ارشيف من :أخبار لبنانية

خريـف الاستحقـاق الصعـب: لبـنان فـي مهـب الريـح!

خريـف الاستحقـاق الصعـب: لبـنان فـي مهـب الريـح!

عماد مرمل - صحيفة السفير

يُبين تدقيق بسيط في أدبيات «حزب الله» و«تيار المستقبل» في هذه المرحلة أن الهوة بينهما آخذة في الاتساع، وأن الجهد السعودي ـ السوري أخفق حتى الآن في ردمها، الأمر الذي أنتج خطوط تماس سياسية، تشتعل حيناً وتهدأ حيناً آخر، على وقع اتفاقات هشة لوقف إطلاق النار، ما تلبث ان تسقط تحت وطأة أزمة الثقة المستفحلة.. وتصادم الخيارات.

لا مؤشرات توحي حتى هذه اللحظة بأن هناك فرصة مرئية لفرملة انزلاق البلد نحو هاوية سحيقة، مع وصول التناقض بين الرئيس سعد الحريري و«حزب الله» الى ذروته، في ظل تمسك الأول بالقرار الظني والمحكمة الدولية ورفض الثاني لهما. ضاقت مساحة المناورة لدى الطرفين، وبات كل منهما مضطراً الى الإفراج عن هواجسه التي فُرضت عليها «الإقامة الجبرية» لفترة من الوقت في غرف التسويات القسرية.

والانطباع السائد هذه الأيام لدى أوساط الحزب هو ان لبنان على وشك الدخول في أسابيع وأشهر خطيرة وأن الخريف المقبل سيشهد سقوط الكثير من الأوراق السياسية الصفراء وليس فقط الأوراق اليابسة للأشجار، إذا لم يتم احتواء عاصفة القرار الظني التي تلوح في الأفق، وبالتالي إجهاض مشروع المحكمة الرامي الى ضرب المقاومة. ويُشبّه بعض قياديي الحزب وضع لبنان حالياً بطائرة فقدت توازنها وتهوي شيئاً فشيئاً من علو شاهق، حتى تكاد ترتطم بالارض، وهو ارتطام سيرتب عواقب وخيمة، ما لم تنجح الطائرة بمساعدة برج المراقبة السعودي ـ السوري في إعادة تصويب مسارها في اللحظة الأخيرة.
 
لم يعد يكترث الحزب كثيراً للكادر الذي يضع فيه الآخرون صورته. بالنسبة إليه، المسألة ليست مسألة «لوك سياسي»، وليس مهماً ما إذا كانت طلته تحتفظ بجاذبيتها أم لا. كل هذه التفاصيل خرجت من حسابات الحزب الذي يعتبر أن رأس المقاومة هو المستهدف بالدرجة الأولى وأن من حقه استخدام كل الوسائل المتاحة في معركة الدفاع عن النفس، بما فيها تلك التي قد تؤثر سلباً على نظرة البعض إليه. ومن هنا، فإنه يستعد للمباشرة في التصويب نحو رأس المحكمة مباشرة واستنزاف نقاط ضعفها، بما يحولها في نهاية المطاف الى عبء على رعاتها وليس على «حزب الله».

بهذا المعنى، لا يشعر الحزب في قرارة نفسه بأي انزعاج من تضخيم خصومه للاستقبال الذي أعده مع حلفائه للواء جميل السيد في المطار، بمعزل عن الآثار الجانبية التي خلّفها هذا التضخيم. يريد الحزب أن يدرك هؤلاء الخصوم أنه جادٌ حتى أقصى الحدود في التنبيه الى تبعات التعامل بخفة مع التحديات المتصلة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدءاً من ملف شهود الزور مروراً بقرائن السيد حسن نصرالله التي تضع إسرائيل في موقع الشبهة، وصولاً الى احتمال توجيه الاتهام الى عناصر في «حزب الله».

يأمل «حزب الله» في أن تكون قيادة «تيار المستقبل» قد أحسنت قراءة «رسالة المطار» واستخلاص دلالاتها، وبالتالي أن تكون قد اقتنعت بأنه مستعد لترجمة تحذيراته اللفظية الى وقائع ميدانية، متى اقتضت الحاجة، لا سيما أن فرع المعلومات يدرك بالضبط ماذا كان يجري على الارض، خارج المطار، تحسباً من «حزب الله» لكل الاحتمالات... كما أن «الفرع» يدرك ما يستعد له «حزب الله» في هذه الأيام وهناك ورشة لا تهدأ على مدار الساعة.
وكما ان السيد نصرالله قال في إحدى المناسبات إن المطلوب من الفريق الآخر ألا ينسى 7 أيار حتى لا يكرر الأخطاء التي أدت اليها، هكذا فإن الحزب لا يرى ضيراً في ان تكون رسالة المطار قد أحدثت ما يشبه الصدمة في أوساط «المستقبل» وحلفائه، لعل ذلك ينفع في منع هذا الفريق من ارتكاب خطيئة تغطية القرار الظني والمحكمة الدولية في استهدافهما للمقاومة.

