ارشيف من :أخبار لبنانية

التعسف ممنوع بعد الآن!

التعسف ممنوع بعد الآن!

واصف عواضة، السفير

انتهت أو تكاد، العاصفة السياسية التي اجتاحت البلاد خلال الاسبوعين المنصرمين، ولكن كالعادة من دون أساس يمنع تجددها في أي لحظة، باعتبار أن القضايا العالقة بقيت عالقة، ولم يفض النقاش في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة الى معالجات ترقى الى مستوى الاحتقان الذي يسود البلد.

ومرة أخرى تؤكد الطبقة السياسية اللبنانية بغالبيتها، عجزها أو عدم رغبتها في مقاربة المشكلة الحقيقية في لبنان، وهي تتلخص في وصول النظام السياسي القائم على الطوائف الى طريق مسدود، وأن المطلوب إصلاحات جذرية تنطلق من استكمال اتفاق الطائف الذي يدّعي الجميع التمسك بمضامينه. وعليه يفترض بالمواطنين اللبنانيين أن يستعدوا لعاصفة سياسية جديدة يؤمّل أن تبقى كلامية وإعلامية على حد ما وصف رئيس الحكومة العاصفة الحالية.

هذا من حيث المبدأ، أما في التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان عادة، فإن تطورات الاسبوعين الماضيين ينبغي التوقف عندها، علّ العبرة تنفع المؤمنين، وكان أبرزها الاستقبال "المدوّي" للواء جميل السيد في المطار، والذي شكل مادة دسمة لتسجيل نقطة جديدة على حزب الله والمقاومة في كتاب "الانقلاب على الدولة".

صحيح أن جميل السيد لم يكن بحاجة الى حماية ومواكبة واحتضان من المطار الى منزله. فالرجل لم تصدر بحقه مذكرة توقيف، ولا حتى تم إبلاغه مذكرة الاستدعاء. وصحيح أن حزب الله لم يكن بحاجة الى كل هذه المواكبة السياسية والأمنية التي جرّت عليه ردود فعل صاخبة وشعارات وعناوين كبيرة وبرّاقة، وهو يعرف سلفا أن مجرد التنفس بات محسوبا عليه. ولكن الصحيح ايضا أن جميل السيد ورفاقه الضباط وآخرين ايضا، هم رمز المظلومية والتعسف الذي مورس عليهم طوال أكثر من خمس سنوات، بينها أربع في السجن، وسنة ويزيد من التجاهل والتغاضي عن حق البراءة الذي أعطي لهم من دون منّة. حتى انهم لم يتلقوا كلمة اعتذار، لا هم ولا عائلاتهم التي أهينت وأذلت، وبات أبناؤها يذهبون الى جامعاتهم وأماكن عملهم متخفين بستار المذلة التي لحقت بآبائهم، وهم يعرفون انهم أبرياء براءة الذئب من دم يوسف.

لقد دخل جميل السيد السجن تعسفا. وكان يمكن أن يدخله مجددا وتعسفا بحجة المطالبة بحق دفع ثمنه سلفا، وبنفس الأيدي والوسائل السابقة. ولكل هذه الاسباب، ربما ذهب حزب الله الى المطار بنوابه ورجال أمنه وسياراته الرباعية الدفع وحلفائه، وعن سابق تصور وتصميم، للقول بالفم الملآن لكل عين تقشع وأذن تسمع: "التعسف ممنوع من الآن وصاعدا، خصوصا اذا جاء من سلطة يفترض بها أن تحمي الناس من التعسف". لم يذهب الحزب للانقلاب على الدولة. فالسلطة في نظره كرة من نار، ومجنون من ينقلب عليها أو يضعها في حجره.

قد يقول قائل ان جميل السيد ليس قديسا كي تدفع المقاومة من رصيدها في سبيله. بالتأكيد إنه ليس قديسا، ولكن من هو قديس في هذا البلد فليرمه بحجر. ولو فتح جميل السيد أوراقه وملفاته للذين يدعون القداسة لانهارت هياكل الثلج على أصحابها. ان الرجل مجرد مظلوم يسعى وراء حقه للتاريخ. وهذا لا يمنع أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه ماتوا مظلومين ايضا، ومن حقهم أن تتكشف حقيقة ظلمهم.

وعود على بدء. انتهت العاصفة أو تكاد، لكنها مرشحة للهبوب في أي لحظة من جديد، لأن البلد فعلا بحاجة الى دولة عادلة، عبثا التفتيش عنها في نظام طائفي بات في طريق مسدود.


2010-09-23