ارشيف من :أخبار لبنانية
القوّات 2010: حداثويّة تتكلّم لغة الماضي
براهيم الأمين ـ الاخبار
لم تكن الأعلام اللبنانية ترفرف في ساحة ملعب جونية. الحشود ليست قليلة بالنسبة إلى فريق لا يزال يصرّ على مفاهيمه الأولية، رغم أن التغييرات التي عصفت به وبالبلاد لا تتناسب وخطابه. سمير جعجع نفسه يحاول جاهداً تجاوز قوانين الحياة. يريد أن يبدو على شكل أبناء المدينة. يعرف أنّ الترييف الذي أصاب بيروت، والتجمّعات المدينية على الساحل ليس أمراً عادياً، وأنّ الأمر يحتاج إلى جيلين على أقل تقدير حتى يمكننا الحديث عن عناصر شَبَه أو تطابق مع أبناء الأحياء الهادئة. والذاكرة المعيشة ليست كتلك التي يمكن الحديث عنها لمجرد أننا نودّ التغيير. الفارق بين سمير الأمس وسمير اليوم هو نفسه الذي قام بينه وبين زوجته ستريدا منذ تعارفهما. حاولت الفتاة الغنوجة صادقةً طمأنته إلى أنها لا تشعر بفروق اجتماعية بينهما، وهي محاولات تشبه محاولاته الصادقة للتشبّه بها. ومنذ اليوم الأول الذي قررت فيه إلباسه بذلة وربطة عنق، بدا كأنّه في ثياب أبيه. وظل الأمر كذلك لأنه في لحظة الاصطدام الاجتماعي بينهما، لا يبقى أيّ معنى لكل عناصر التفوّق المكتسبة.
لا القوة تنفع ولا الهالة ولا الإحساس بالأمان، تماماً كما هي الحال بين سمير جعجع وبيار الضاهر. الأخير ابن عائلة غنية، لكنه كان شديد الإعجاب بالمناضل البشرّواي، الساعي إلى تحسين أوضاعه وشكل تعبيره عن الانتماء إلى القضية المسيحية. تحوّل إعجاب بيار وأبيه بسمير إلى محاولة للتماهي، من خلال فتح المنزل ومحاولة تحويل طالب الطب فرداً طبيعياً من العائلة. لكنّ الاصطدام بخلفية المصالح، والافتراق الناجم عنه، يعيدان إلى الواجهة، وفي لحظة واحدة، كل الفروق الاجتماعية التي كان يُفترض بالنضال المشترك محوها.
ثمة دونية مضمرة تواجه فوقية سافرة في العلاقة بين أبناء الريف والإقطاعيين أو النافذين في المدينة. كان جعجع ذروة التمثيل الاجتماعي للّذين ظلوا على الدوام وقود معارك الزعامات الإقطاعية في جبل لبنان. لكن جعجع سرعان ما أدرك أن التغيير لا يجري عن بعد. والقسوة وفرض الأمر الواقع بالحديد والنار خلال سنوات الحرب، لم يجعلاه مواطناً أصلياً في كسروان. والرغبة في الانتماء إلى جبل لبنان لا تجري فقط من خلال نقل السكن إلى قلبه. فها هي بيروت تعجّ بالوافدين إليها خلال العقود الخمسة الماضية. جيلان من البشر تكوّن وعيهما في المدينة والأحياء على اختلاف تفاوتها الاجتماعي. لكن سر الانتماء في بلد مجزّأ على هذا النحو، يبقي سعد الحريري غريباً مثله مثل نبيه برّي. وكل الياقات المرتّبة والسيّارات المرفّهة والمنازل المجمّلة من الخارج أو الداخل لا صلة لها بروح المدينة الأصلي. ولم يكن ممكناً لرفيق الحريري بدعم من كل قادة الحرب والمترهّلين من أهل الإقطاع أن يجعل وسط بيروت على شكل مختلف عن صورتها الحالية. هكذا تكون معراب بناءً على شكل أبنية الأغنياء في الريف، منزلاً منفرداً له، لا يشاركه فيه أحد من غير أهل داره، لكنه يحتاج إلى هذا الحصار الذاتي بكميات من الباطون والحراس. تماماً كما هو بيت سعد الحريري الحالي في «الوسخ التجاري»، أو قصر رئاسة المجلس النيابي في عين التينة. لا حرارة متصلة بالأرض كما هي حال ما بقي من منازل في عين المريسة أو أحياء الأشرفية المختفية خلف غابات الباطون.
