ارشيف من :أخبار لبنانية
حزب الله ورئيس الحكومة يتقاذفان الكرة... في انتظار من يتراجع
نبيل هيثم، السفير
الصورة الداخلية في منتهى التعقيد، يتحكم بها منطقان متعارضان جذريا ولا يلتقيان. يقف الاول خلف "قرار ظني" يذهب بالحد الادنى الى الاطاحة بحزب الله واعدامه سياسيا ووجوديا كعنوان مقاوم، ويتخذ الثاني من عنوان "شهود الزور" منصة دفاعية لرد الاذى عن المقاومة، ومحو اثار ما يسميه اصحاب هذا المنطق "انقلاب الـ2005"، بدءًا بمحاكمة المزورين ومضللي التحقيق وفي مقدمهم المفبركون و"صاحب المال" الذي يموّل شهود الزور ويؤويهم ويرعاهم ويحميهم.
ولئن كان هذا السباق ـ الصراع، يشهد بين حين وآخر استراحات محدودة تحت عنوان "هدنة"، فإن ذلك يفتح على الاسئلة التالية: هل ثمة نقطة نهاية لسباق القرار الاتهامي وشهود الزور؟ هل تعني نقطة النهاية حلا جذريا ونهائيا ودائما، ام انها تعني تسوية مؤقتة؟ هل ان الحل النهائي ممكن، وهل له مقومات صلبة يقوم عليها؟ هل ان التسوية ممكنة لأزمة معقدة ومتفاقمة، وما هو شكلها وهل لها مقومات تجعلها قابلة للحياة، وقبل ذلك، هل ان في الامكان اسقاط مقولة ان لبنان بلد التسويات على الازمة الراهنة؟ اذا انقطع الامل بالتسويات كيف سينتهي السباق، ومن سيصل اولا، ومن سيدفع اولا ومن سيدفع اقل او اكثر؟ وهل انّ ايا من المنطقين يمتلك قدرة الوصول الى نقطة النهاية قبل الآخر وهل يتحمل لبنان منطق الغالب والمغلوب...؟ وهل مسموح اصلا في بلد كلبنان وفي تركيبة بالغة التعقيد سياسيا وطائفيا ومذهبيا ان يغلب منطق سياسي له قاعدة جماهيرية واسعة، منطقا آخر يتمتع بذات القاعدة الجماهيرية الواسعة في الطرف المقابل... وقبل كل ما تقدم هل ان هذين المنطقين جاهزان للتسوية؟
هناك من يقول ان حظ الوصول الى "تسوية ما" يكاد يكون مفقودا بالكامل، وعلى ما يقول مقربون من رئيس الحكومة، ان سعد الحريري الذي يسعى الى الحقيقة والعدالة، يرفض اي تسوية تؤدي الى تجزئة "الحقيقة والعدالة"، فلا نصف حقيقة ولا نصف عدالة، فالحقيقة والعدالة بالنسبة الى الحريري لا تتجزآن ويشكل القرار الظني خطوة اولى في طريق كشف الحقيقة.
وكما ان "الحقيقة والعدالة" لا تتجزآن بالنسبة الى الحريري، فإن "الاتهام" لا يتجزأ بالنسبة الى حزب الله، والسيد حسن نصرالله كان شديد الصراحة برفض اية تسوية حول هذا الموضوع حينما قال في مناسبات عديدة: نحن لسنا متهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري ونرفض ان نتهم اصلا بذلك... واذا اراد احد في هذه الدنيا ان يجلس معنا ليناقشنا من اجل البحث عن مخرج او تسوية على قاعدة اننا متهمون في حزب الله، فإننا لن نقبل ذلك ابدا... ولن نجلس مع احد...".
يؤشر ظاهر الامور الى ان الطرفين ليسا جاهزين للوصول الى "تسوية" تقوم على تراجع من هنا او تراجع من هناك، وكلاهما يرمي الكرة في ملعب الآخر. ولكن هل يعني ذلك انهما متعادلان في القوة والموقف والحجة؟
تلحظ احدى القراءات السياسية الضغط الذي يمارسه حزب الله للنأي بنفسه عن مقصلة القرار الاتهامي. كما لا تغفل امكان ان يتخذ ضغط حزب الله منحى اكثر تصاعدا وصخبا لو وجد ضرورة الى ذلك، فيما يقف الحريري وفريقه في الموقع الدفاعــي.
وتقر شخصية سياسية جمعتها علاقة قربى سياسية وشخصية متينة مع الرئيس رفيق الحريري إن الكرة في ملعب رئيس الحكومة وفريقه اكثر مما هي في ملعب حزب الله. فحجة الحريري وفريقه ضعيفة ولا يستطيع ان يسوقها او ان يعطيها بعدا جديا، ذلك ان الحزب يؤتى به الى منطقة الاتهام السياسي الذي البس لسوريا لاربع سنوات، والذي ثبت بطلانه باقرار الحريري نفسه، وبالتالي وبناء على هذا البطلان فإن ورقة حزب الله اقوى من اوراق الحريري الذي يقف في المنطقة المشتبه بها في ما خص انتاج وصناعة وحماية وايواء "شهود الزور" الذين بنى ديتليف ميليس على افاداتهم الاتهام السياسي لسوريا.
وفي اعتقاد تلك الشخصية ان الصراع غير متكافئ بين الطرفين برغم استناد فريق القرار الظني على مساحة دعم خارجية مهمة، فحزب الله صمد، ويستطيع ان يصمد اكثر، وخصوصا انه يملك القدرة على المواجهة، لكن الامر يختلف لدى الحريري، فتجربته السياسية متواضعة، وليس معتادا على نوع كهذا من المعارك المصيرية، وهناك مغامرة كبيرة في الاستمرار في معركة تبدو خاسرة، وتؤكد كل مقدماتها وعناصرها ان الحريري يضع كل مصيره السياسي على المحك.
وتقول تلك الشخصية انها ما كانت تفضل ان ترى مشروع الرئيس رفيق الحريري قد وصل الى هذا الحد، كما لم تكن تفضل ان ترى الرئيس سعد الحريري وهو يقف على شفير هاوية مصيره السياسي، إن تقدم وقع، وان تراجع فهناك اسئلة كبرى واحراجات تلاحقه، وكان يمكن ان يتجنب كل ذلك لو انه جلس يوما في غرفة وحيدا بعيدا عن المستشارين، وطرح على نفسه السؤال التالي: هل ان حزب الله هو الذي قتل رفيق الحريري، ما هي الاسباب الموجبة التي تدفعه الى ذلك وماذا يستفيد؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018