ارشيف من :أخبار لبنانية

المحكمة الدوليّة: سباق معادلات الإلغاء والعدالة والفتنة

المحكمة الدوليّة: سباق معادلات الإلغاء والعدالة والفتنة


نقولا ناصيف_ "الاخبار"

وراء الهدنة المعلنة يتشبّث الرئيس سعد الحريري وحلفاؤه، وحزب الله وحلفاؤه، بمواقفهم المتناقضة من المحكمة الدولية، بينما تلتزم سوريا الصمت. لا تتأخر في إبراز دعمها لكل منهما، ولا تفرج عن كلمتها في مصير المحكمة الدولية


يوماً بعد آخر، يقترب الجدل الداخلي من المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري من المعضلة الرئيسية، وهي التناقض الناشب بين المتمسّكين بها والمنادين بإلغائها. وترتفع، يوماً بعد آخر، نبرة الحضّ على هذا الإلغاء تدريجاً عبر مبرّرات مختلفة، إلا أنها تقود في نهاية المطاف إلى إبراز حتمية طيّ صفحتها، وحمل رئيس الحكومة سعد الحريري على التخلي عن آخر ما بقي له من المرحلة المنقضية بين عامي 2005 و2008. هذا على الأقل ما أظهرته، بجلاء غير ملتبس، مواقف الأسابيع القليلة الأخيرة. ولا يعكس بالضرورة مصادفة التقت عندها حجج هؤلاء، بل سياقاً مدروساً ومنظماً يرمي إلى جعل الخوض في إلغاء المحكمة الدولية أولوية غير منازع عليها.

بعد المدير العام السابق للأمن العام، اللواء الركن جميل السيّد، ثم رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، ونائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أتى موقف رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجية. وطّد كل من هؤلاء، في مقاربته الدعوة الصريحة إلى إلغاء المحكمة الدولية، معادلة مختلفة عن الأخرى، لكنها تصب كلها في هدف مشترك:

1 ـــــ قرن السيّد إلغاء المحكمة الدولية بما عدّه التزوير في التحقيق الدولي الذي سقط فور سقوط الاتهام عن سوريا باغتيال الرئيس السابق للحكومة. وبيّن لاحقاً عدم صدقية المحكمة الدولية التي آلت تلقائياً إلى سقوطها هي الأخرى، مع توقع صدور قرار ظني بُني ـــــ شأن التحقيق الدولي ـــــ على شهود زور، ينقل الاتهام من سوريا إلى حزب الله. وضع السيّد، وهو يطالب بإلغاء المحكمة الدولية، معادلة شهود الزور في مقابل الاستقرار.

2ــــ تدرّج جنبلاط من التمييز بين القرار الظني والمحكمة الدولية، إلى اقتراح تسوية داخلية يتوافق الأفرقاء المعنيون عبرها على الإلغاء. بذلك يكون، في الاقتراح الأول، قد أرضى حزب الله برفضه القرار الظني، ورئيس الحكومة بتمسّكه بالمحكمة الدولية، رغم الالتباس الذي ينطوي عليه هذا التمييز نظراً إلى أن القرار الظني هو نتيجة التحقيق الدولي، والمحكمة الدولية هي نتيجة القرار الظني، الأمر الذي يجعل هذا التلازم حتمية قانونية. في اقتراح التسوية التوافقية على الإلغاء، يحاول الزعيم الدرزي جمع الطرفين المعنيين في مخرج يُعادل وجهة نظر أحدهما بالآخر، بالقول بتوافقهما على إلغاء القرار الظني والمحكمة الدولية معاً. وهو مخرج في وسع حزب الله التحفظ عنه، لأنه يقوده إلى حيث يرفض الوصول إليه، وهو بناء تسوية تنطوي على إقرار بجرم اغتيال الحريري الأب.

بعدما كان حزب الله قد رفض أي تسوية على القرار الظني بدءاً بتأجيله، لكونه بذلك يقرّ بمسؤوليته عن الاغتيال ويطلب التأجيل لإبعاد إعلان تلك المسؤولية، يُدعى الآن إلى تسوية مشابهة، هي تبادل التنازل مع رئيس الحكومة بغية الوصول إلى حلّ مرضٍ للطرفين على الإلغاء. وفي ذلك تسليمه أيضاً باقتراف الجرم. على نحو كهذا، وضع جنبلاط، وهو يطالب بإلغاء المحكمة الدولية، معادلة العدالة في مقابل الاستقرار.

3 ــ مثّل كلام فرنجية، في حواره التلفزيوني مساء الخميس، الموقف الأكثر صراحة في الدعوة إلى إلغاء المحكمة الدولية، بقوله إن صدور القرار الظني سيقود إلى حرب سنّية ـــــ شيعية. وعزا السبب إلى إرادة دولية ستصدر قراراً بإشعال حرب في لبنان، سعياً إلى توجيه ضربة أخرى إلى سلاح حزب الله بعد حرب عام 2006. رسم الزعيم الزغرتاوي، في معرض مطالبته بإلغاء غير مشروط بتسوية داخلية، معادلة الفتنة في مقابل الاستقرار.