لم ينتبه سمير جعجع إلى أنه لا يزال وافداً، وإلى أن عقد الاجتماع في ساحل كسروان لا يمنحه الشرعية الشعبية، أو يزيل من ذاكرة المكان وأهله صورة الكثيرين من الذين ملأت أسماؤهم الجدارية خلفه. وهي صور أبناء الريف الذين استدعاهم الإقطاع السياسي للمارونية السياسية. أولئك الذين يعرفهم اللبنانيون جميعاً في كل المناطق، حيث جرت تسميتهم الميليشيات. وحتى اللحظة لا ينفع تعلّمهم أو أشغالهم الجديدة ودخلهم المرتفع في جعل الارتقاء الاجتماعي طبيعياً.
لا يزال جعجع ممثّلاً لحالة قبلية تنحصر فعاليتها في جيب شمالي صغير. وليس في وجهها سوى أعداء من البيئة نفسها، ثقافياً وفكرياً ودينياً واجتماعياً. ولن يكون بمقدور أحد إدخال تغييرات جوهرية على صورتها. الصراخ سمة المتحدثين فيها، والعبوس والوشوم إشارة إلى كيف يلفت انتباه الحاضرين. وعلى الجميع التقيد بالمظهر نفسه، وبالصوت نفسه وبالكلام نفسه، وحتى عندما يتغير المظهر الخارجي، تبدو الثياب كلها من مصدر واحد. صار أبناء بشري جميعاً، مؤيدين كانوا أو معارضين لجعجع، مسؤولين شاؤوا أم أبوا عن أفعاله. نجح هو والآخرون من خصومه في جعل أبناء بلدته الفقيرة في وضعية تشبه أتباع وليد جنبلاط. وصار هو بطلهم الوحيد. يتخيّلونه على صورة المسيح، ويرون في خطبه دروساً تحاكي ما ورد في الأناجيل. يشكون في منازلهم من الضيق الاقتصادي. يظهرون استعداداً عملياً لفعل أيّ شيء يرضي زعيمهم، ولو تطلّب الأمر منهم العودة إلى الحرب، لكنهم لن يهتموا أبداً لسماع رأي الآخر، إن كان يسألهم عن أحوالهم.
فجأةً بدا جعجع في عالم آخر. هو لا يقدر على تقليد أبناء جبل لبنان دون الالتزام بقواعد اللعبة. يمكن وليد جنبلاط أن يشتمه يومياً، لكنه حتى إشعار آخر، لن ينجرّ إلى صدام معه. لأنّ جنبلاط في نهاية الأمر، هو الشريك الإضافي في إعادة الاعتبار إلى جبل لبنان كمركز للحكم والقرار. وحالة جعجع هنا، هي في جعل ناسه يسيرون خلفه وهو يحاول انتزاع الشارع من بين أيدي الآخرين. يخاطب العونيّين، ويقاتل حزب الله، ويحابي المستقبل، لكن جهده الحقيقي هو في اصطياد ما أمكن من القاعدة الكتائبية، وجعل نديم بشير الجميل يسير خلف قيادته هو. وها هو يعرض على «شخصيات» 14 آذار ذوات الحيثيات البلدية أن تكون جزءاً من فريقه. عرض على فارس سعيد وميشال معوض أنه يقدر على منحهما حيثية تشبه حيثية جورج عدوان، لكن الشرط الحاسم هو انضمامهما إلى «القوات» مباشرةً لا مواربة.
يبدو سمير جعجع مثل أبناء تنظيم «القاعدة». أولئك الذين يقولون إنهم يطبّقون ما تعلّموه على أيدي المؤسسة الدينية الراعية في المملكة، ثمّ اكتشفوا أنّ
جهادهم يتضارب مع مصالح المملكة، فحصل الانفصال. هكذا هو جعجع يتذكر ما تعلّمه على أيدي منظّري الجبهة اللبنانية، ورجالاتها من السياسيّين والكنسيّين. وعندما أراد حصته، وجد نفسه في حالة الاصطدام. لكنّ المشكلة أنه لم يعر اهتماماً إلى أنّ الانهيار أصاب أولاً قاعدة أساتذته، وأنّ ما يمثله ميشال عون اليوم، هو نفسه التعبير عن رفض تجربة الجبهة اللبنانية بكل متفرعاتها وشخصياتها. بهذا المعنى، يمكن فهم تعابير وجه سامي الجميل في احتفال «القوات»، وهو يرمق الحاضرين بنظرة المستغرِب كيف أنّ الناس يسيرون خلف الابن سمير، ولا يكترثون لأبناء المعلم بيار، فيما يحاول نديم الجميل استغلال صورة والده العملاقة لاكتساب موقع متقدم بين الحشود التي لا يمكنها أن ترى أحداً غير القائد الذي يشبهها.
