ارشيف من :أخبار لبنانية
هكذا ينتصر الحريري
جان عزيز
ما هو سرّ هذا التناقض بين استقواء سعد الدين الحريري في موضوع جميل السيّد، حتى تلفّظه بكلام كبير في حق الأخير أثناء جلسة مجلس الوزراء، أول من أمس، وبين هذه الحساسية المفرطة والمستجدّة لدى مصطفى علوش إزاء ذكر سوريا في بيان آذاري، حتى التحفّظ على ذلك علناً وخطيّاً ورسمياً؟
سرّ التناقض المذكور يكمن على ما يبدو في قراءة كاملة للتطورات المحلية والإقليمية والدولية، تنصح رئيس الحكومة اللبنانية بالذهاب أبعد وأكثر في «المشكل» الداخلي، على قاعدة الارتياح والاطمئنان إلى الحل الخارجي الذي سيعقبه.
والقراءة المذكورة تشير بوضوح إلى مماثلة دقيقة التطابق بين ما يحصل اليوم وما كان في لبنان مطلع عام 1976، وفق المعطيات الآتية:
أولاً، قبل 34 عاماً كانت ثمّة مواجهة حامية، سياسياً وعسكرياً، على الأرض اللبنانية، وكانت نتائجها تميل إلى إظهار الجماعة المسيحية في موقع مَن يتّجه إلى هزيمة واضحة. أمّا اليوم، فثمّة مواجهة أخرى، سياسية حتى الآن، غير أنها تنذر بالتحوّل عنفيّة في أيّ لحظة. وهناك مَن يعمل للتسويق الدؤوب أنها مواجهة قد تنتهي بهزيمة للجماعة السنيّة في لبنان.
ثانياً، قبل 34 عاماً، كان المسيحيون ـ بما يمثّلون في النظام اللبناني، كما على أرض الواقع ـ يمثّلون العمود الفقري للسلطة في البلاد، وبالتالي فإن أيّ تفاهم معهم، أو تحالف أو إنقاذ، يؤدي فوراً إلى الدخول في صلب تلك السلطة. أما اليوم، فالسنّة في لبنان يمثّلون الموقع نفسه في التكوين الدستوري للنظام بعد تعديلات الطائف، كما على أرض الواقع اللبناني بعد التغييرات الاقتصادية والديموغرافية التي انتهت إليها الحروب المختلفة، وبالتالي فإن أيّ «دخول» اليوم على خط الجماعة السنيّة في لبنان يعني حكماً وحتماً «وضع اليد» على مفصل السلطة في الدولة اللبنانية.
ثالثاً، قبل 34 عاماً، كان ثمّة حكم في دمشق قد خرج لتوّه من انتصار عسكري مقبول في حرب تشرين، وقد كرّس شرعيته الداخلية ويتطلّع ـ بحسب أصحاب القراءة نفسها ـ إلى تثمير شرعيته وانتصاره في السياسة وفي ما هو أبعد من الداخل.
أما اليوم، فيعتقد أصحاب تلك النظرية بأن في سوريا حكماً آخر حقّق في الأعوام الماضية الإنجازين ذاتيهما، لا بل أكثر: انتصار على أكبر تحالف عسكري دولي مناوئ بلغ حدود سوريا من كل ميل، وتكريس لشرعية نظام قيل ذات يوم من عام 2005 إنه يعدّ أنفاسه الأخيرة. ولذلك فهو يسعى طبيعياً إلى ترجمة هذين الإنجازين في «لبنان أوّلاً»...
رابعاً، قبل 34 عاماً أيضاً، كان لسوريا حليف قوي في لبنان اسمه «المقاومة الفلسطينية»، غير أنها كانت قد بدأت تتحسّس من هذا الحليف لاعتبارين اثنين: أولاً ذاتيّته المستقلّة المتنامية باطّراد، وثانياً ارتباطه المباشر بموسكو من دون المرور بنحو دائم وثابت بالمعبر الدمشقي...
