ارشيف من :أخبار لبنانية
رهــائــن
سليمان تقي الدين - صحيفة السفير
لم تصمد المساكنة الاضطرارية في «حكومة الوحدة الوطنية». بدأ العد العكسي لانهيار التسوية التي قامت على سلبيتين جرى التواطؤ على وصفهما بالإيجاب: نعم للسلاح، نعم للمحكمة. لعلنا نتذكر جلسات التفاوض الصعبة للإقرار بشرعية سلاح «حزب الله». ومن قبل نعرف كيف أقرّت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. آنذاك قال أحد قادة فريق السيادة: «أعطونا المحكمة وخذوا الحكومة». ومن تسوية إلى تسوية ظرفية أخرى ظلت المسائل الخلافية معلّقة ومؤجّلة. كل الأطراف في حال من الكمون والانتظار لتغيّر في عناصر قوتها. مسلسل الانقلابات غير المكتملة ما يزال قيد الاختبار.
البنية الطائفية تكبح التحوّل الجذري في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن المحرّضات في الداخل والخارج تدفع الأمور نحو المواجهة. لا يستطيع فريق من اللبنانيين كما أثبتت التجربة في الماضي والحاضر، أن يأخذ البلد إلى الفلك الأميركي الإسرائيلي حتى في ظل الاحتلال المباشر وحضور قوات الحلف الأطلسي. ولا يستطيع فريق آخر أن يجعل لبنان حالة وطنية متقدمة في ظل هذا التفكك والتناحر والتخاذل في المحيط العربي. تجرّأ ويتجرّأ فريق سياسي على إعلان تعامله مع «الشيطان» الإسرائيلي لأن معظم النظام الرسمي العربي صار في هذا الموقع بالذات. هذه «المعادلة الشيطانية» لم تعد خيار أقلية خائفة أو تدّعي الخوف، وهي كانت تنظر بإعجاب لإسرائيل منذ نشأتها كدولة دينية بحماية الغرب. صارت «المعادلة الشيطانية» ثقافة فريق سياسي كبير من أطياف مختلفة يتجرّأ على القول إن إسرائيل ليست عدوتنا الآن بل سوريا هي العدو. كانت هذه الثقافة حصيلة ما آلت إليه أوضاعنا بعد أن احتلت إسرائيل العاصمة العربية الثانية في ظل صمت عربي وتشريع للسلطة التي انبثقت عن ظروف الاحت`لال. أزلنا الاحتـلال ولم نزل آثاره فـي البنية السياسية والاجتماعية لأن مســيرة المقــاومة انفــصلت عن مسـيرة التغيــير في الداخــل..
أصبح السلاح الذي حرّر منبوذاً، مـقاومة وطنـية حوصــرت في زمن سابق، ومقاومة إسلامية تحــاصر اليــوم من النظامين العربي والدولي. حوصر سلاح المقاومة بالقرارات الدولية من 1559 إلى 1701 بعد الـحرب الطـاحنة عليه، ويحـــاصر مشروع المقاومة الآن بالمحكــمة الدولية. الــتوقيت الدولي لا يتطابق مع الــتوقيت المحلي، واللــحظة التي بدأ يظهــر دور المحــكمة يتناغم مع حلقات التطويع الأخرى من فلسطين إلى العراق.
في واقع الأمر هذا النظام الطائفي قاتل لكل أشكال التقدم والتطور والنهوض في مواجهة التحديات الوطنية. في نظام يعطي شرعية لكيانات الطوائف بهذا الشكل تفرض الطوائف منطقها وقيمها ومعاييرها وتسقط إمكانية المساءلة والمحاسبة فتتكرر الأزمات والمآسي.
هذا العقد الطائفي الجهنمي السرطاني غطى المظالم السياسية والاقتصادية التي ارتكبها الفريق الحاكم بعد الطائف، هو نفسه سمح بالارتداد على الميثاق الوطني، وأسقط هيبة الدولة بأمنها ونظام عدالتها. هو الآن يأخذ البلد إلى مأزق انفجاري. لا «العدالة» اللبنانية الممسوخة قادرة على استعادة شرعيتها وهيبتها، ولا «العدالة» الدولية المشبوهة أصلاً قادرة على استعادة مصداقيتها. اللبنانيون اليوم رهائن لمشاريع سياسية مستحيلة. فلا شرعية السلاح تحظى بإجماع رغم إنجازاته الوطــنية، لأنه تخندق في صراع سلطوي مبتور ولا شرعية المحكمة رغم طابعها الأخلاقي تحظى بإجماع لأنها صارت أداة في التدخل الدولي لتغيير السلطة اللبنانية، بل لتغيير المعادلة الإقليمية بالمزيد من قرارات مجلس الأمن.
المفاضلة بين السلاح والمحكمة جائر طبعاً بأبسط المعايير لأن الرهائن اللبنانيين وعشرات آلاف الشهداء والضحايا لم يسبق لأحد لا في الداخل ولا في الخارج أن فكّر بإنصافهم وإقامة العدالة من أجلهم.
العدالة الاستنسابية نافية للعدالة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018