لا شيء في مكانه، والاستعارة لا تنفع في كل الأوقات. حتى عندما استعار جعجع شاشات البث لخطابه، بدا غير ملتزم شروطها. تجمّد رأسه بعكس الحركة المطلوبة. ونسي أنّ الخطاب الجماهيري لا يقوم على حفظ الكلمات الرنانة أو معرفة توقيت النطق بها بنبرة مختلفة. كان عليه أن يكون أكثر عفوية. وكان عليه استغلال الذاكرة لكي يتأكد بنفسه أنه لا يزال هو نفسه، أن يدعو مرافقه ليسأله عن منظره لا أن ينتظر ثناء ستريدا على اكتمال مشهده الخارجي. أمّا العيون وحركة الأيدي والنظر إلى الحشود ومخاطبة الآخر غير الموجود في المكان، فكلها تدل على حالة غير طبيعية، لا ينفع في علاجها غير طبيب أكمل علومه ولم يكتفِ بعلوم أوّلية انتهت كدرس في الجراحة العشوائية على طريقة الجزّارين.
وفي مكان آخر، يبدو سمير جعجع مثل بقية القواتيّين، يحتاج إلى الثقة بالنفس كل صباح. هم لا يكتفون بالحشد الذي جمعوه في ملعب جونية للقول إنهم قوة فاعلة على الأرض. ظلّوا على الدوام يحتاجون إلى بودي معلولي لكي تكون الصورة أكبر من الواقع. هم لا يحتاجون إلى وسائل العمل النقابي لجعل الناس يشعرون بأن الحشد أكبر وأكبر، فلا داعي إلى إقفال الطرقات بالسيارات لجعل الناس ينظرون إلى الازدحام على أنه حشد قواتي، ولا كثرة الأعلام تحوّل العصيّ إلى رجال، ولا أصوات مكبّرات الصوت تجعل الناس مقتنعين بما يرونه. ولا تقليد حزب الله يعيد قوات الصدم إلى الخدمة. حتى مخاطبة شباب التيار الوطني الحر وشاباته، لا تفيد في كسر طوق الانعزالية الذي يلفه جعجع حول نفسه وحول أعناق مريديه. ذلك أنّ حدة الانقسام السياسي في لبنان، ووضوح طبيعة المعركة في المنطقة، لا يفسحان مجالاً للمتلاعبين والمزوّرين، وكان عليه الاكتفاء بصورته كما هي. لأنه، رغم كل شيء، يجب النظر إليها وأخذها في الاعتبار.
لم تكن الأعلام اللبنانية ترفرف في ساحة ملعب جونية. الحشود ليست قليلة بالنسبة إلى فريق لا يزال يصرّ على مفاهيمه الأولية، رغم أن التغييرات التي عصفت به وبالبلاد لا تتناسب وخطابه. سمير جعجع نفسه يحاول جاهداً تجاوز قوانين الحياة. يريد أن يبدو على شكل أبناء المدينة. يعرف أنّ الترييف الذي أصاب بيروت، والتجمّعات المدينية على الساحل ليس أمراً عادياً، وأنّ الأمر يحتاج إلى جيلين على أقل تقدير حتى يمكننا الحديث عن عناصر شَبَه أو تطابق مع أبناء الأحياء الهادئة. والذاكرة المعيشة ليست كتلك التي يمكن الحديث عنها لمجرد أننا نودّ التغيير. الفارق بين سمير الأمس وسمير اليوم هو نفسه الذي قام بينه وبين زوجته ستريدا منذ تعارفهما. حاولت الفتاة الغنوجة صادقةً طمأنته إلى أنها لا تشعر بفروق اجتماعية بينهما، وهي محاولات تشبه محاولاته الصادقة للتشبّه بها. ومنذ اليوم الأول الذي قررت فيه إلباسه بذلة وربطة عنق، بدا كأنّه في ثياب أبيه. وظل الأمر كذلك لأنه في لحظة الاصطدام الاجتماعي بينهما، لا يبقى أيّ معنى لكل عناصر التفوّق المكتسبة.
