ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا يعد "حزب الله" للمرحلة المقبلة في مواجهته للقرار الظني؟
ابراهيم بيرم - صحيفة النهار
قبل بضعة ايام كان رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد في ضيافة رئيس الجمهورية ميشال سليمان في قصر بعبدا. وفي اثناء عرض للأوضاع العامة والمستجدات ولا سيما للسبل الآيلة الى تهدئة الاوضاع، وبعد صمت قصير، فوجئ رعد بقول مضيفه له: "لو تخففون حديثكم واصراركم على مسألة شهود الزور، فهي باتت لازمة في كل خطاباكم السياسي". فرد رعد بهدوئه المعروف مقترنا بابتسامته المعهودة: "نحن مستعدون يا فخامة الرئيس ان نلبي اي طلب تطلبه الا هذا الطلب".
فسأله الرئيس: ولماذا هذا الاصرار على الموضوع اياه؟
فأجابه رعد: ان رئيس الحكومة سعد الحريري يعرف سبب اصرارنا على هذا الموضوع وأهمية هذه المسألة بالنسبة إلينا.
عندها بادره الرئيس بالسؤال: وماذا تريدون؟
فأجاب رعد باقتضاب: نريد الرئيس الحريري نفسه!
هذه الرواية تختزل في طياتها امرين جوهريين:
الاول: اصرار الحزب على المضي قدما في اثارة موضوع شهود الزور والطرق على جداره بشكل يومي، مهما بلغت الاثمان وصولا الى فتح ملفاته على مصراعيها وكشف ما خفي من اسراره وفصوله، اعتقادا من الحزب ان ذلك من شأنه ان يساهم في هز اركان المحكمة الدولية وفي وأد القرار الظني الموعود والمخبوء في ادراجها قبل ان يبصر النور، ويجعل من هذا الموضوع موازيا للقرار الظني نفسه من حيث القيمة ومعادلا له في الدلالات. وأكثر من ذلك، يقيم الحزب على اعتقاد راسخ فحواه ان الملف اياه واماطة اللثام عنه وفتح مغاليقه من شأنه ولا ريب ان يقود الى وضع كل المنظومة السياسية - الامنية التي تضافرت معا وساهم كل منها في وضع مداميك التحقيقات الدولية والقرار الظني نفسه في الضوء ويعرضها للمساءلة واستطرادا لـ"الفضيحة".
الثاني: ان الحزب بات يربط كل حراكه وتحركه في المرحلة الحاضرة وقابل الايام، بهذه المسألة وما نجم عنها ويرتبط بها ويتفرع منها. ومن البديهي الاشارة الى ان الدوائر المعنية بهذه المسألة في الحزب قد عكفت في الساعات الماضية على تقويم كل الحراك السياسي الكثيف والعاصف الذي شهده المسرح السياسي خلال الايام القليلة الماضية، وبالتحديد بدءا من المؤتمر الصحافي (الاول) الذي عقده المدير العام السابق للامن العام اللواء الركن المتقاعد جميل السيد، مرورا ببيان الحزب "المحتضن" للسيد، بعد صدور مذكرة استجوابه، وصولا الى "عراضة" مطار بيروت الدولي وامتدادا الى التداعيات المتأتية عن ذلك كله بما فيها ردود فعل الطرف الآخر.
ولا ريب ا ن الدوائر عينها في الحزب خرجت باستنتاج فحواه ان كل التفاصيل التي توالت من ألفها الى يائها جرت بتقادير معد لها سلفا. وبذا تقر الدوائر اياها بأن خطتها للمرحلة الحالية من الحراك لمواجهة القرار الظني بدأت مباشرة بعد حديث الرئيس الحريري الذي بات شهيرا لصحيفة "الشرف الاوسط".
