهما «ضل سليمان بيك فرنجية» الطريق، فهو ابن عائلة (اقطاعية تاريخية) في الساحة المسيحية، وتحديدا المارونية.

يستذكر بعض قياديي «حزب الله» الهجوم الآذاري عليهم بعد الكشف عن اللقاء الذي جمع غالب أبو زينب مع السفير البابوي في لبنان غبريال كاتشيا والذي صوّره صقور «الأمانة العامة» لقوى 14 آذار كأنه بمثابة شكوى من «حزب الله» على البطريرك صفير لدى دوائر الفاتيكان، مع العلم بأن اللقاء قد حصل قبل مدة طويلة من السجال الأخير بين الكنيسة والحزب حول سلاحه ودوره في لبنان. أكثر من ذلك، لا يرى الحزب جدوى ملموسة من حصول تقارب «منظّم» مع صفير «ما دام انه ثابت على مواقفه ونحن أيضاً». لكن في العلن، تُرفع رايات النيات الحسنة، من الجانبين. يقول رئيس المجلس العام الماروني وديع الخازن الذي يعمل على تقريب المسافات بين الطرفين «لدى «حزب الله» الاستعداد الدائم للاجتماع بصفير مجدداً، لكن على البطريرك ان يلاقيه الى نصف الطريق». ويرى في المواقف المهادنة لصفير «إعادة قراءة للمستجدات في المنطقة». من جهته، يرى أبو زينب «ان الخطاب الهادئ هو السياق الاستيعابي لدور يفترض ان تلعبه مرجعية دينية كبرى كبكركي، كل خطوة تقوم بها محسوبة، كما انه دور يجب ان تلعبه كافة المرجعيات الأخرى».
 
وبارتياح كبير يتلقّف «حزب الله» النبرة المهادنة لصفير. لكن هذا الخط البياني، يضيف أبو زينب، يحتاج الى ثبات يؤدي الى فتح آفاق جديدة في العلاقة. مبدأ زيارة وفد من الحزب الى بكركي غير متفق عليه في الوقت الحالي، إنما الزيارة على اهميتها، يوضح أبو زينب، ليست هي الهدف الأساس، فنحن لا نريد ان نسلب أحدا حق التعبير عن رأيه، لكن كل ما نطلبه ان يأتي الخلاف ضمن دائرة التباين والتفاهم المتبادلين، الأمر الذي من شأنه ان يخدم استمرار الحوار والبحث الدائم عن القواسم المشتركة». ومع ذلك لا أحد يتحدث عن قطيعة على خط بكركي ـ الحارة، والمعلومات تفيد بأن أبو زينب ينشط على خط إبقاء الملف مفتوحاً عبر لقاءات مع مقرّبين من الصرح البطريركي ومع بعض المطارنة ومراجع كنسية.

خلافاً لما يشيعه خصوم صفير من المسيحيين عن عدم قدرة سيّد بكركي على الإحاطة «الواعية» بمجمل التطورات على الساحتين الاقليمية والداخلية بالنظر الى كبر سنه، لدى مسؤولي الحزب قناعة تامة بأن صفير واع تماماً لكل كلمة يتلفّظ بها، «فهو محاط بمطارنة تم تكليفهم من قبل الفاتيكان حتى يواكبوه في أعماله وقراراته، وهو ـ كما فريقه ـ أصيب بشيء من الإحباط. لقد شهد صفير بنفسه الانهيار الكامل لمشروع 14 آذار. عايش «اتفاق الدوحة»، وواكب المسار التصالحي لسعد الحريري مع دمشق، ثم «الاعتراف بالذنب». شهد على الإقرار بالدور السوري مجدداً، من قبل السعوديين تحديداً، خلال لقاء «الجبّارين» في بعبدا. حاول استيعاب «الغَزلة» السريعة لوليد جنبلاط من اليمين الى اليسار. خاب أمله من الاسترخاء الاميركي في مواكبة «ثورة الأرز»... والأهم ان بكركي تشعر بالعزلة، وأبطال «التهميش» هم من الخط الآذاري قبل ان يكونوا من أي خط آخر، عبر سعيهم لإعادة ترميم الجسور المقطوعة مع سوريا». وفي قاموس المعارضين من يردد أن «الفاتيكان كان له الدور الأساس في التخفيف من لهجة صفير».

