ارشيف من :أخبار لبنانية

انقلابيّو 14 آذار يحنّون إلى زمن ميليس وبرنامجهم تجديد جريمة الـ 2005

انقلابيّو 14 آذار يحنّون إلى زمن ميليس وبرنامجهم تجديد جريمة الـ 2005
ابراهيم الأمين، الأخبار

قبل خمس سنوات تقريباً، كان المشهد اللبناني مأسوياً. زعران من «14 آذار» يحتلون الشوارع والساحات والشاشات. والانتهازيون يزحفون من كل حدب وصوب باتجاه قريطم والسفارتين الأميركية والفرنسية. كان المعبر الحدودي بين لبنان وسوريا يفتح للعمال السوريين الفارّين من جحيم العنصرية اللبنانية. وكانت ميليشيا ديتليف ميليس وعصاباته اللبنانية والمتعددة الجنسيات، تطارد خصوم الانقلابيين في مؤسسات الدولة وفي الأمكنة الخاصة والعامة. لا حرمة لشيء.

مجموعات بدت تختزن حقاً تاريخياً خرجت من خلف الجدران أو من خلف أقنعة كانت تغطي وجوهها، وصارت تنهش في الجسد اللبناني. حملة مذهبية وترهيب فكري وإعلامي وسياسي واجتماعي لا سابق له. قليلون نجوا من لعبة الإرهاب في حينه. وكثيرون سقطوا في فخ الرعب. من كل أصناف المؤسسات، أمنيون وسياسيون وموظفون وعمال، رجال دين وقضاة وأطباء، مهندسون وعمال وبائعو الخضر واليانصيب أيضاً، سائقو الحافلات والسيارات العمومية الصغيرة، المزارعون في الأرياف ونساء على أشكالهنّ تقع الكارثة. إعلاميون ومثقفون لبسوا خلال وقت قصير ثوب الأساتذة، طاردونا في الصحف والإذاعات والتلفزيونات وفي المنتديات، وهم يشرحون لنا التغيير الذي يعصف بالمنطقة. لم يكن يجمع بين كل هؤلاء سوى شركات الإعلان الأميركية التي جاءت بمهمة جديدة بعد رحلة أوكرانيا، لافتات رفعت وشعارات حلّت مكان تحيات الصباح، ومفردات باتت تفتتح بها ليالي الحانات الحمراء. تلك التي انتشر فيها عسس 14 آذار، بجديده الفاجر، أو قديمه الذي نقل البارودة من كتف الى كتف. لكن السواد يلف العقول والأعين، وصار التافهون نجوم لبنان.

قبل خمس سنوات تقريباً، كان أمر العمليات قيد التنفيذ: اعتقال قادة الأجهزة الأمنية وعزل الرئيس إميل لحود. محاصرة «حزب الله» ومطاردة كل من يتمسك بعلاقته مع سوريا، وترهيب كل صاحب صوت مختلف، فيما كانت ماكينة ميليس لا تتوقف عن ابتداع ما يجب لحجز حرية من يجب كتم صوته، أو إرهاب الآخرين باعتقاله، أو دفع آخرين للرضوخ كي لا يأكلهم الغول بعدما أكل ثورهم الأبيض. وفي تلك الفترة، كان ممنوعاً على أحد الاعتراض، أو التشكيك، لأن في ذلك انتماءً الى مجموعة قتلة الشهيد. كان يجب تحمّل «زناخات» كل المارين على قريطم بحجة أنهم محزونون. كان يجب أن تُترك لهم المنابر ليشتموا ويقرّعوا ويهينوا من يريدون بحجة أنهم في حالة غضب مبرر. كان يجب الصمت على موبقات التنصت على هواتف الناس ومراقبة بيوتهم وملاحقة سياراتهم ومساءلة موظفيهم والتدقيق في جوازات سفرهم وقوائم المسافرين منهم، لأن في ذلك ما يبرر استنفارهم الأمني كي لا يهرب القتلة.


قبل خمس سنوات تقريباً، وعلى مدى ثلاث سنوات من العهر، كان على الجميع القبول بالأمر الواقع، وبأن الانقلابيين الذين استولوا على ما تيسّر من سلطات نافذة وعلى تعطيل ما لم تصله أيديهم، هم أبناء الرجل الصالح الذين يريدون بناء الدولة، ومنذئذ، لا مجال للسؤال عن الإنفاق المالي من خزينة المواطنين، ولا عن المليارات الإضافية التي تكدست فوق الدين العام، ولا عن الاستباحة الكاملة للبلاد والعباد بحجة البحث عن القتلة. وكان ممنوعاً مساءلة أي أحد في الحكم عن سبب وضع لبنان تحت الانتداب الدولي من جديد. ولماذا تقرر فئة انقلابية أن تعطي لاستخبارات العالم فرصة الدخول الى حيث ترغب في لبنان، وصاروا، هؤلاء الصغار، يرصدون سيارات وشاحنات تخص رجال المقاومة بحجة أنه ربما يكون فيها القتلة. وصاروا يهددون الإعلاميين بحجة أن أي انتقاد هو إثارة للفتنة الطائفية. حتى عندما قرر أبرز قطب شعبي في حركة 14 آذار العماد ميشال عون التنبيه الى خطر الفتنة، وصم بالخائن وبأنه أرسل كحصان طروادة، فتقرر عزله ولو بمؤامرة اسمها التحالف الرباعي.