فبحسب المعلومات التي وردت الى الحزب من دمشق بأنه يتعين ان يكون لهذا الحديث تتمة، او جزء ثان هو عبارة عن مقابلة اخرى في صحيفة "الوطن السورية" ينبغي ان تتضمن تبرئة لـ"حزب الله" من القرار الظني الموعود او على الاقل الاعلان عن اجراءات عملية في شأن قضية شهود الزور. وتبلغ الحزب في الوقت عينه ان اسئلة الجريدة ارسلت الى الجهات المعنية للحريري في بيروت على "امل" ان يبعث الاجابات مكتوبة او ان يرسل بطلب صحافي من الصحيفة عينها ليجيب هو بنفسه عن الاسئلة. لكن الحريري اختفى فجأة وذهب في غيبته الصغرى في عطلة عيد الفطر الى السعودية.
عندها، والكلام للمصادر عينها، قر الرأي لدى الحزب ان الرجل (اي الحريري) انما يعمد الى "تمييع الوقت"، وتمييع قضية شهود الزور حتى يقترب موعد صدور القرار الظني، وساعتئذ ثمة وقائع اخرى وشأن آخر.
وعليه عادت الدوائر عينها الى قراءة معمقة لمضامين وابعاد مقابلة الحريري لصحيفة "الشرق الاوسط" فخطر لبعض اعضاء هذه الدوائر ان يطلق عليها اسم مقابلة "در شبيغل" الثانية، ولكن بطبيعة عربية خصوصا بعدما تيقن هؤلاء من ان المقابلة ترفع سيف الاتهام عن سوريا، ولكن تتركه ملقى صراحة على "حزب الله". لا بل ان احد قيادي الحزب توصل الى قراءة للمقابلة فحواها ان كل الذين آثروا التحدث عن جوانب ايجابية في المقابلة هم:
- اما مراهقون بالسياسة لا يفقهون ابعادها.
- او مجاملون ومراؤون.
- او غير قادرين على الاحاطة بتفاصيل القضية من ألفها الى يائها.
وعليه فان الدوائر عينها لا تخفي ان ثمة في قيادة الحزب من بادر الى اجراء مراجعة للامر مع القيادة السورية، وان ثمة رؤية مشتركة خرج بها الفريقان فحواها انه لم يعد من الجائز ترك الحبل على غاربه والتفرج على الفريق الآخر وهو يمارس لعبة تقطيع الوقت، و"تخدير" اعصاب المعنيين ومحاولة بيع البعض "الاوهام".
لذا، تضيف المصادر عينها ان توقيت المؤتمر الصحافي للواء السيد لم يكن توقيتا بلا معنى وبلا دلالات ورسائل الى الداخل والخارج. فقد كان المؤتمر سواء في زمنه او في الكلام الذي قيل فيه واللهجة التي استخدمت خلاله، وما اعقبه من تداعيات سواء في بيان الحزب او في "عراضة" المطار، رسالة بيّنة الى من يعنيهم الامر يراد من خلالها القول ان ثمة خط اعتراض قوي على لعبة تمييع الوقت والتلاعب بالاوراق ولا سيما مسألة التوهم بشراء "رضا دمشق" ولاعتباره القيمة العليا التي "تجب" ما عداها، وانه على هذا الاساس تبدو يد الحزب مغلولة عن اي فعل.
وزاد في هواجس "حزب الله" وحلفائه "الفسحة" الزمنية التي طلبت سابقا من قيادة الحزب للتهدئة، وترقب نتائج المساعي لحل قضية القرار الظني، وهي التي باتت تعرف بـ"هدنة رمضان"، قد اوشكت على النفاد من دون ان يرد للحزب وللقيادة السورية ما يبعث القلب في نفوسهما ويبدد الشكوك.
وبناء على كل هذه الوقائع والمعطيات السوداوية، شرع الحزب في الانطلاق برحلة المرحلة التالية من عملية مواجهة القرار الظني، والتي صار جليا ان في عداد خطواتها ومحطاتها كل ما يسجل من تطورات متسارعة اعقبت المؤتمر الصحافي المدوي للواء السيد (عشية حادث المطار).
ولا ريب ايضا ان ورشة التقويم الجارية لدى الحزب تشمل ايضا نتائج ما حصل بعد هذا الحدث المفصلي وبالتحديد خريطة الطريق التي سلكها الفريق الآخر لمواجهة "الهجمة المنسقة" عليه والتي تعمد فيها الحزب وفريقه رفع منسوب حراكه. وبالطبع رصد الحزب اكثر ما يكون رد فعل رموز فريق "المستقبل" والتي بدت فيها جلية معالم العودة الى الخطاب التعبوي نفسه الذي استخدمه الفريق اياه إبان الاعتصام الشهير للمعارضة في الوسط التجاري.
