ارشيف من :أخبار لبنانية
نصوص من الصحافة الإسرائيلية : حرب لبنان الأولى ومجزرة صبرا وشاتيلا تواصلان التأثير في السجال السياسي الإسرائيلي
شكلت حرب لبنان الأولى في العام 1982 نقطة تحوّل بالغة الأهمية في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه مسألة الحرب والسلم. فقد كانت الحرب الواسعة الأولى التي تشنها إسرائيل على دولة عربية وبهدف سياسي واضح لا يهدف فقط إلى إنشاء نظام موالٍ لها في هذه الدولة وحسب وإنما إلى خلق الظروف لتغيير الوضع الإقليمي برمّته. وكان الاختلاف في التفكير بين هذه الحرب والحروب التي سبقتها وخصوصاً حربا السويس عام 1956 وحزيران عام 1967 يكمن في التجرؤ الإسرائيلي على التفكير ليس بابتداء سيرورات وإنما أيضاً تحديد أهدافها النهائية.
كان التطلّع الإسرائيلي من وراء الحروب يرمي على الدوام لتوجيه ضربة قوية تلهي العرب عموماً أو هذه الدولة أو تلك عن التفكير بالهجوم وتمنح إسرائيل مهلة زمنية تراكم خلالها القوة وتفرض فيها وقائع جديدة على الأرض. وكما سلف كان الهدف الإسرائيلي من وراء حرب لبنان الأولى بعد «بروفة» اجتياح الليطاني متشعباً وبعيد المدى. وكما يشير نائب رئيس الموساد السابق ناحيك نبوت في مقابلة مع «هآرتس» فإن مناحيم بيغن الذي وقع مع الرئيس المصري أنور السادات معاهدة كامب ديفيد كان يريد من خلال القضاء على منظمة التحرير إزالة فرص تحويل الحكم الذاتي الذي اقترحه في المعاهدة على الفلسطينيين إلى دولة فلسطينية.
كما سبق ونشر الكثير عن خطة أرييل شارون لتغيير البيئة الإقليمية وحلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عبر إبعادهم عن لبنان واعتبار النظام اللبناني الجديد مدخلاً لتغيير الواقع في المنطقة العربية. وهكذا كانت فوق الطاولة خطة «أورانيم» الصغرى التي تتحدث عن فعل عسكري من دون أهداف سياسية بعيدة المدى و«أورانيم» الكبرى وتحمل خطوط التغيير الواسع في المنطقة.
ولكن بعيداً عن الأهداف الصغرى والكبرى مثل اغتيال كل من بشير الجميل بعد انتخابه رئيساً ومجزرة صبرا وشاتيلا التي أعقبت الاغتيال اثنين من الأحداث التي برهنت على الفشل الإسرائيلي. ومن الآراء التي ينشرها المشاركون الإسرائيليون في أحداث تلك الأيام يتبين من دون ريب أن البعض منهم اعتقد بأن الخطة الإسرائيلية بعد اغتيال الجميل صارت ميؤوس منها فيما اعتقد آخرون بأنها ميؤوس منها بعد مجزرتي صبرا وشاتيلا. لكن هذا الاعتقاد باليأس لم يقد المستوى السياسي الإسرائيلي إلى اتخاذ القرار الحاسم بالعمل على الخروج من «الوحل اللبناني» إلا بعد حوالى 18 عاماً في العام 2000.
ورغم أن الأحداث هذه بذاتها تنطوي على عناوين كبرى لا يمكن الاستهانة بها بعد أن لم تجد في لبنان كثيراً من الرغبة في دراستها واستخلاص العبر منها إلا أن عواقبها تعيد بين الحين والآخر طرح المسائل بقوة في إسرائيل. فاغتيال الجميل شكل في نظر الكثير من الإسرائيليين فرصة لقراءة معنى توقيع اتفاقيات سلام تفرض بالقوة. كما شهد الإسرائيليون خلال أيام كيف تتبدّد أحلام أو أوهام دفعوا مقابلها أثماناً كبيرة بالدم أو العرق. وليس صدفة أن السجال في إسرائيل حول نتائج تلك الحرب لم يتوقف حتى الآن رغم حرب لبنان الثانية وعواقبها.
ففي إسرائيل من يعتقدون أن حرب لبنان الأولى مثلت ميل إسرائيل للتغوّل على جيرانها بعد أن شعرت بالنجاح في تحييد القوة العربية الأولى عبر معاهدة كامب ديفيد مع مصر. وربما أن اجتياح الليطاني العام 1978 مثل «البروفة» الأولى لاختبار هوامش المنظومة الجديدة التي أقامتها الولايات المتحدة في المنطقة بعد كامب ديفيد مثلما مثل قصف المفاعل العراقي العام 1981 «البروفة» الثانية.
