ارشيف من :أخبار لبنانية
خسر عقاب في مواجهة جميل.. لكن الطموح ليس عيباً
جهاد بزي _ صحيفة "السفير"
لا أحد غير النائب عقاب صقر لمواجهة اللواء جميل السيد، شاب بأناقة وشعر وبشرة وجه تدل على عناية خبراء في عالم الجمال، نجم من نجوم الشاشة، يقارع فنانيها. متحدث ممتاز تنساب لغته جذابة توحي دائماً بشمولية في الرؤية السياسية، وصلابة، من غير تعنت في الموقف المتخذ عن قناعة وعمق. حجة حاضرة، وسخرية مهذبة وذكية تقطف انتصاراتها من خصمها من دون أي جهد يذكر، صورة السياسي العصري تسويقها مطلوب ومرغوب عند "التيار الأزرق" الذي يحضنها، بل يراها من أفضل صوره.
وصقر، وإن كان لم يتبرع من تلقاء نفسه لمواجهة السيد، فلا شك أنه تحمس بشدة لهذه المهمة مع واحد من أكثر السياسيين و"الأمنيين السابقين" إثارة للجدل، في الوقت الحاضر على الأقل. فمثل هذه المواجهة ستضع النائب في تحدٍ يحب أن يخوض مثله، هو الذي أظهر قدرات مذهلة بالفعل في القفز من صفة إلى صفة، ومن مرحلة إلى مرحلة، ومن طبقة إلى طبقة. لكن صقر، في تصديه للواء السيد، قفز خارجاً عن سياقه المعتاد كسياسي مهذب يغريه التفكر بالاستراتيجيات أكثر مما يغرق في إطلاق الاتهامات والنعوت وفي اللجوء إلى الإثارة البوليسية المبتذلة.
انفعل صقر في رده على جهل السيد به، فتحدث عن "صناديق دعارة سوداء" وعن "احذية".. وعن "فساد سياسي" يحتاج إلى علماء لتفسير مفهومه. خاض صقر في وحل ما تحت الحزام السياسي الفالت في لبنان. رفعَ الصوت صارخاً في السيد كمن يقف خارج بيت الأخير ليدعوه إلى الخروج والمنازلة. واستمر يناور حتى وقع في إحراج تلفزيوني لم يقع فيه سياسي قبلاً، حين أصرت الزميلة في "نيو تي في" سمر بو خليل، وبعد اتصال السيد بها (من باريس)، على استنطاق النائب لاسم من سماه الوسيط، وظل صقر يرفض ذكر الاسم الذي كان واضحاً أنه ممنوع من أن ينطق بأي حرف منه في ذاك الصباح، حتى بدا مؤتمره الصحافي المشهود أمس مجرد محاولة لرد اعتبار.. محاولة متأخرة لملاكم من الوزن الخفيف لم تنفع كل استعراضاته في الحلبة، إلا في أن يلكم نفسه، بعدما عجز عن استدراج خصم يعرفُ وزنه جيداً، ويتعامل مع نفسه بناء على هذا الوزن...
لم يكن صقر موفقاً البتة في المواجهة مع السيد، لأن هذا لم يكن لينازله. متخرج من مدرسة حربية درسها الأول الاعتداد بالنفس، يبدو أن كل ما فيه مجبول باعتداده اللامتناهي بنفسه. الضابط الذي كان، وما يزال، يرى نفسه من الاساتذة الكبار في شطرنج الإعلام والسياسة، حرّك في زمن سلطته بيادق كثيرة. وقّت لها زمن صعودها إلى الشاشات، ولقّمها ما ينبغي قوله للخصم، وعلمها اساليب اللعب معه، وأساليب الاستدراج إلى الحلبات. وجعل أناساً يساجلون أناساً.. وفي الظل حيث كان يستمتع بالجلوس، كان يتفرج مستمتعاً بالسيطرة من خلف الستار، حيث لا صوت يُسمع ولا صورة ترى، ومع ذلك، فالحضور كلي وتام.
والسيد إذ خرج إلى الضوء بعد خروجه من السلطة، لم يخسر لياقته ولم يخسر مهارته التي تبدو موهبة صُقلت مع الوقت، بعكس موهبة النائب التي لم تختمر بما يكفي بعد. أكثر من ذلك، فإن السيد عرف أن ترفعه على مبارزة خصم يكفي لإسقاطه بالضربة القاضية، من دون أن يلكمه، بل بأن يتركه يلوح بساعديه كيفما اتفق، حتى يصيب نفسه.
خسر عقاب صقر هذه المرة. لكن لا بأس. ما زال شاباً، والطموح ليس عيباً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018