لا القوة تنفع ولا الهالة ولا الإحساس بالأمان، تماماً كما هي الحال بين سمير جعجع وبيار الضاهر. الأخير ابن عائلة غنية، لكنه كان شديد الإعجاب بالمناضل البشرّواي، الساعي إلى تحسين أوضاعه وشكل تعبيره عن الانتماء إلى القضية المسيحية. تحوّل إعجاب بيار وأبيه بسمير إلى محاولة للتماهي، من خلال فتح المنزل ومحاولة تحويل طالب الطب فرداً طبيعياً من العائلة. لكنّ الاصطدام بخلفية المصالح، والافتراق الناجم عنه، يعيدان إلى الواجهة، وفي لحظة واحدة، كل الفروق الاجتماعية التي كان يُفترض بالنضال المشترك محوها.
ثمة دونية مضمرة تواجه فوقية سافرة في العلاقة بين أبناء الريف والإقطاعيين أو النافذين في المدينة. كان جعجع ذروة التمثيل الاجتماعي للّذين ظلوا على الدوام وقود معارك الزعامات الإقطاعية في جبل لبنان. لكن جعجع سرعان ما أدرك أن التغيير لا يجري عن بعد. والقسوة وفرض الأمر الواقع بالحديد والنار خلال سنوات الحرب، لم يجعلاه مواطناً أصلياً في كسروان. والرغبة في الانتماء إلى جبل لبنان لا تجري فقط من خلال نقل السكن إلى قلبه. فها هي بيروت تعجّ بالوافدين إليها خلال العقود الخمسة الماضية. جيلان من البشر تكوّن وعيهما في المدينة والأحياء على اختلاف تفاوتها الاجتماعي. لكن سر الانتماء في بلد مجزّأ على هذا النحو، يبقي سعد الحريري غريباً مثله مثل نبيه برّي. وكل الياقات المرتّبة والسيّارات المرفّهة والمنازل المجمّلة من الخارج أو الداخل لا صلة لها بروح المدينة الأصلي. ولم يكن ممكناً لرفيق الحريري بدعم من كل قادة الحرب والمترهّلين من أهل الإقطاع أن يجعل وسط بيروت على شكل مختلف عن صورتها الحالية. هكذا تكون معراب بناءً على شكل أبنية الأغنياء في الريف، منزلاً منفرداً له، لا يشاركه فيه أحد من غير أهل داره، لكنه يحتاج إلى هذا الحصار الذاتي بكميات من الباطون والحراس. تماماً كما هو بيت سعد الحريري الحالي في «الوسخ التجاري»، أو قصر رئاسة المجلس النيابي في عين التينة. لا حرارة متصلة بالأرض كما هي حال ما بقي من منازل في عين المريسة أو أحياء الأشرفية المختفية خلف غابات الباطون.
لم ينتبه سمير جعجع إلى أنه لا يزال وافداً، وإلى أن عقد الاجتماع في ساحل كسروان لا يمنحه الشرعية الشعبية، أو يزيل من ذاكرة المكان وأهله صورة الكثيرين من الذين ملأت أسماؤهم الجدارية خلفه. وهي صور أبناء الريف الذين استدعاهم الإقطاع السياسي للمارونية السياسية. أولئك الذين يعرفهم اللبنانيون جميعاً في كل المناطق، حيث جرت تسميتهم الميليشيات. وحتى اللحظة لا ينفع تعلّمهم أو أشغالهم الجديدة ودخلهم المرتفع في جعل الارتقاء الاجتماعي طبيعياً.
لا يزال جعجع ممثّلاً لحالة قبلية تنحصر فعاليتها في جيب شمالي صغير. وليس في وجهها سوى أعداء من البيئة نفسها، ثقافياً وفكرياً ودينياً واجتماعياً. ولن يكون بمقدور أحد إدخال تغييرات جوهرية على صورتها. الصراخ سمة المتحدثين فيها، والعبوس والوشوم إشارة إلى كيف يلفت انتباه الحاضرين. وعلى الجميع التقيد بالمظهر نفسه، وبالصوت نفسه وبالكلام نفسه، وحتى عندما يتغير المظهر الخارجي، تبدو الثياب كلها من مصدر واحد. صار أبناء بشري جميعاً، مؤيدين كانوا أو معارضين لجعجع، مسؤولين شاؤوا أم أبوا عن أفعاله. نجح هو والآخرون من خصومه في جعل أبناء بلدته الفقيرة في وضعية تشبه أتباع وليد جنبلاط. وصار هو بطلهم الوحيد. يتخيّلونه على صورة المسيح، ويرون في خطبه دروساً تحاكي ما ورد في الأناجيل. يشكون في منازلهم من الضيق الاقتصادي. يظهرون استعداداً عملياً لفعل أيّ شيء يرضي زعيمهم، ولو تطلّب الأمر منهم العودة إلى الحرب، لكنهم لن يهتموا أبداً لسماع رأي الآخر، إن كان يسألهم عن أحوالهم.