ولم يفت دوائر الرصد عينها في الحزب مسألة ان كل "حفلة التعبئة اياها كانت بايحاء مباشر من الرئيس الحريري الذي كان موجودا في تلك الايام في الخارج، لذا فان دوائر القرار في الحزب سخرت من المعلومات التي راجت بعد عودة الحريري ومفادها ان الاخير لام بعض اعضاء كتلته النيابية الذين "شطحوا" كثيرا في استخدام لغة التحريض الطائفي والمذهبي.
وفي كل الاحوال، فان الحزب تعمد رصد حركة التحريض اياها وحجم رد الفعل "الشعبي" عليها من جانب الذين وجهت اليهم "الرسالة"، فخرج بنتيجة فحواها ان الفريق الآخر "يطمح فعلا الى التحضير لفتنة مذهبية او اجواء فتنة مماثلة"، لكن اللافت في هذا الامر ان واقع البلد وواقع العيش المشترك فيه لا يسمح لهم فعلا بالنفاذ عمليا الى هذه الغاية وتحقيق هذا المقصد، وعليه فان الحزب وحلفاءه باتوا يتعاملون على اساس ان هذا الامر بات "وراء الظهور".
من هنا يجد الحزب ان الحريري عاد الى "الميدان" قبل الموعد الذي كان حدده سابقا لعودته بنحو 36 ساعة لاعتبارات عدة، ابرزها انه شعر بضرورة ان يبكر بالعودة لكي يشد من عصب فريقه ويحول دون وقوعه في الارباك والضياع اكثر، وبالتالي يساهم في وضع حد لتطور الامور، ولكنه عاد وفي نيته الاستمرار في منطق المواجهة، وليس الانخراط عمليا في رحلة فصول التفاهم والتسوية المطلوبة منه.
من جهته فان الحزب بدأ يتصرف على اساس ان ثمة محطة من محطات المواجهة للقرار الظني التي قررها قد انتهت الآن وأتت الثمار المطلوبة منها وهي:
- ارسال رسالة الى من يعنيهم الامر بأن الحزب ليس في وارد السكوت والانصياع لمحاولات تخديره واغوائه بالوعود الفارغة.
- سقطت كل المقولات التي بنى البعض عليها حساباته في السابق وهي ان الحزب بات قاصرا عن اي فعل وعاجزا عن اجتراح اي تحرك، ولعب اي ورقة.
- ان الحزب يعد العدة فعليا للمرحلة التالية من مراحل المواجهة.
- اما الثمار الاكبر التي بدأت تلوح فهي اولا مبادرة الرياض الى بعث الحياة في حركتها مجددا من خلال قنوات عدة.
وبالطبع، تبلغت قيادة الحزب فحوى ما قاله الرئيس السوري بشار الاسد لرئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجيه في لقائهما قبل ايام عدة، وفيه ان اللواء السيد يملك كل الحق في ما يقوله ويتحرك بصدده وانه دخل السجن اربع سنوات "نيابة عن سوريا"، وان دمشق لا يمكنها القبول بأن يقال فيها شيء ويفعل عكسه في بيروت.
وذكر بما قاله سابقا من ان سوريا تعتبر اي اتهام او اي قرار ظني ضد المقاومة هو ضدها مباشرة ولا تقبل به ولا تستطيع الا ان تحذر من تداعياته وتخشى من "انهار دماء" ستسيل بعده. وتاليا فان دمشق عازمة على تذكير من يعنيهم الامر بوعودهم امامها ما داموا يرددون يوميا ان انفتاحهم عليها ثابت لا حيدة ولا رجعة عنه.
وعليه، فان "حزب الله" دخل الآن مرحلة الاعداد للمرحلة التالية من فصول مواجهته التي لن تنتهي للقرار الظني، وهو لا يزال في مهده.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018