ارشيف من :أخبار لبنانية
ما هي أبعاد الانفتاح المصري على حزب الله في هذه المرحلة ؟
ابراهيم بيرم _ "النهار"
أمر لافت ان يحل ديبلوماسي مصري رفيع ضيفاً على "حزب الله" في وقت تتجه كل الانظار نحو هذا الحزب بفعل الحديث عن اقتراب صدور القرار الظني المتوقع ان يطاول هذا الحزب، وفي اللحظة التي يرفع فيها هذا التنظيم منسوب حملته الشرسة على هذا القرار الموعود وعلى المحكمة الدولية عموماً من خلال المطالبة بفتح ملفات شهود الزور. واللافت أكثر أن يكون هذا الضيف (التقى المسؤول عن العلاقات العربية في الحزب الشيخ حسن عز الدين)، القنصل العام في السفارة المصرية أحمد حلمي، أي الشخص عينه الذي سماه المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد بالاسم في مؤتمره الصحافي ما قبل الاخير، متهماً إياه بأنه يجري اتصالات في أكثر من اتجاه لبناني تحضيراً لـ"فتنة" أو تمهيداً لخلق أجواء تساعد على نمو الفتنة.
واللافت أكثر فأكثر ان اللقاء بين حلمي وعز الدين أتى بعد أقل من أسبوع على بيان لوزارة الخارجية المصرية انتقد صراحة سلوك الحزب (من دون أن يسميه) وتصرفه في مطار بيروت الدولي على نحو بدت فيه مصر في موقف معارض تماماً للحزب، وداعم لهجمة خصومه الكثر عليه.
وليس خافياً على الاطلاق ان ثمة في الأصل "أزمة ثقة" مزمنة ومرحلة من الاضطراب والقطيعة بين الجانبين عنوانها العريض القضية التي صارت تعرف باسم "خلية حزب الله" التي تم اكتشافها في مصر ابان فترة الهجوم الاسرائيلي الواسع النطاق على غزة، وهي الخلية التي تضم مصريين وفلسطينياً وعلى رأسها أحد كوادر "حزب الله" المعروف باسم سامي شهاب واسمه الأصلي محمد منصور، وكانت مهمته التنسيق بغية ادخال أسلحة وأعتدة حربية لحركة "حماس" المحاصرة في غزة.
ومعلوم ان محاكمة هذا الرجل أمام القضاء المصري استمرت أشهراً حرصت خلالها السلطات المصرية على توجيه تهمة الى الحزب بالعمل على زعزعة الاستقرار الأمني في مصر عبر مطالعة قضائية - سياسية بدا فيها الحزب وكأنه يعد العدة لانقلاب في مصر يطيح الأوضاع القائمة حالياً، وذلك قبل أن تنتهي المحاكمة الى اصدار حكم قضى بسجن شهاب ورفاقه في الخلية مدداً تراوح بين ثلاث سنوات وعشر سنين.
وبناء على كل هذه الوقائع والمعطيات، يبدو اللقاء امس بين الديبلوماسي المصري والقيادي في "حزب الله" لافتاً جداً وحمال أوجه وتأويلات، ان لجهة التوقيت أو لجهة مضمون اللقاء ومواضيعه، أو لناحية شخصية الديبلوماسي نفسه والذي يشار اليه عادة على أنه الشخص الاقوى في السفارة، مما يطرح السؤال: هل الامر هو محاولة عملانية من المصريين لدحض آخر غير مباشر للاتهامات التي وجهت اليهم صراحة في الآونة الاخيرة؟ أم ان الامر مفتوح على أفق لتطوير العلاقة غير المستقرة بين الجانبين، والتي شهدت حالات مد وجزر؟
عليه، فإن السؤال الذي يوجه الى المصادر المعنية بالامر مباشرة في الحزب، هو ما هي أسبابكم ودوافعكم لاستقبال هذا الديبلوماسي في هذا الوقت بالذات؟ وماذا يعني الامر لكم؟
تكشف المصادر عينها استهلالاً ان اللقاء بين الجانب المصري والحزب ليس الاتصال الاول من نوعه وبالتحديد منذ "انفجار" قضية "خلية حزب الله" وسامي شهاب، إذ تم عقد لقاءات متفرقة ولكنها بقيت وراء أبواب مقفلة وفي جو من الكتمان بناء على تمنيات خاصة من المصريين أنفسهم، وهو ما التزمته الدوائر المعنية في الحزب.
وتضيف المصادر اياها، ان اللقاء الاخير امس تم بناء على رغبة مصرية، وعملية إماطة اللثام عنه، واخراجه الى الاضواء تمت ايضاً انعكاساً وتلبية للرغبة المصرية.