فجأةً بدا جعجع في عالم آخر. هو لا يقدر على تقليد أبناء جبل لبنان دون الالتزام بقواعد اللعبة. يمكن وليد جنبلاط أن يشتمه يومياً، لكنه حتى إشعار آخر، لن ينجرّ إلى صدام معه. لأنّ جنبلاط في نهاية الأمر، هو الشريك الإضافي في إعادة الاعتبار إلى جبل لبنان كمركز للحكم والقرار. وحالة جعجع هنا، هي في جعل ناسه يسيرون خلفه وهو يحاول انتزاع الشارع من بين أيدي الآخرين. يخاطب العونيّين، ويقاتل حزب الله، ويحابي المستقبل، لكن جهده الحقيقي هو في اصطياد ما أمكن من القاعدة الكتائبية، وجعل نديم بشير الجميل يسير خلف قيادته هو. وها هو يعرض على «شخصيات» 14 آذار ذوات الحيثيات البلدية أن تكون جزءاً من فريقه. عرض على فارس سعيد وميشال معوض أنه يقدر على منحهما حيثية تشبه حيثية جورج عدوان، لكن الشرط الحاسم هو انضمامهما إلى «القوات» مباشرةً لا مواربة.
يبدو سمير جعجع مثل أبناء تنظيم «القاعدة». أولئك الذين يقولون إنهم يطبّقون ما تعلّموه على أيدي المؤسسة الدينية الراعية في المملكة، ثمّ اكتشفوا أنّ
| ❞ريفيّون خانهم قائدهم ولم تقبلهم المدينة بعد وصراخهم كما كثرة أعلامهم لا يزيد في الحشد أو الفعاليّة
لا يزال جعجع يمثّل حالة قبليّة محصورة في جيب شمالي... وأعداؤها أبناء بيئتها دينياً واجتماعياً وثقافياً |
لا شيء في مكانه، والاستعارة لا تنفع في كل الأوقات. حتى عندما استعار جعجع شاشات البث لخطابه، بدا غير ملتزم شروطها. تجمّد رأسه بعكس الحركة المطلوبة. ونسي أنّ الخطاب الجماهيري لا يقوم على حفظ الكلمات الرنانة أو معرفة توقيت النطق بها بنبرة مختلفة. كان عليه أن يكون أكثر عفوية. وكان عليه استغلال الذاكرة لكي يتأكد بنفسه أنه لا يزال هو نفسه، أن يدعو مرافقه ليسأله عن منظره لا أن ينتظر ثناء ستريدا على اكتمال مشهده الخارجي. أمّا العيون وحركة الأيدي والنظر إلى الحشود ومخاطبة الآخر غير الموجود في المكان، فكلها تدل على حالة غير طبيعية، لا ينفع في علاجها غير طبيب أكمل علومه ولم يكتفِ بعلوم أوّلية انتهت كدرس في الجراحة العشوائية على طريقة الجزّارين.
وفي مكان آخر، يبدو سمير جعجع مثل بقية القواتيّين، يحتاج إلى الثقة بالنفس كل صباح. هم لا يكتفون بالحشد الذي جمعوه في ملعب جونية للقول إنهم قوة فاعلة على الأرض. ظلّوا على الدوام يحتاجون إلى بودي معلولي لكي تكون الصورة أكبر من الواقع. هم لا يحتاجون إلى وسائل العمل النقابي لجعل الناس يشعرون بأن الحشد أكبر وأكبر، فلا داعي إلى إقفال الطرقات بالسيارات لجعل الناس ينظرون إلى الازدحام على أنه حشد قواتي، ولا كثرة الأعلام تحوّل العصيّ إلى رجال، ولا أصوات مكبّرات الصوت تجعل الناس مقتنعين بما يرونه. ولا تقليد حزب الله يعيد قوات الصدم إلى الخدمة. حتى مخاطبة شباب التيار الوطني الحر وشاباته، لا تفيد في كسر طوق الانعزالية الذي يلفه جعجع حول نفسه وحول أعناق مريديه. ذلك أنّ حدة الانقسام السياسي في لبنان، ووضوح طبيعة المعركة في المنطقة، لا يفسحان مجالاً للمتلاعبين والمزوّرين، وكان عليه الاكتفاء بصورته كما هي. لأنه، رغم كل شيء، يجب النظر إليها وأخذها في الاعتبار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018