4ـ رغم أن حزب الله لم يقل بعد كلمته النهائية في إلغاء المحكمة الدولية، وعرض نائب أمينه العام قبل أيام كل المبرّرات التي تفضي إلى خيار المطالبة بالإلغاء، بدءاً برفض التحقيق الدولي، مروراً بسقوط اتهام سوريا، إلى القرار الظني واتهام الحزب، وصولاً إلى شهود الزور، إلا أنه رسم معادلة جمعت بين المعادلات الثلاث السابقة. لاحظ الشيخ نعيم قاسم أن المضي في المحكمة الدولية، في ظلّ قرار ظني يتهم الحزب بالاغتيال، سيؤول حتماً إلى تقويض العدالة والاستقرار، وفتح الباب عريضاً على الفتنة، وإلى استهداف سلاح المقاومة أولاً وأخيراً. هي، في الواقع، معادلة المحكمة الدولية وشنّ حرب على حزب الله في مقابل الاستقرار. هي أيضاً معادلة قطع رأس القرار الظني قبل أن يطلّ.

على طرف نقيض من المواقف الأربعة لهذه القيادات المعارضة، تمسّك رئيس الحكومة وتيّار المستقبل بداية بمعادلة التحقيق الدولي الذي يفضي إلى الاستقرار، ثم بمعادلة المحكمة الدولية التي تفضي إلى الاستقرار، ووجد العدالة نتيجة حتمية للتحقيق والمحكمة الدوليين معاً.

إلا أن موقف الحريري من المحكمة الدولية، يقترن بدوره بالمعطيات الآتية:
ـــــ لا يسعه إعطاء ما يعتقد بأنه لا يملك أن يعطيه. والمقصود بذلك أن ليس في وسعه المطالبة بما لا يقدر على تحقيقه، وهو إلغاء محكمة دولية هي في عهدة مجلس الأمن. فضلاً عن أن الحريري لا يريد إعطاء ما يُدعى إلى إعطائه، وهو التنازل عن كشف قتلة والده الراحل والاقتصاص منهم، وتحقيق العدالة في اغتيال سياسي بشع.

ـــــ منذ عودته من الرياض مطلع الأسبوع، وضع الحريري التمسّك بالمحكمة الدولية في منزلة مقدّسة، غير قابلة للمساومة والتساهل، وأخرجها ـــــ بالنسبة إليه على الأقل ـــــ من دائرة التفاوض. لكنه أظهر لخصومه، في المقابل، تشبّثه بما سمّاه في اجتماع تيّار المستقبل، ثوابت العيش المشترك والعلاقات مع سوريا واتفاق الطائف ورفض الخطاب المذهبي والبيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها كي يؤكد أيضاً إصراره على حماية المقاومة وسلاحها، وعلى مسؤوليتها في التحرير. على نحو كهذا، نأى رئيس الحكومة بنفسه عن أي مواجهة يريد حزب الله والمعارضة فرضها عليه.

لم يسمع الحريري من الرئيس بشّار الأسد، في أي من زياراته الخمس لسوريا، مطالبة بإلغاء القرار الظني أو المحكمة الدولية. ولم يُقابل من الأسد، في كل مرّة واجه فيها أزمة عاصفة مع المعارضة وحزب الله، إلا احتضاناً كاملاً لدوره وثوابته، على نحو يجعله متيقناً من أن الرئيس السوري لا يقف وراء الحملات التي يواجهها، وأخصّها المطالبة بإلغاء المحكمة الدولية بعد المطالبة بإلغاء القرار الظني.

ورغم أن النبرة السلبية المتزايدة حيال المحكمة الدولية أتت بعد ثلاث مقابلات عقدها الأسد مع جنبلاط في 4 آب، والسيّد في 8 أيلول، وفرنجية في 20 أيلول، نظر تيّار المستقبل باستمرار إلى كل التفاتة للأسد بإزاء رئيس الحكومة، بالتزامن مع تلك الحملات، بوثوق إلى متانة الثقة المتبادلة بين الرجلين. في السياق نفسه، أُدرِجت المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس السوري قبل أيام برئيس الحكومة. وهي، في دلالتها الرمزية، تعني ـــــ للحريري وتيّار المستقبل ـــــ تفهّم الأسد تصلّبهما ومبرّراتهما في التمسّك بالمحكمة الدولية، وبأن سوريا ليست معنية بالفوضى الأخيرة بين قوى 8 و14 آذار، وليست جزءاً من إدارتها.

لكن ذلك لا يجعل الحريري وتيّار المستقبل يتوهّمان أن في وسعهما توقع إشارة سورية مسهّلة حيال القرار الظني والمحكمة الدولية، سواء بالنسبة إليها كنظام، أو بالنسبة إلى حلفائها اللبنانيين.

ـــــ لم يُدعَ رئيس الحكومة حتى الآن إلى تسوية داخلية مع حزب الله. سمع باستمرار من الرئيس السوري حضّاً حاراً على التحاور مع الحزب والتفاهم وإياه. في المقابل، كان سبّاقاً إلى اقتراح تسوية على الحزب أتت في توقيت سيئ، سرعان ما انتقلت عدواه إلى مضمونها، عندما أبلغ إلى الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله أن قراراً ظنياً سيصدر، ويحمّل أعضاء في حزب الله مسؤولية اغتيال والده، داعياً إياه إلى حلّ يضع هؤلاء في خانة عناصر غير منضبطة، يتبرأ منهم الحزب.

كان ردّ فعل نصر الله حاداً، برفض قاطع لتسوية لن تقتصر آثارها السلبية على الحزب على القرار الظني، بل تقوده إلى محاكمة دولية سياسية علنية. مذ ذاك تأكدت للحريري استحالة الاتفاق مع حزب الله على تسوية، في ظلّ تناقض نظرة كل منهما إلى مسار المحكمة الدولية وأهدافها.


2010-09-25