في كل الاحوال، تكمل المصادر عينها أن لا موانع لدى الحزب حيال مثل هذا النوع من اللقاءات، وهو ينظر اليها بايجابية لاعتبارات عدة أبرزها ان الحزب لا يضع حواجز أو شروطاً امام تطوير أية علاقة أو حوار أو تواصل مع أي دولة عربية.
وتؤكد المصادر نفسها ان اللقاء مع الجانب المصري "مهم في اللحظة والتوقيت، وهو يساهم بلا ريب في ترميم ما تصدع من العلاقات سابقاً، وفي اعادة بناء جسور التواصل والثقة، ويساهم ايضاً في تجاوز الكثير من العقبات التي حالت في السابق دون الانفتاح والتطوير. وأشارت الى ان البحث تركز بشكل اساسي على مسار الاوضاع في لبنان، فضلاً عن التطورات على الساحة العربية.
وبالطبع تناول البحث مسألة المحكمة الدولية واحتمالات الوضع اذا ما صدر القرار الظني على النحو الذي يتم الحديث عنه، والسلوك الذي سيسلكه الحزب اذا ما جاء القرار الظني الموعود متضمناً اتهامات لعناصر من الحزب، ولأن الكلام الذي قاله رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية على احدى محطات التلفزة ليل اول من امس والتحذيرات التي وردت فيه عن امكان انفجار الوضع اذا ما صدر القرار الظني على النحو الذي يحكى عنه، كان من الطبيعي ان يسأل الديبلوماسي المصري عن هذا الموضوع وأبعاده وحقيقته.
وتكمل المصادر نفسها ان الشيخ عز الدين افصح باسهاب عن وجهة نظر الحزب التي باتت معروفة حيال الموضوع برمته وجوهره: ان المحكمة الدولية حتماً مسيّسة وهناك العديد من الشواهد والأدلة على ذلك. واكد ان الأساس الذي بنت عليه المحكمة تحقيقاتها ويمكن على اساسها ان تصدر قرارها الظني الموعود هو اساس باطل لأنه يتجاهل شهادات شهود الزور، وان الحزب يصر على ضرورة فتح ملف هؤلاء الشهود على مصراعيه، لأنه يعرف تماما ان هذا الامر هو الذي يسقط كل الالتباسات ويكشف الكثير من الحقائق ويفصح عن التلاعب الذي جرى منذ البداية بقضية اغتيال الرئيس الحريري وكيف تم استغلالها وتحويرها لغايات ومقاصد صارت معروفة ومكشوفة. ويبدو جلياً ان الديبلوماسي الضيف كان مستمعاً لوجهة نظر الحزب اكثر مما كان متحدثا. وتؤكد المصادر عينها ان القنصل العام حلمي لم يحمل أي رسالة الى قيادة الحزب، ولم تبادر الأخيرة الى تحميله أي رسالة الى القيادة المصرية.
لكن الثابت ان كلا الطرفين اكدا اهمية استمرار التواصل وفتح العلاقة على مزيد من الأفق بغية "ترميم ما سلف وتطوير ما هو آتٍ".
وذكرت المصادر عينها أن اللقاء لم يتطرق الى قضية المعتقل في مصر سامي شهاب بشكل مباشر، ولكن مجرد اللقاء في هذه المرحلة، وعدم معارضة المصريين الكشف عنه سيساهم في معالجة هذه القضية، علما ان الحزب أعرب غير مرة عن رأيه بأن نوعية الحكم المصري بحق الرجل انما تترك الباب مفتوحاً امام معالجات سياسية للموضوع لاحقاً.
واللافت ان دوائر الحزب، ورغم كل التوتر الذي شاب العلاقة بينه وبين القاهرة، ورغم ان مراكز مصرية تعمدت شن هجمات سياسية واعلامية عليه، فانه حرص على الا يرد على الكلام المصري السلبي بمثله.
· أفاد بيان لوحدة العلاقات الاعلامية في "حزب الله" ان اللقاء بين القنصل حلمي والشيخ عز الدين "تناول المستجدات اللبنانية والعربية، وتم تبادل وجهات النظر حول القضايا السياسية المطروحة، كما تم بحث العلاقة بين حزب الله ومصر، وأكد الطرفان ضرورة سير العلاقات بينهما بشكل طبيعي، وتطوير العلاقة الثنائية بما يحقق الثقة التي تساهم في تجاوز العقبات وتمتين الموقف الوطني اللبناني والعربي".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018