ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق لا تنأى بالحريري عن معركة إسقاط المحكمة

دمشق لا تنأى بالحريري عن معركة إسقاط المحكمة
هدأ التشنّج المذهبي بين الرئيس سعد الحريري وحزب الله، من غير أن يتخلى أحدهما عن تصلّبه حيال الآخر. اكتفيا بتعديل نبرة التخاطب وإبعادها عن الاستفزاز، وأبقيا النزاع يستنفدهما في مشكلة غير قابلة للتفاهم أو المساومة هي المحكمة الدولية

نقولا ناصيف

في جانب من دوافع انفجار الأزمة بين رئيس الحكومة سعد الحريري وحزب الله، شكوك لم يكتمها الحزب في صدقية ما أفضى به الحريري إلى صحيفة الشرق الأوسط، في 6 أيلول، بشقيه المتلازمين: إسقاط الاتهام عن سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري، والإقرار بشهود الزور والدور الذي اضطلعوا به لتضليل التحقيق الدولي والإساءة إلى العلاقات اللبنانية ـ السورية وتخريبها. على أثر نشر هذا الحديث، تبادل الطرفان ـ الحريري وحزب الله ـ التعامل السلبي معه: لم تُشر إليه وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة التي يملكها رئيس الحكومة، متجاهلة إياه كلياً، وكذلك لاحقاً كتلة نواب تيّار المستقبل. ولم يرحب به حزب الله، ولا وجد فيه خطوة تشجعه على التفاهم مع الحريري، وعلى الوثوق بخيار انفتاحه على سوريا، مستعيناً بتجاهل مماثل مردّه إلى خلوّ الحديث من خطوات إجرائية تضعه موضع التطبيق.

واقع الأمر أن خللاً غير ثانوي، حُمّل في ما بعد بعداً سياسياً مقصوداً، وقع مع نشر حديث الحريري إلى صحيفة الشرق الأوسط.

كان رئيس الحكومة قد أبلغ إلى الرئيس السوري بشّار الأسد، في سحورهما الذي يتكشّف يوماً بعد آخر مزيد من مداولاته في 30 آب، عزمه على اتخاذ موقف علني من الاتهام السياسي وشهود الزور، في ضوء سلسلة اقتناعات كان أسرّ بها إلى الأسد في معظم لقاءاتهما السابقة منذ مصالحتهما قبل ثمانية أشهر، عن تيقنه القاطع بأن سوريا لم تغتل والده، وأن شهود الزور خرّبوا العلاقات اللبنانية ـ السورية. انتهى اتفاقهما إلى أن يدلي الحريري بهذا الموقف في صحيفتين: سعودية هي الشرق الأوسط، وسورية هي الوطن، في وقت واحد، بغية تعميم ما سيقوله على الرأي العام اللبناني والسوري على السواء، لإزالة رواسب المرحلة المنقضية بين عامي 2005 و2008.

أبلغ الأمر إلى إدارتي الجريدتين من أجل توجيه الأسئلة إلى الحريري. أجاب عن أسئلة الشرق الأوسط السعودية، وامتنع عن إجابة الوطن السورية. وعندما اتصلت بمكتبه في بيروت للاستفسار، كان الردّ أن رئيس الحكومة ذهب لأداء مناسك العمرة في المملكة العربية السعودية. اعتبرت الوطن السورية هذا التصرّف، حينذاك، تهرّباً متعمّداً. كانت تلك إشارة سلبية أولى التقطتها دمشق. سرعان ما ألحقت بأخرى، إذ تبيّن لها أن رئيس الحكومة اكتفى بالموقف الإعلامي من شهود الزور، دونما إقرانه بإجراءات ملموسة تضع هذا الملف في عهدة القضاء اللبناني.

كانت الإشارة السلبية الثالثة، أن تيّار المستقبل الذي يتزعمه الحريري ووسائل إعلامه، لم يتبنّيا ما صدر في الصحيفة السعودية وأهملاه كلياً، وكأن الحريري أضفى على ذلك الحديث طابعاً شخصياً انغلق عليه، وميّز من خلاله بين ما يدين به هو، وبين ما يجهر به تيّار المستقبل. ورغم الدويّ الذي أحدثه ذلك الموقف وشيوعه، بدا أن رئيس الحكومة وتيّاره لم يشاءا إيصال الرسالة إلى الشارع السني مباشرة.

عزّز مغزى الإشارة السلبية الثالثة، أن نواب تيّار المستقبل راحوا، في ردّ فعل محرج للحريري حيال دمشق في أحسن الأحوال، يفصلون بين تبرئة سوريا إعلامياً عبر الحديث إلى الشرق الأوسط، وبين تبرئتها قضائياً وهي مسؤولية المحكمة الدولية دون سواها. ثم كرّت سبحة التطورات، بعد أسبوع، بدءاً بالحملة العنيفة التي قادها المدير العام السابق للأمن العام اللواء الركن جميل السيّد على رئيس الحكومة والقضاء في 12 أيلول، مروراً بالرئيس ميشال عون ونواب حزب الله. وخلافاً لتحفظه عن الخوض في أي موقف سياسي في حمأة الجدل الداخلي، لاحظ السفير السوري علي عبد الكريم علي، في 18 أيلول، أن على رئيس الحكومة استكمال ما أعلنه بمعالجة ملف شهود الزور لإجلاء الحقيقة.

كان الرئيس السوري قد أعاد على مسامع ضيفه في ذلك السحور، ما كان قد فاتحه به أكثر من مرة، وهو يطمئنه إلى علاقته الجديدة مع دمشق ويبدي احتضانه له وتمسّكه بدعمه ومساندته، وهو أنه إذا كان فعلاً يريد البقاء في الحكم وفي رئاسة للحكومة ـ وهو يضمن له ذلك أطول مدة ممكنة ـ فإن على الحريري التحوّل زعيماً وطنياً والانفتاح على كل الأفرقاء والقوى، والخروج من الإطار المذهبي الذي يصوّره حتى الآن على أنه زعيم السنّة.