ورغم الفشل الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المرسومة من الحرب إلا أن ذلك لم يحُل دون تعزيز النهج العدواني في الأداء الرسمي. ولم يعق ذلك نشوء ظواهر مخالفة سواء داخل إسرائيل أم خارجها. فمجزرة صبرا وشاتيلا قادت إلى تبلور أكبر حركة احتجاج شعبي في تاريخ إسرائيل. ولم تنج إسرائيل في نظر الرأي العام العالمي من المسؤولية عن اقتراف هذه المجزرة رغم تأكيدها بأن مقترفيها كانوا من الانعزاليين اللبنانيين. ويبدو حتى اليوم أن جرائم صبرا وشاتيلا تلاحق إسرائيل في كل المحافل الدولية القانونية والسياسية رغم مرور ما يقرب من ثلاثة عقود عليها. ويراجع إسرائيليون بأسف كيف أن هذه المجزرة لا تزال تخدم حتى اليوم كذخيرة شديدة الفعالية في مساعي نزع الشرعية عن إسرائيل.
وإذا كان الإسرائيليون قد نسوا جريمة صبرا وشاتيلا وقبلوا, هم وكثير من القوى المؤثرة في المنطقة والعالم, أرييل شارون رئيساً للحكومة رغم أن لجنة كاهان التي حققت في الجريمة أوصت بعدم تسليمه البتة مهام وزير الدفاع.
كما أن الجرائم الإسرائيلية في لبنان أسهمت في تعاظم ظاهرة رفض الخدمة العسكرية أو حتى رفض تنفيذ الأوامر كما حدث لقائد لواء على أبواب بيروت المحاصرة. وأسهم الاحتلال الإسرائيلي في لبنان لتبديد منطق «المناطق المدارة» الذي سبق وانتهجته في الضفة والقطاع. وليس صدفة أنه على الأقل في حالتين, الانتفاضة الفلسطينية الأولى والانتفاضة الفلسطينية الثانية, كان التداخل والتفاعل جلياً بين ما يجري في لبنان وفلسطين. فإذا كانت ساحة المقاومة الفلسطينية محاصرة في فلسطين لأسباب معروفة فإن هذه الساحة في لبنان كانت مفتوحة مما خلق فيها عناصر تطوير وإبداع عززت وعمقت أشكال المقاومة في فلسطين.
رغم أنه يُقال في إسرائيل إن حرب لبنان الأولى كانت «حرب خيار» أي ليست حرباً مفروضة على الدولة العبرية إلا أنها مثل كل الحروب شنت بتأييد داخلي واسع. وكذا كان حال حرب لبنان الثانية والحرب على غزة. وفي كل هذه الحروب نشب خلاف لاحق أظهر معنى الفشل وعواقبه. هناك تعابير في الشهادات والمقابلات توجب الاهتمام. فللنجاح آباء كثر أما الفشل فهو على الدوام يتيم.
______________________________________________________________
حرب لبنان الأولى لا تزال تدمي قلبه - يوسي ميلمان - هآرتس 24ـ9ـ2010
عندما التقت نائبة رئيس الموساد السابقة, عليزة ماغين, صدفة بنظيرها ناحيك نبوت قالت له: «رأيت فيلم «فالس مع بشير» وخطرت على بالي». لم تكن ماغين تقصد الإساءة لنبوت, الذي سبق وكان أيضاً نائباً لرئيس الموساد ورئيس شعبة «تيفل», ولكن كوت كلماتها جلده بحديد محمّى.
وماغين, مثل كثيرين في الموساد وخارجه, تربط نبوت بحرب لبنان الأولى. والصورة السلبية لتلك الحرب, التي أسماها الصحافيان زئيف شيف وإيهود يعري بـ«حرب الخداع» في كتاب حمل هذا الاسم, التصقت به. وبحسب هذه الصورة, كانت هذه حرباً لا ضرورة لها, تم إخفاء أهدافها الحقيقية عن الجمهور, وفيها قتل أكثر من 600 جندي إسرائيلي وقادت لذبح المئات من النساء, الأطفال والرجال الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا.
وفي أعقابها تدهورت مكانة إسرائيل العالمية, وغرقت 18 عاماً في الوحل اللبناني. ومنذ العام 1982 ينظر إلى كل من أرييل شارون ونبوت والموساد كمهندسين لتلك الحرب. ويعترف نبوت بأن «كثيرين يظنون أنني وراء تلك الحرب», فقد كان حينها يحتل مكانة مركزية في الاتصالات مع القوات المسيحية في لبنان. «وعندما يتحدثون عن حرب لبنان, للأسف يتذكرونني. هذه الصورة التصقت بي وبالموساد».