منذ مدة قصيرة، وصلت الى مسامع «حزب الله» «داتا» جديدة عن «نَفَس» بكركي السياسي. برأي ناقل هذه المعلومة «هناك «شيء جديد» في لغة صفير يمكن البناء عليه، ويبدو ان أولى ترجماته برزت في لقاء صفير وفرنجية في الديمان». «حزب الله» يجد نفسه، عن قناعة، في موقع المرّحب بكل خطوة ايجابية في سياق التلاقي. ويتمنى ان يصل النائب فرنجية في مكان ما الى تفاهمات كبرى مع الكنيسة بالرغم من التباينات في الرأي. ففرنجية، يقول أبو زينب، لا يسعى لتغيير قناعات بكركي، لكنه يرفض ان تكون طرفاً في اللعبة السياسية. هذه البداية تفترض إحداث نوع من التراكمات كي يبنى على الشيء مقتضاه.

في الشكل لا ترابط موضوعياً بين عملية التقارب بين «حزب الله» والسفارة البابوية وبين علاقته «الجامدة» مع البطريرك صفير. برأي الحزب يجب ان لا تفسّر أي خطوة باتجاه ممثل الفاتيكان في لبنان بأنها ضد بكركي، والعكس صحيح. لكن في المضمون فإن مسار التواصل مع الفاتيكان يرتبط على ما يبدو بمدى تطور العــلاقة بين الحزب وبكركي. بعد اللقاء الذي جمع أبو زينب وكاتشيا، رفع الأخير تقريراً الى دوائر الفاتيكان يفيد بمضمون الاجتماع. ومن تسنى له التواصل مع السفير البابوي نقل عنه اقتناعه «بما يمثل «حزب الله» من مد شعبي للطائفة للشيعية لا يمكن إغفاله»، كما ان كاتشيا يتعاطى مع الحزب بوصفه تجمعاً سياسياً له وزراؤه ونوابه في الحكومة والبرلمان. لكن احتمال قيام وفد من «حزب الله» بزيارة ثانية الى السفارة البابوية، لن يتم إلا عبر «قناة» البطريركية التي لم تعارض سابقاً اللقاء الأول بين ممثل الحزب وكاتشيا.

أما بشأن ما حكي عن زيارة متوقعة لوفد من «حزب الله» إلى الفاتيكان، فيقول وديع الخازن «المسار الطبيعي لهذه الزيارة سيكون عبر السفير البابوي في لبنان وبمباركة البطريركية المارونية». أما أبو زينب فيؤكد «انفتاح «حزب الله على كل ما يمكن ان يؤدي الى التفاعل مع الآخرين، خصوصاً في ظل المرحلة الحساسة التي نعيشها والتي تتطلّب التواصل والحوار البنّاء».

المسافة بين الضاحية وبكركي ليست أقل من تلك التي تفصل مقر البطريركية عن دمشق. فمنذ وصول السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي، لا يتواجد الدبلوماسي في اي مناسبة مرتبطة بنشاطات البطريركية. وأحد الظرفاء اللبنانيين ينقل كلاماً صريحاً عن مسؤولين سوريين «إذا كان البطريرك لا يرى جدوى في زيارة دمشق، فنحن نشدّ على يده». الظريف السياسي يقول «يجب أن نتمنى ونصلي كي يصل الى الموقع الأول في «حزب الله» ابن إحدى العائلات الإقطاعية الشيعية التاريخية... ربما يكون سيد بكركي من أوائل المهنئين»!

2010-09-17