ارشيف من :أخبار لبنانية
سوريا على الحياد أم تنتظر الوقت المناسب لتظهير موقفها؟
عماد مرمل - صحيفة السفير
إذا كان النداء الاخير للأمانة العامة لقوى 14 آذار يشبه أدبيات هذه القوى عندما كانت في «عزّها» في مرحلة ما قبل اتفاق الدوحة، إلا انه، بمعزل عن المضمون الانشائي، وهو واحد، فإن هناك فوارق كبيرة بين 14 آذار اليوم والأمس، ما يجعل هجومها العنيف على حزب الله والعماد ميشال عون بتهمة السعي الى تنفيذ إنقلاب داخلي، يفقد الكثير من وزنه السياسي.
بهذا المعنى، يبدو محتوى نص النداء أقوى مما يمثله أصحابه بالفعل، بحيث إن فعاليته تكاد تقتصر على الدوي اللفظي في ظل تراجع القدرة السياسية وضمور الحجم التمثيلي.
ولعل ما يجدر التوقف عنده هو أن الانقلاب الحقيقي حصل على فريق 14 آذار من داخله بالدرجة الاولى، بعدما خرج منه سياسيا النائب وليد جنبلاط وتنظيميا حزب الكتائب، فيما باتت مشاركة تيار المستقبل في هذه التركيبة محكومة بتوازنات وحسابات العلاقة المتنامية بين الرئيس سعد الحريري والرئيس السوري بشار الاسد.
وإضافة الى التحولات الحاصلة في جسم 14 آذار التي أصابته بعوارض الوهن، شهدت البيئة السياسية العامة، المحلية والاقليمية، تغييرات جوهرية أفقدت هذا الجسم الكثير من نضارته.
في السابق، استفادت قوى 14 آذار من «فرصة» الاتهام السياسي لسوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري من أجل تعبئة شريحة واسعة من الرأي العام وقيادتها في معارك سياسية وانتخابية رابحة. كما وجدت تلك القوى في الصراع الحاد الذي كان قائما بين الولايات المتحدة والسعودية من جهة وسوريا من جهة أخرى مناسبة ثمينة لاكتساب دور سياسي حيوي شكل «منصة متقدمة» للضغط على دمشق.
أما اليوم، فقد سقط الاتهام السياسي لسوريا بالضربة القاضية وعلى يد الرئيس سعد الحريري نفسه، فيما شهدت العلاقة بين الرياض ودمشق نقلة نوعية، أتاحت للعاصمتين ان تشكلا نوعا من الحضانة الإقليمية للوضع اللبناني بعدما كان صراعهما يمثل أحد صواعق التفجير المزروعة فيه. كما ان الحصار الدولي الذي كان مضروباً على سوريا تفكك تدريجياً واستعاد الغرب صلاته معها ولو بدرجات متفاوتة، في موازاة التراجع الأميركي في المنطقة الذي عبّر عنه انسحاب القوات القتالية من العراق، في مشهد مغاير تماما لمشهد وزير الخارجية الاميركي السابق كولن باول وهو يزور دمشق غداة سقوط بغداد لعرض شروط الاستسلام على النظام السوري.
هذا التبدل في الوقائع، أفقد فريق 14 آذار الكثير من «امتيازاته» السابقة، ووضع مصيره بين يدي رئيس الحكومة الذي بات يمثل لهذه المجموعة «القيمة المضافة» الوحيدة تقريبا، بما يختزنه من بُعد إسلامي وازن، وإلا فإن مغادرة الحريري تعني عمليا ان 14 آذار فقدت «التغطية الذهبية» ولم يبق منها سوى بعض ملامح قرنة شهوان.
من هنا، يمكن فهم حرص مسيحيي 14 آذار على إبقاء المساكنة قائمة مع الحريري برغم امتعاضهم من الوتيرة المتسارعة لانفتاحه على دمشق ومبالغته في تقديم التنازلات المجانية لها. يعتقد هؤلاء أن البقاء قريبا من رئيس الحكومة يتيح لجم اندفاعته نحو دمشق أو على الأقل حصر خسائرها، في حين ان الابتعاد عنه سيسهل لسوريا احتضانه واحتواءه.
ليس خافيا أن مسيحيي 14 آذار أصيبوا بالصدمة بعد الكلام الأخير لرئيس الحكومة حول إسقاط الاتهام السياسي لسوريا والاعتراف بوجود شهود الزور. بداية، أعطى سمير جعجع إشارة الانزعاج الاولى من خلال تأكيده أن المحكمة وحدها هي المخولة بتوصيف شهود الزور، ثم جاء خطاب النائب نديم الجميل في ذكرى اغتيال والده ليتهم سوريا مباشرة بعدما كان قد برّأها رئيس الحكومة.
ومع ذلك، بدا أن هناك رغبة مشتركة لدى مكونات 14 آذار في تجاوز هذا التناقض أو التعايش معه، لا سيما أن هناك قاسماً مشتركاً آخر يمكنه أن يعوّض التباين في النظرة الى سوريا، ألا وهو الموقف من حزب الله.
كان واضحا من النداء الأخير للأمانة العامة لقوى 14 آذار انها سايرت الحريري في الشق المتعلق بسوريا، حسب ما يتبين من اللغة المرنة التي جرى استخدامها في معرض الكلام عنها، بينما تمت مخاطبة حزب الله والعماد عون بنبرة حادة جدا بلغت حد اتهامهما بالعمل على تنفيذ انقلاب شرس، في استعادة لنمط الأدبيات المستعملة خلال ذروة المواجهة بين فريقي الموالاة والمعارضة، مع فارق وحيد وهو أن «البلاغات» السابقة لـ14 آذار كانت تربط «المشروع الانقلابي» لحزب الله والجنرال بأمر عمليات سوري، وكانت تنظر اليهما باعتبارهما مجرد أداة محلية في خدمة مصالح دمشق، فيما يجري حاليا تبرئة القيادة السورية مما يقوم به حلفاؤها في لبنان، الذين استعادوا فجأة قرارهم المستقل، بل ان هؤلاء باتوا متهمين بأنهم يسيئون الى سوريا والعلاقة معها، وفقا لما ورد في النداء.
يبدو جلياً ان الخصومة مع الحزب وعون أصبحت الرابط الاساسي بين مكونات 14 آذار، بعدما انتهت صلاحية «اللاصق السوري»، ولكن السؤال المطروح على ضوء مضمون النداء الاخير هو: الى متى يستطيع سعد الحريري أن يستمر في الجمع بين علاقة دافئة مع دمشق وصراع محتدم مع حلفائها في لبنان، وهل تقف سوريا فعلا على مسافة واحدة من الحريري وتحالف حزب الله ـ عون، أم أن خيارها محسوم بالانحياز الى جانب حلفائها الأصليين ولكنها تنتظر الوقت المناسب للتعبير عنه وعندها سيكون على رئيس الحكومة مراجعة حساباته مرة أخرى.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018