أما اليوم، فتتابع القراءة عينها، لسوريا حليف قوي أخير في لبنان هو «المقاومة الإسلامية» تحت راية حزب الله. لكنّ سوريا لا يمكن إلّا أن تتحسّس من الحجم الذاتي المتصاعد لحليفها، كما من صلته الوثيقة بطهران، بما يتخطّى اعتبار دمشق معبراً اضطرارياً لتلك الصلة.
خامساً، قبل 34 عاماً أيضاً وأيضاً، كان ثمّة قوة دولية عنوانها واشنطن تخطط لجذب القاهرة أكثر وأبعد صوب التسوية، بعد اتفاق فكّ الاشتباك في سيناء وقبل زيارة السادات إلى القدس. وبالتالي كانت ثمّة مصلحة أميركية في استدراج سوريا إلى المستنقع اللبناني «شرطيّاً» لهواجس واشنطن من جهة، وتعويضاً ومكافأة وإلهاءً عن المسار المصري...
أما اليوم، فواشنطن ذاتها لا تزال هنا، والمسار المصري استُعيض عنه بمفاوضات أبو مازن مع نتنياهو، فما الذي يمنع وسيطتهما كلينتون من استعادة نظرية سلفها العتيق كيسنجر ودعوة سوريا إلى رقصة فوق الجسد اللبناني؟
بين استقواء الحريري على جميل السيّد، واستضعاف علوش أمام ذكر سوريا، يبدو السرّ في قراءة تنصح الأول بالسير على هدى اجتهاد خاص لخطوات كميل شمعون وبيار الجميّل سنة 76: الذهاب في معركة خاسرة سلفاً، حتى النهاية، على أمل الرهان على تدخل سوري ينقذ «الطائفة» و«سلطتها»، نتيجة «الضرورات القومية»...
قبل 34 عاماً راهن المسيحيون على هزيمتهم لينتصروا، فلماذا لا يكرّر السنّة الخطة نفسها اليوم؟! هكذا ربما يُنصح الحريري، وإلّا فما هو سرّ الاستقواء والاستضعاف المتزامنين؟
ما هو سرّ هذا التناقض بين استقواء سعد الدين الحريري في موضوع جميل السيّد، حتى تلفّظه بكلام كبير في حق الأخير أثناء جلسة مجلس الوزراء، أول من أمس، وبين هذه الحساسية المفرطة والمستجدّة لدى مصطفى علوش إزاء ذكر سوريا في بيان آذاري، حتى التحفّظ على ذلك علناً وخطيّاً ورسمياً؟
سرّ التناقض المذكور يكمن على ما يبدو في قراءة كاملة للتطورات المحلية والإقليمية والدولية، تنصح رئيس الحكومة اللبنانية بالذهاب أبعد وأكثر في «المشكل» الداخلي، على قاعدة الارتياح والاطمئنان إلى الحل الخارجي الذي سيعقبه.
والقراءة المذكورة تشير بوضوح إلى مماثلة دقيقة التطابق بين ما يحصل اليوم وما كان في لبنان مطلع عام 1976، وفق المعطيات الآتية:
أولاً، قبل 34 عاماً كانت ثمّة مواجهة حامية، سياسياً وعسكرياً، على الأرض اللبنانية، وكانت نتائجها تميل إلى إظهار الجماعة المسيحية في موقع مَن يتّجه إلى هزيمة واضحة. أمّا اليوم، فثمّة مواجهة أخرى، سياسية حتى الآن، غير أنها تنذر بالتحوّل عنفيّة في أيّ لحظة. وهناك مَن يعمل للتسويق الدؤوب أنها مواجهة قد تنتهي بهزيمة للجماعة السنيّة في لبنان.