قال الأسد ذلك للمرة الأولى، في لقائهما في 20 كانون الأول 2009. والواضح أنه كان يحدّد لرئيس الحكومة اللبنانية شروط اللعبة الداخلية، والسقف الذي يظللها بالإشراف السوري المباشر على لعبة باتت، وخصوصاً في الأيام العشرة الأخيرة، أكثر تعقيداً في إدارة الانقسام الحاد بين قوى 8 و14 آذار، وبين الحريري وحزب الله، في موضوع المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس الراحل.

تعكس هذا المنحى معطيات، أبرزها:

ـ لم يتأتّ موقف رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، الخميس الماضي، من تسوية يتوافق اللبنانيون عليها لإلغاء المحكمة الدولية درءاً للفتنة المذهبية، من العدم. ولم يرمِ إلى التوسّع في شغف التجاذب الداخلي حيال هذا الموضوع. بل عبّر عن استيعابه حقيقة موقف سوريا من المحكمة الدولية، التي لا تزال ترى فيها مصدر قلق لها نظراً إلى تيقنها من مسار التسييس الذي يقودها، ويُشعر سوريا في كل حين بأنها مستهدفة بها. وهو أيضاً موقف حزب الله الذي يدرج حملته على القرار الظني وشهود الزور كجزء لا يتجزأ من انتقاده الحاد المحكمة الدولية، وانبثاقهما تالياً من نتائج التحقيق الدولي الذي يرفضه.

التقاط جنبلاط موقف دمشق وحزب الله من المحكمة الدولية، حمله على اقتراح تسوية توافقية لا تستثني أياً من المعنيين بها، في قوى 8 أو 14 آذار. والواقع أن اقتراحاً كهذا يطلقه أحد أكبر دعاة التحقيق الدولي، ثم المحكمة الدولية، وأحد أكثر العاملين على توجيههما إلى سوريا في ما مضى بغية خوض معركة سياسية ضارية مع نظامها، أضحى اليوم يحدّد مسار المرحلة المقبلة. قرن جنبلاط استمرار الخلاف على المحكمة الدولية بالفتنة، ووجد في التوافق على إلغائها مدخلاً إلى ترسيخ الاستقرار.

2 ـ لا ترى دمشق ولا حزب الله، ولا بالتأكيد الزعيم الدرزي، طريقاً إلى إلغاء المحكمة الدولية بمعزل عن الحريري، وعن دوره المباشر في خطة كهذه. ولا يبدو في المقابل جدّياً أي تداول في إسقاط حكومة الوحدة الوطنية بغية المجيء برئيس حكومة آخر يتولى خوض معركة إلغاء المحكمة الدولية في بعدها اللبناني. والمقصود بذلك، توفير أوسع توافق داخلي، في الحكم وخارجه، على المضي في هذا الخيار حماية للاستقرار وتفادياً للفتنة المذهبية.

ولا يعني كلام الرئيس السوري للحريري عن صورة الزعيم الوطني التي يودّ أن يتصوّرها فيه، إلا محاولة تتوخى قلب الأولويات، فيتقدّم الاستقرار على ما عداه. والواقع أن ما طرحه جنبلاط موجّه مباشرة إلى رئيس الحكومة كي يذهب مذهب الزعيم الدرزي في قلب الأولويات، والأخذ في الحسبان الوضع المستجد وفتح الباب واسعاً على تسوية تطمئن الجميع.

3 ـ رغم حرصها على الظهور بمظهر الطرف غير المعني بالانقسام الداخلي، والأكثر اهتماماً بالاستقرار في لبنان ومساعدة الحريري على تماسك حكومته وتجنيبها الانفجار، لا تتخذ سوريا موقف المتفرّج في النزاع القائم على المحكمة الدولية، وعلى شهود الزور والقرار الظني، ولا تتصرّف بلامبالاة حيال المسار الغامض لكل من الملفات الثلاثة هذه، ولا تطرح نفسها خصوصاً وسيطاً نزيهاً ومتجرّداً في النزاع الناشب بين رئيس الحكومة وحزب الله. بل يشير مطلعون عن قرب على موقف دمشق، إلى أن الأسد يرسم، منذ استعاد نفوذ بلاده في لبنان، وخصوصاً بعد انتخابات 2009، صورة متكاملة لتوازن القوى الداخلي وتأثيره في إدارته، ودور لبنان في أزمة المنطقة، من غير أن يستعين بجيشه ولا باستخباراته العسكرية لتوسيع نطاق نفوذه هذا، على نحو ما كان عليه قبل صدور القرار 1559. مع الأخذ في الاعتبار أن الرئيس السوري لم يكتفِ بالمحافظة على حلفائه الموثوق بهم، ولا باستعادة حلفاء كانوا قد تركوه ثم عادوا صاغرين إليه كالحريري وجنبلاط، بل استمال حليفاً مسيحياً قوياً جديداً افتقر إليه قبل انسحاب جيشه من لبنان عام 2005 هو الرئيس ميشال عون.

بذلك تبدو دمشق اليوم، أكثر من أي وقت مضى، معنية بخوض معركة إسقاط المحكمة الدولية كجزء لا يتجزأ من معركة حماية المقاومة. تحت شعار حماية المقاومة استقبلت جنبلاط وتصالحت وإياه، وتحت هذا الشعار نبّهت الحريري إلى أن لا علاقات مميّزة بين البلدين ولا استقرار ولا حظوظ في إدارة الحكم والحكومة بمعزل عن هذا الخيار.
2010-09-23