وفي وقت قريب من الحوار مع نبوت, ولكن من دون صلة بذلك, تمت دعوة نبوت للقاء مع الموساد. فقد عرض فيلم «فالس مع بشير» أمام مجموعة كبيرة من مستخدمي الموساد وتمّت دعوة نبوت لإلقاء كلمة أمامهم ولعرض تجارب مخرج الفيلم, آري بولمان, في سياق تاريخي أوسع. وكان انفعال نبوت كبيراً لدرجة أنه لم يستطع النطق بكلمة طوال دقائق. ونبوت مقلّ في الحديث للصحافة. وفقط نشر في السنوات الأخيرة عدداً من المقالات في صحف يومية, وأجرى حوارات مع عدد من محطات الإذاعة ومرة واحدة في التلفزيون.
وقبل بضع سنوات أقام الصحافي روني هدار صلة به قبل بضع سنوات وهو سبب ترتيب هذه المقابلة التي ينوي فيها أن ينكشف أكثر لتغيير الصورة التي التصقت به وليثبت أنه لم يكن لا هو ولا الموساد مسؤولين عن تلك الحرب. ويشدد: «لا أطلب من الجمهور غفرانا عن ذنب لم أقترفه. ولكني أسعى هنا لعرض الحقيقة من زاويتي, وهي في نظري الحقيقة الواقعية. فالموساد لم يكن سوى أداة تنفيذ. ودورنا تمثل في تقديم المعلومات الاستخبارية وخلق الصلة مع المسيحيين في لبنان. وهذه السياقات بدأت في الخمسينيات والستينيات كجزء من نظرة سياسية شاملة وضعها دافيد بن غوريون».
ـ إذن من في رأيك يتحمل المسؤولية عن الحرب التي ورطت إسرائيل وكبدتها ضحايا كثيرة؟
«تقع المسؤولية أولا وقبل كل شيء على رئيس الحكومة, مناحيم بيغن, وعلى الحكومة بأسرها, وكذلك على المستوى العسكري في تلك الفترة». ورغم أنه يمتنع عن ذكر أسمائهم، يمكن أن نفهم أنه يقصد رئيس الأركان رفائيل إيتان (رافول), قائد الجبهة الشمالية أفيغدور بن غال (يانوش) وضباط آخرين في هيئة الأركان. ومن مركز تراث بيغن ردوا على ذلك: «لقد آمن بيغن حتى نهاية أيامه بأن اتفاقية إطار السلام التي وقع عليها وشملت كلاً من السلام مع مصر وخطة الحكم الذاتي كانت إنجازاً هاماً لدولة إسرائيل. المؤسف أن أناساً لعبوا أدواراً هامة في الماضي يثيرون لاعتبارات غريبة شكوكاً لا تستند لأي أساس».
ـ لكنك لم تذكر وزير الدفاع, أرييل شارون
«عندما تمّ تعيين شارون وزيراً للدفاع, كانت خطط الحرب جاهزة. لقد أعدّتها هيئة الأركان. باختصار, كل شيء كان معداً وكانوا بانتظار الذريعة لشنّها».
والمقابلة التي أُجريت مع نبوت في بيته الفاره في رمات هشارون, كانت فرصة مرة واحدة وإلى الأبد لمحاولة استيضاح ما قيل في الخامس عشر من أيلول 1982 في بيت عائلة الجميل في بكفيا, غير بعيد عن بيروت. وقد زعمت تقارير صحافية أنه في هذا اللقاء تمّ بلورة التفاهم الذي قاد بعد يوم واحد إلى المجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا. ونبوت شارك في ذلك اللقاء.
وكممثل للموساد رافق أرييل شارون وصديقه الصحافي أوري دان, اللذان طارا إلى بيت عائلة الجميل من أجل تقديم واجب العزاء باسم إسرائيل إثر اغتيال الابن بشير، زعيم «القوات اللبنانية»، أي الكتائب المسيحية. وقد اغتيل الجميل في 14 أيلول 1982, بعد ثلاثة شهور ونصف من غزو الجيش الإسرائيلي للبنان وبعد ثلاثة أسابيع من انتخابه رئيساً للبنان, بانفجار قنبلة شديدة القوة في مقر الكتائب.
