ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري يرسم سقفاً لخطواته... ويتمسّك بالمحكمة وتحالفاته
خضر طالب - صحيفة السفير
قد يحتدم النقاش ويتشعّب حول خلفيات الأزمة السياسية الراهنة، ومن السهل أن ترمى تهمتها على الوقائع الإقليمية «الناشطة» دفعة واحدة حول ملفات ثلاثة ليس لبنان من ضمنها: فلسطين والعراق والملف النووي الإيراني.
لكن رمي الإنزلاق اللبناني إلى السخونة السياسية في «شرايين» المفاوضات الإقليمية المحتدمة، فيه ما يكفي من عناصر الإقرار بأن لبنان لم يعد جزءاً من المعادلة الرئيسة في المنطقة، وأن الواقع اللبناني أصبح خارج الاهتمامات الكبرى.
على هذا يمكن البناء للإستنتاج أن أبعاد الأزمة الراهنة تكمن في إعادة «ترتيب البيت» اللبناني بتوزيع «أجنحته» على الأطياف و«الألوان» اللبنانية، في سياق خطة مدروسة لرسم صورة مختلفة عن تلك التي جرى تعليقها على جدران الأعوام السابقة منذ العام 2005 داخل إطار السلطة والحكم، ولكن فيها الكثير من مكوّنات ما كان سائداً قبل محطة خروج الجيش السوري من لبنان، لتعود عجلة التاريخ في لبنان إلى الوراء وتستدرك أخطاء الماضي لصياغة حاضر بعنوان جديد ومضمون قديم.
لكن «العبور إلى الوراء» سياسياً لا بد أن يؤدي إلى التخلّص من «أحمال» خمس سنوات «اعتراضية» في هذا المسار التاريخي، وهو ما يضع كثيراً من العناوين على الطاولة لبحث مصيرها، وفي مقدّمها آليات السلطة التي «انتزعت» من النظام السابق ووضعت في خدمة مرحلة سياسية كانت تقودها حسابات دولية كبرى للمنطقة انطلاقاً من لبنان.
ولهذا فإن جوهر الخلاف القائم حالياً يتركّز على العناوين التي ظلّلت النقطة المحورية التي أسّست للتحول السياسي في 14 آذار من العام 2005، والتي بات النقاش علنياً في تصنيفه للتاريخ بين توصيفين: «ثورة الأرز» أو «الإنقلاب»...
أما النقطة المحورية المتعلّقة بالاتهامات السياسية التي سيقت لسوريا باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإنها ارتكزت إلى ما ورد على ألسنة شهود صاغوا حبكة سيناريوهات تفصيلية حول هذا الاتهام الذي أودى بكل ركائز البنية السياسية ـ الأمنية للنفوذ السوري في لبنان، وسجن رموز تلك البنية كي يسهل الانقضاض بعد ذلك على ما بقي من حضور سوري... حتى على المستوى السياسي. ولذلك فإن نقطة الارتكاز في العودة عن «الخطأ» في اتهام سوريا الذي «اعترف» به رئيس الحكومة سعد الحريري، يكون بالرجوع إلى تلك المحطة بالذات، بحيث يرفع الغطاء عن أولئك الشهود الذين كانوا السبب بالوقوع في تلك «الخطيئة» التي ارتكبت بحق سوريا لـ«تعويضها» والتأكيد على الإعتذار منها. وهنا تحديداً تكمن خلفيات السجال السياسي الذي طفا على سطح التحوّل الجديد في لبنان، خصوصاً بعد أن قال الرئيس الحريري كلمته ومشى تاركاً خلفه فريقه وحلفاءه يتخبّطون في نزاع حول كيفية التخلّي عن كل ما حقّقته المرحلة السابقة لهم.
ومع عودة الرئيس الحريري إلى بيروت بتأكيدٍ على ما قاله للزميلة «الشرق الأوسط»، فإن النقاش الساخن الذي كان يراقبه عن بعد ويرصد ارتفاع وتيرته إلى الذروة بعد أن يكون كل الأطراف قد استنفدوا ما لديهم من تعابير تراشقوا بها، ليبدأ في عملية ترجمة مبسّطة لمضمون تصريحه الشهير، ولهذا فهو احتاج أخيراً إلى توجيه كلمة إلى الرأي العام اللبناني، وإلى جمهوره على وجه الخصوص، كان قفز فوق الحاجة إليها بعد باكورة زيارته إلى دمشق ولقائه الأول بالرئيس السوري الدكتور بشار الأسد.
ما الذي يمكن أن يقوله الرئيس الحريري للبنانيين؟ وما هي الكلمات التي سيتوجّه بها إلى جمهوره تحديداً لإقناعه بصوابية وأهمية ما قام به من خطوات منذ انتهاء الانتخابات النيابية في العام 2009 وتسلّمه رئاسة الحكومة؟
مبدئيا، لا يملك الرئيس الحريري سوى التحصّن بمنطق «رئيس حكومة كل لبنان» كمبرر يمكن أن يستخدمه جسر عبور إلى الجمهور المعترض على اعتذاره من سوريا وعلى رفع الغطاء عن شهود الزور الذين تسببوا بخطأ اتهام دمشق، انطلاقاً من حرصه كـ«رئيس حكومة كل لبنان» على العلاقة مع سوريا لما فيها من أهمية حيوية وضرورية للبنان.
لكن الحريري الذي سيقدّم شهود الزور كبش فداء لإصلاح ما ارتكب من خطأ مع دمشق، لن يتقدّم خطوة واحدة في اتجاه أي تعديل على موقفه المتمسّك بالمحكمة الدولية التي يعتبر انها حجر الزاوية في كشف حقيقة قضية اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فضلاً عن قناعته أن أي تنازل في هذا الصدد لن يكون مردوده إيجابياً على كل المستويات.
كما أن الحريري يبدو كمن رسم خطاً فاصلاً يضع حدّاً للخطوات التي سيقوم بها، وهي تؤكّد موقعه السياسي داخل بيئة قوى 14 آذار، مما يعني بالتالي أنه متمسّك بتحالفاته، وخصوصاً مع القوات اللبنانية وحزب الكتائب وباقي المكونات المسيحية في 14 آذار، وهذا ما قد يشكّل استمراراً للهوّة بينه وبين حلفاء سوريا في لبنان، بل وربما يؤدي إلى استمرار فجوة في علاقته بدمشق التي يبدو أنه مصرّ على دخولها بـ«جواز سفر سعودي»، وهو ما يبقي الحذر قائماً لدى دمشق ويعرقل مشروع بناء جسور الثقة بين الحريري وسوريا التي لا يبدو أنها أحكمت إطمئنانها بالكامل إلى خطوات الحريري «النظرية»، لأنها تنتظر الترجمة العملية لها من خلال تنفيذ أجندة عمل محدّدة تزيل رواسب المرحلة الماضية وما علق منها في مسار العلاقة مع لبنان.
كل ذلك يعني أن انحسار التوتّر السياسي خلال الساعات الماضية قد لا يكون سوى «استراحة محارب»، ويفتح الباب أمام احتمال عودة هذا التوتّر في الأيام المقبلة من دون ضابط إيقاع إقليمي يمنع الانزلاق نحو تغيير «قواعد» الاشتباك وشكله وآلياته الإعلامية، إلى ما هو «أفعل» و«أكثر» تأثيراً على الطرفين...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018