قريب من رئيس الحكومة سعد الحريري، يروي أنه عندما حصلت الانتخابات النيابية عام 2005، حمل فؤاد السنيورة بطاقة الائتمان الخاصة بالأغلبية النيابية. قال إنه لم يعد يحتاج الى أحد. أغلبية نيابية بيده، ومعه السعودية ومصر والأردن ودول خليجية وعربية أخرى، ومعه أوروبا والعالم، وجورج بوش يذكره في كل صلاة وتصريح، وبأنه سينفذ اتفاق الطائف الذي يجعل منه ملكاً فوق ملوك الطوائف. ومن لا يعجبه فيلضرب رأسه بالحائط. أخفى السنيورة البطاقة في جيبه، ولم يعد يرد على أحد. صار معنياً بتثبيت زعامته، متكلاً على أقلية مسيحية تآمرت لقلع إميل لحود من قصر بعبدا. لكن سرعان ما اكتشف أن صاحب الرصيد الفعلي ليس موافقاً.
 
سحب وزراء حزب الله وأمل من الحكومة، فتعطلت ماكينة الصرف الأولى، أغلق المجلس النيابي، فتعطلت ماكينة الصرف الثانية، أقفل الشارع فتعطلت ماكينة الصرف الثالثة. فجأة، انتبه السنيورة بأن بطاقة الائتمان لا تزال في جيبه، لكنها غير صالحة للعمل. وفوق ذلك كان قد خسر الأغلبة المسيحية والأغلبية الشيعية حتى صار مع الوقت أسير أقلية مسيحية وأقلية درزية، يبتزّه وليد جنبلاط فيقبل، ويبتزّه مسيحيّو 14 آذار فيقبل، الى أن جاء أيار بعواصفه، فأطاح كل شيء دفعة واحدة.

ولما حاول أسياده في البلد والمنطقة والعالم إنقاذ سعد الحريري من بعده، بذلوا كل جهد من أجل حصوله على أغلبية نيابية في انتخابات عام 2009، لكن الحريري اكتشف بعد أيام قليلة، أنها أغلبية هشة، غير قادرة على رفعه الى مستوى رئيس للحكومة، فاضطر خلال شهور الى التنازل هنا وهناك والعودة الى التوازن الفعلي الذي لا تغيّره انتخابات مزوّرة بالمال والعصبيات، وقبل شراكة تمنعه من الحكم منفرداً.

 كانت جريمة حرب تموز 2006 قد فشلت في تحقيق هدفها، فصار الانقلابيون في وضع أكثر صعوبة، ولما تقرر خارجياً التفاهم مع سوريا على تنظيم الأمور في لبنان، سحب من الدرج لغم اتهام حزب الله بالتورط في جريمة اغتيال رفيق الحريري. ومنذ ذلك الحين، عاد الانقلابيون في الخارج كما في الداخل الى تنظيم صفوفهم في معركة تعدّ بالنسبة إليهم المعركة الفاصلة والأخيرة، وهم الذين لم يخجلوا يوماً في استخدام أي سلاح في معركتهم السابقة، باتوا اليوم أكثر توتراً، ولم يعد يمنعهم شيء من اللجوء حتى الى الانتحار الجماعي، لكنهم يشعرون بأنهم لا يقدرون على البقاء في هذا الموقع، وأن عليهم العودة الى الإمساك بزمام المبادرة والعودة الى تثبيت نتائج انقلابهم السابق. وهم يفترضون، كما يشجعهم الغرب، أن إنجاز القرار الاتهامي خلال شهرين من الآن، سوف يتيح لهم الفرصة للانقلاب من جديد، حتى إذا نجحوا في خلق أرضية صلبة، تتدخل إسرائيل لتساعدهم في الإجهاز على المقاومة. ولذلك هم لا يتحملون أي مراجعة توجب عليهم الالتزام بدفع أثمان الأخطاء الكبرى. فتراهم الآن يريدون لنا الاكتفاء بتصريحات وليد جنبلاط عن أهمية الاستقرار وضرورة حفظ سلاح المقاومة، أو أن نهلل لأن سعد الحريري أقرّ بأنه أخطأ حين اتهم سوريا، وأن نكتفي بأنه أقرّ بوجود شهود زور، لكن من دون محاسبتهم أو من كان خلفهم، وبأن يأخذ في المقابل حرية الحركة في إدارة اقتصاد البلاد بنفس السياسة التي أدّت الى الإفقار والنهب العام المنظّم.

واضح أن في بقية الانقلابيين من لا يريد العودة الى الخلف قليلاً، وإعادة قراءة الأمور بطريقة مختلفة. ومن وجد أن الفرصة سانحة لإعادة اعتقال جميل السيد لأنه صرخ بوجه الحاكم مطالباً بحقه، فهو واحد من اثنين، إما متورط في لعبة تجديد الانقلاب، وإما غبي لا يعرف في السياسة والتاريخ شيئاً. وفي الحالتين، يعتقد كثيرون أن إثارة ملف شهود الزور والتسييس الذي يطبع عمل المحكمة الدولية، إنما هي مناورة لا أكثر ولا أقل، وأن بالإمكان الرد عليها بمناورة مقابلة مثل تأجيل إعلان القرار الاتهامي شهرين أو أكثر، أو الحديث عن مسعى لمناقشة ملف شهود الزور دون الولوج إليه. وفي الحالتين، فإن العودة الى الانقلاب من جديد، ليست ممكنة بأي ظرف ممكن، وإن ناراً كثيفة سوف تحول دون حصول ذلك، وإن زمن الترهيب والتخويف والاعتداء على كرامات الناس وإذلالهم، سقط في 7 أيار من عام 2008. فهل من يتذكر، ما دام هناك من رفع شعاراً أعلى من قامته يوم قال: ما بننسى والسما زرقا؟


2010-09-18