ارشيف من :أخبار لبنانية

الآتي أعظم؟

الآتي أعظم؟

واصف عواضة، السفير

ليس الانقسام الداخلي والجدل الدائر حول أتفه القضايا وأعظمها، هو أخطر ما يحيق بلبنان في المرحلة الراهنة وفي المستقبل القريب. ان الأخطر من ذلك كله هو ما يدور في المنطقة، وينعكس بالضرورة على لبنان، وليس ما يجري على ساحتنا الا مظهرا من مظاهره الملتهبة عاجلا ام آجلا.

ساذج من يعتقد ان أزمتنا الحقيقية هي في الموازنة وشهود الزور والمحكمة الدولية والنكد المتبادل بين الفرقاء اللبنانيين. فهذه القضايا كان يمكن إيجاد تسويات لها على الطريقة اللبنانية، فيما لو كانت منعزلة عن موقع لبنان ودوره في الصراع العربي الاسرائيلي الذي يشهد اليوم أخطر مراحله من خلال المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الدائرة بدفع أميركي غير مسبوق.

ان الأزمة الحقيقية التي تنتظر لبنان تكمن في مواجهة النتائج التي ستخلص اليها المفاوضات، سواء في حالة النجاح أو الفشل، اذ سيجد اللبنانيون انفسهم أمام واقع صعب لا مناص منه، وعليهم اتخاذ القرار الذي يحاولون الفرار والتملص منه، لجهة مصير الفلسطينيين الموجودين على الاراضي اللبنانية. فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق دولة فلسطينية، سواء كانت مستقلة وكريمة الجانب، أو كانت "على ظهر حمار" كما يحلو للبعض توصيفه، فإن حق العودة للفلسطينيين لن يكون ملحوظا في هذه الدولة ولا في فلسطين الكبرى التي تشمل الدولة العبرية، اذ ان أخطر ما يسعى اليه الاسرائيليون في هذه المفاوضات هو انتزاع إقرار فلسطيني بدولة يهودية صافية. وعلى لبنان ان يواجه ساعتئذ قرار التوطين سواء كان فاضحا أو مقنعا. أما اذا فشلت "عملية السلام" فإن واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والمقدر ديموغرافيا بعشر عدد السكان، لم يعد يحتمل التغاضي عنه بعدما باتت المخيمات قنابل سكانية موقوتة بفعل "الحصار" غير المعلن، والتهرب بحجج واهية، من منح الفلسطينيين حقوقا مدنية وإنسانية تمنع الانفجار الآتي بلا ريب.

في ظل هذا الواقع لن يستطيع لبنان ان يظل بمنأى عن مسيرة المفاوضات، وهي الكأس المرة التي يحاول تجنبها باعتبارها عملا مكروها في سياق تركيبته الداخلية غير المتماسكة. وثمة مؤشرات كثيرة على ان فريقا من اللبنانيين سوف يصعّد لهجته قريبا باتجاه الدفع في هذا المنحى. وليس أدل على ذلك من تلك التصريحات والاشارات المتتالية الى "تهوين" التعاطي مع" اسرائيل" كأمر واقع في هذه المنطقة. ويجب ألا يتفاجأ أحد غدا بدعوات صريحة الى التفاوض مع اسرائيل من اطراف تحسب نفسها حتى الآن في دائرة العداء للدولة العبرية. وفي هذا السياق سوف تتصاعد الضغوط بأشكال شتى على القوى الممانعة والرافضة لهذا التفاوض، وفي طليعتها حزب الله ومقاومته، وهي بدأت بالفعل بأكثر من وسيلة منذ إخفاق "اسرائيل" بالقضاء على المقاومة في حرب تموز عام 2006.

كان يفترض باللبنانيين أن يستعدوا لمواجهة المرحلة الصعبة المقبلة, لكن واقع البلد في هذا المجال لا يبشر بالخير, في ظل دولة مفككة باتت مؤسساتها أشبه بكانتونات مستقلة تتصارع على النفوذ. وقد دق رئيس الدولة قبل أيام ناقوس الخطر لأن "الآتي أعظم"، مستدركا ما ينتظره البلد من مصاعب تتطلب رجال دولة لمواجهتها، فهل ثمة حياة لمن ينادي؟


2010-09-20