ارشيف من :أخبار لبنانية

عن الحزب والمطار و«الأمراء» و«الجمهور»

عن الحزب والمطار و«الأمراء» و«الجمهور»

جعفر العطار - صحيفة السفير

تحوّل مشهد مواكبة «حزب الله»، بسياراته الأمنية الفارهة والمموهة، للواء جميل السيد في أثناء عودته من فرنسا السبت الفائت، إلى مادة جذب في أول الأمر، ثم انتهى المطاف، مع بداية التحليلات السياسية لمواقف الفريقين المتخاصمين، إلى أن «الحزب» خرق كل القوانين عندما «اجتاح» المطار.
كان المشهد، سياسياً وكبيراً جداً، يدل إن دل على رسالة تنحصر في أطرها السياسية، يدركها الطفل الصغير قبل الكبير: «نحن، الحزب، مع هذا الرجل.. حتى نهاية المعركة، ولا يفكر أحد بتوقيفه». اذا استدعي جميل السيد هكذا نتصرف، فكيف اذا استدعي عنصر في المقاومة أو كادر من كادراتها في لعبة «القرار الظني» القاتلة؟

إنها قصة البلد الذي وُلد ومعه قطعة الجبنة الشهيرة. قصة طوائف ولعبة سياسية، يعرف الصغير قبل الكبير، أن مفاتيح حلها أكبر من هؤلاء الذين يبشّرون «جماهيرهم» بخرابٍ مقبل على البلد. إنها قصة أخرى.

غير ان «اجتياح المطار»، الذي رُسم على نحو هجوم عسكري، كان يُقدّر أن ترفع فيه الرشاشات وتُرمى القذائف، مع احتمال حجز رهائن (من المسافرين) لا يزال مصيرهم مجهولاً - ربما، وغيرها من التكهنات التي رددها كثيرون، كانت ضمن إطار اللعبة السياسية نفسها، فيما الواقع يقول إن سبب رواجها هو أمر واحد: وجود كاميرات صوّرت تلك المشاهد.. فقط وكان مطلوباً من المنظمين أن تصور كل التفاصيل حتى لا يغيب أي منها عن المشهدية.

بديهي أن يُستفز المرء من تلك المشاهد - في ظل «الحرب» السياسية التي فتحت أبوابها على كثير من المواقف - معتبراً تلك الخطوة السياسية بمثابة عرض للعضلات المنفوخة بالقوة الأمنية والعسكرية لحماية السيد. حتى أن أصدقاء المقاومة وبعض جمهورها لم يكن سهلا عليه الدفاع عن الصورة... وبديهي أن يرى «جمهور» الفريق الآخر في صور المواكبة الأمنية تحدياً واضحاً، فيما تُرفع صدور «الجمهور» الحزبي المنافس، مزهوة، من المشهد نفسه.

لكن كيف يُفسّر، كما تم تفسيره خلال مواقف دراماتيكية مركزة، ان «الحزب»، أمنياً وقضائياً، اجتاح واحتل المطار، فيما صالون شرف المطار يستقبل يومياً رجال أعمال وأمراء من دول الخليج، ورجال سياسة وأصحاب نفوذ ووفوداً عسكرية وأمنية أجنبية وصناديق سوداء لا يستطيع لا الجمرك اللبناني ولا الأمن العام الاقتراب منها؟.
كيف يُفسّر ان «الحزب» اقتحم المطار عنوةً، بينما سبق لحرس سرية رئاسة الحكومة أن واكب جوني عبده في زيارته الأخيرة لحضور زفاف عائلي، وقد سُطرت في حقه مذكرة توقيف وليس استدعاء، ثم أعيد توصيله إلى مدرج المطار بالطريقة نفسها، تلك التي ربما لا تعتبر تعدياً على كل القوانين، ولو تم إيجاد التخريجة القانونية غب الطلب في العدلية.

كيف يُفسّر ان «الحزب» احتل المطار، لأنه فتح صالون الشرف للسيد جميل السيد، في اليوم الذي كان س. ن. قد وصل من عمان وجلس في الصالون المحاذي لضيوف السيد، وسياراته الخاصة تنتظره في الباحة نفسها التي دخلت إليها سيارات «الحزب»؟

كيف تشن الوسائل الإعلامية حرباً على «الحزب» لأنه احتل المطار، فيما يحق لأي مواطن أن يحجز صالون الشرف، عقب كتاب يرسله إلى مديرية «الطيران المدني»، يقضي بدفع 500 ألف ليرة لبنانية، ويخوله المكوث مدة ساعة مع وفد يضم عشرة أشخاص وعدد من السيارات المرافقة؟

كيف يُفسرّ ان «الحزب» اجتاح أمن المطار، في الوقت الذي يحق لأي متموّل، أو أمير خليجي، ان يرسل (ليس هو طبعاً) كتاباً إلى وزارة الخارجية يطلب فيه فتح صالون الشرف (غير صالون الشرف الوثير)، حتى تتم الموافقة وتصل أضعاف السيارات التي أدخلها «الحزب» إلى الباحة الخارجية، والتي لم تدخل - كما تردد في الأوساط السياسية والإعلامية - إلى الباحة التي يحق للرؤساء الثلاثة فقط أن يتوجهوا إليها؟

كيف يُفسّر ان «الحزب» استباح أمن المطار، فيما القيّمون على أمن المطار يجمعون على ان ذاك المشهد يتكرر يومياً هناك؟ ألم تشاهدوا محطة «نيو تي في» تخرق الأسوار أربع مرات من أربع جهات وفي بعضها مع عدة النقل المباشر؟ لماذا يتحوّل مشهد سياسي مستفز، إلى مشهد «عسكري» مخالف للقوانين ويمهد لانقلاب صارت خطوات تنفيذه قاب قوسين أو أدنى، في حين يقول المشرفون أنفسهم إن أمن المطار مستباح من أبرز الجهات السياسية والأمنية يومياً، إما عبر «لعبة» تبادل الخدمات، وإما عبر فرض النفوذ الذي لا مناص من تنفيذه؟

كيف يُفسرّ ان «الحزب» اجتاح المطار، وخرق قوانينه (التي لا رقيب عليها)، فيما لم يسأل أحد من أهل الساسة، وحتى «الحزب» نفسه، لماذا حاول فراس حيدر الهروب من وطنه إلى الخليج، عبر صندوق عجلات الطائرة، ثم قضى نحبه بعدما تسلل، واجتاح أمن المطار فاراً من لوثة البلد والعوز، متأملاً العودة مع تلك اللقمة لذويه، لقمة العيش؟

«حزب الله»، وليس من السهل الدفاع عنه، لم يحتل المطار يوم استقبل جميل السيد، لكنه قرر أن يجعل لسقف معركته مظلة عالية جداً، و«جماهيره» على طريقتها تردد:«نحن معكم».

«جمهور» الضفة المقابلة جدد عهوده، ولا يزال. بل إنه يقول إن «الحزب» أرسل له «هدية» مجانية: «لقد جعلنا نعود لنقف إلى جانب الرئيس سعد الحريري، بعد زيارته الأخيرة إلى دمشق ومقابلة «الشرق الأوسط»، إذ كنا نعيد التفكير بمواقفه الأخيرة. لكن «الحزب»، مشكوراً، أعاد الأمور إلى نصابها».

2010-09-21