ومن الواضح ان تيار «المستقبل» وحلفاءه في 14 آذار ذهبوا بعيداً في الاستثمار على مشهد المطار وتوظيفه للإمعان في تشويه صورة الحزب الذي ربما خسر فعلاً ولكن فقط في مضمار «التسويق والعلاقات العامة».. ولا بأس أن تستفيد الأمانة العامة لقوى 14 آذار منها لإعادة شيء من بريق لن يعود.
ولكن مثل هذه الكلفة على صعيد الصورة، تبدو مقبولة في معايير الحزب إذا كان مردودها هو تفادي الفتنة الكبرى التي سيغرق الجميع في مستنقعها، بحيث لن يتاح الوقت امام أحد كي يبني قصوره السياسية المفترضة بحجارة القرار الظني، علماً أن الفتنة المحتملة لن تحتاج الى قرار سياسي او تنظيمي، بل هي باتت تملك قوة دفع ذاتية قادرة على تحريك الشارعين الشيعي والسني تلقائياً، وما دامت مذكرة تبليغ لجميل السيد كادت تُشعل البلد على اساس مذهبي، فماذا عن مفاعيل مذكرات التوقيف التي ستصدر بحق كوادر في «حزب الله» على خلفية القرار الظني المفترض، ومن يضمن عندها عدم انفلات الغرائز المذهبية وانفلاشها في مثل هذا المناخ المحموم.

على الضفة الأخرى من نهر الانقسام اللبناني الحاد، يرى «تيار المستقبل» أن «حزب الله» هو المسؤول عن تأجيج المشاعر المذهبية نتيجة تراكم أخطائه التي أسس لها حين اخترع 8 آذار وأصبح رمزاً لها، مستعدياً النصف الآخر من اللبنانيين بشكل ألحق الضرر بالمقاومة التي يُفترض انها تحتاج الى أوسع احتضان وطني لها، وليس زجها في صراعات داخلية، وما يفعله «الزرق» هو تنبيه الحزب الى خطورة سلوكه الذي يترك ارتدادات شديدة السلبية على الساحة اللبنانية عموماً والساحة الإسلامية خصوصاً.

يعتقد «المستقبل» أن الحزب يريد من سعد الحريري ما لا طاقة له على تحمله: «إنهم يطلبون منه أن ينفض يديه من المحكمة الدولية وكأن شيئاً لم يكن، ثم لا بأس في أن يقرأ الفاتحة عن روح والده الشهيد بعد نقل رفاته من وسط بيروت المغتصب الى مكان آخر...».

وحرصاً على صورة الحزب في عيون الأجيال المقبلة، يعتبر «الزرق» أن إسقاط المحكمة الدولية ليس في مصلحته، لأن مثل هذا الأمر سيترك انطباعاً بأن الحزب هو المرتكب الفعلي لجريمة الاغتيال وأنه جرى ضرب المحكمة للتغطية عليه وحمايته من المحاسبة، مشددين على أن الحريري سيدقق في القرار الظني ولن يأخذ به إلا في حال كان مقنعاً.

وتعتبر إحدى الشخصيات البارزة في»المستقبل» أن المطلوب من «حزب الله» أن يتصرف بحكمة افتقر اليها حين بادر الى تغطية الهجوم الشخصي للواء السيد على الرئيس الحريري، ثم اندفع الى استقباله بطريقة نافرة في المطار، ما يعكس إدارته الخاطئة لملف شديد الحساسية.
وتنصح هذه الشخصية الحزب بأن يعيد النظر سريعاً في علاقاته الداخلية ويعمل على بناء شبكة أمان لبنانية من حوله، تقف الى جانبه عند أي استحقاق، اما اللهجة العدائية التي يستعملها حالياً في مخاطبة الآخرين فإنها تساهم في إبعادهم أكثر فأكثر عنه، وربما يدفع ذلك بعضهم إلى أن يشهد ضده في المحكمة الدولية.

2010-09-24