ثانياً، قبل 34 عاماً، كان المسيحيون ـ بما يمثّلون في النظام اللبناني، كما على أرض الواقع ـ يمثّلون العمود الفقري للسلطة في البلاد، وبالتالي فإن أيّ تفاهم معهم، أو تحالف أو إنقاذ، يؤدي فوراً إلى الدخول في صلب تلك السلطة. أما اليوم، فالسنّة في لبنان يمثّلون الموقع نفسه في التكوين الدستوري للنظام بعد تعديلات الطائف، كما على أرض الواقع اللبناني بعد التغييرات الاقتصادية والديموغرافية التي انتهت إليها الحروب المختلفة، وبالتالي فإن أيّ «دخول» اليوم على خط الجماعة السنيّة في لبنان يعني حكماً وحتماً «وضع اليد» على مفصل السلطة في الدولة اللبنانية.
ثالثاً، قبل 34 عاماً، كان ثمّة حكم في دمشق قد خرج لتوّه من انتصار عسكري مقبول في حرب تشرين، وقد كرّس شرعيته الداخلية ويتطلّع ـ بحسب أصحاب القراءة نفسها ـ إلى تثمير شرعيته وانتصاره في السياسة وفي ما هو أبعد من الداخل.
أما اليوم، فيعتقد أصحاب تلك النظرية بأن في سوريا حكماً آخر حقّق في الأعوام الماضية الإنجازين ذاتيهما، لا بل أكثر: انتصار على أكبر تحالف عسكري دولي مناوئ بلغ حدود سوريا من كل ميل، وتكريس لشرعية نظام قيل ذات يوم من عام 2005 إنه يعدّ أنفاسه الأخيرة. ولذلك فهو يسعى طبيعياً إلى ترجمة هذين الإنجازين في «لبنان أوّلاً»...
رابعاً، قبل 34 عاماً أيضاً، كان لسوريا حليف قوي في لبنان اسمه «المقاومة الفلسطينية»، غير أنها كانت قد بدأت تتحسّس من هذا الحليف لاعتبارين اثنين: أولاً ذاتيّته المستقلّة المتنامية باطّراد، وثانياً ارتباطه المباشر بموسكو من دون المرور بنحو دائم وثابت بالمعبر الدمشقي...
أما اليوم، فتتابع القراءة عينها، لسوريا حليف قوي أخير في لبنان هو «المقاومة الإسلامية» تحت راية حزب الله. لكنّ سوريا لا يمكن إلّا أن تتحسّس من الحجم الذاتي المتصاعد لحليفها، كما من صلته الوثيقة بطهران، بما يتخطّى اعتبار دمشق معبراً اضطرارياً لتلك الصلة.
خامساً، قبل 34 عاماً أيضاً وأيضاً، كان ثمّة قوة دولية عنوانها واشنطن تخطط لجذب القاهرة أكثر وأبعد صوب التسوية، بعد اتفاق فكّ الاشتباك في سيناء وقبل زيارة السادات إلى القدس. وبالتالي كانت ثمّة مصلحة أميركية في استدراج سوريا إلى المستنقع اللبناني «شرطيّاً» لهواجس واشنطن من جهة، وتعويضاً ومكافأة وإلهاءً عن المسار المصري...
أما اليوم، فواشنطن ذاتها لا تزال هنا، والمسار المصري استُعيض عنه بمفاوضات أبو مازن مع نتنياهو، فما الذي يمنع وسيطتهما كلينتون من استعادة نظرية سلفها العتيق كيسنجر ودعوة سوريا إلى رقصة فوق الجسد اللبناني؟
بين استقواء الحريري على جميل السيّد، واستضعاف علوش أمام ذكر سوريا، يبدو السرّ في قراءة تنصح الأول بالسير على هدى اجتهاد خاص لخطوات كميل شمعون وبيار الجميّل سنة 76: الذهاب في معركة خاسرة سلفاً، حتى النهاية، على أمل الرهان على تدخل سوري ينقذ «الطائفة» و«سلطتها»، نتيجة «الضرورات القومية»...
قبل 34 عاماً راهن المسيحيون على هزيمتهم لينتصروا، فلماذا لا يكرّر السنّة الخطة نفسها اليوم؟! هكذا ربما يُنصح الحريري، وإلّا فما هو سرّ الاستقواء والاستضعاف المتزامنين؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018