وكان المنفذ مسيحياً, عضو في حزب لبناني موالٍ لسوريا, وعلى ما يبدو كان مرسلوه هم الاستخبارات السورية، التي سعت لمنع ترسيم بشير الجميل لمنصب الرئاسة. وبعد يومين من الاغتيال دخلت قوات الجيش الإسرائيلي, التي كانت حتى ذلك الوقت تسيطر على الشق الشرقي من بيروت, إلى الشق الغربي من المدينة أيضاً. وأوكل قادة الجيش الإسرائيلي مهمة تطهير المخيمات من المقاتلين الفلسطينيين إلى قوات الكتائب، التي تأسست في الثلاثينيات على يد بيار الجميل، والد بشير، بتأثير الميليشيات الفاشستية لبنيتو موسوليني في إيطاليا.
ودخل مقاتلو الكتائب إلى صبرا وشاتيلا في ساعات مساء 16 أيلول. وخرجوا من المخيمين في صباح 18 أيلول, بناء على طلب من الجيش الإسرائيلي. حينها فقط تبين أن رجال الكتائب ذبحوا سكان المخيم من دون تمييز. وعدد الضحايا الدقيق غير معلوم. وبحسب التقديرات اغتيل ما بين 700ـ800 شخص. وفي أعقاب المجزرة خرج مئات الآلاف من الإسرائيليين للتظاهر في ميدان ملوك إسرائيل في تل أبيب (وهو الميدان الذي يُسمّى الآن ميدان رابين). وفي تاريخ إسرائيل تعرف هذه التظاهرة بـ«مظاهرة الـ 400 ألف».
وتحت ضغط الرأي العام المحلي والدولي قررت حكومة بيغن تعيين لجنة تحقيق رسمية لاستقصاء المجزرة. وقررت اللجنة برئاسة قاضي المحكمة العليا اسحق كاهان في شباط 1983 أنه لم يكن هناك تورط مباشر للجيش الإسرائيلي في المجزرة. ومع ذلك قررت المحكمة أن شارون هو المسؤول عن تجاهل خطر قيام رجال الكتائب بتنفيذ عمليات انتقامية في المخيمات ثأراً لاغتيال زعيمهم. وفي أعقاب ذلك أوصت اللجنة بأن يُنهي شارون مهام عمله وأن لا يتولى البتة بعد ذلك منصب وزير الدفاع.
وبعد نشر تقرير كاهان, الذي بقيت بعض أجزائه تحت طائلة السرية، نشرت مجلة «تايم» الأميركية مقالة ارتكزت في قسم منها على معلومات نقلها لهيئة التحرير مراسل المجلة في إسرائيل, دودو هاليفي. وفي إحدى فقرات تلك المقالة جاء، أن شارون تحادث مع أبناء عائلة الجميل حول الثأر قبل أن يدخل الجيش الإسرائيلي الكتائب إلى المخيمات الفلسطينية. وقام شارون برفع دعوى افتراء على المجلة. وانتهت المداولات القضائية في الدعوى التي أُقيمت في نيويورك بعد عامين بنتائج مختلطة.
فقد قررت لجنة المحلفين في المحكمة أن الفقرة التي أشار إليها الإدعاء ليست صحيحة وأن فيها ما يمكن أن يعتبر تشهيراً بشارون, لأنه يظهر فيها أنه عندما أمر بإدخال الكتائب للمخيمين كانت لديه النية بأن ينتقم أفرادها لمقتل زعيمهم. وكذلك قررت لجنة المحلفين أن التشهير هنا خطير لأنه جاء في المقالة أن الإشارة للمحادثة في بكفيا تظهر في ملحق سري في تقرير لجنة كاهان. وقد اعترف ممثل مجلة «تايم» في المحكمة أنهم لم يطلعوا على هذا الملحق. ورغم ذلك فإن لجنة المحلفين برأت مجلة «تايم» لأنها تصرفت من منطلقات بريئة ونشرت الوقائع من دون أغراض سيئة وأنه لم تكن لديها أسباب للاعتقاد بأن المعلومات هذه غير صحيحة. ولذلك قررت المحكمة الأميركية أن شارون لا يستحق تعويضاً.
علاقات بإيران
ولد نبوت العام 1931 في هرتسليا لعائلة مزارعين. وعندما كان في الثالثة عشرة من عمره تجند في جهاز استخبارات الهاغاناه, وكصبي طلب منه مراقبة زعماء تنظيم «ليحي» (عصابة شتيرن) واكتشاف أماكنهم السرية. وعند نشوب حرب التحرير (1948) وكان حينها في السادسة عشرة والنصف من عمره التحق بالجيش الإسرائيلي. وخلال وقت قصير ضمّ إلى وحدة العمليات في الاستخبارات, والتي تحوّلت بعد ذلك إلى جهاز الشاباك. وهناك أيضاً كان دوره اكتشاف أعضاء «ليحي» والـ«إيتسل» واعتقالهم, في أعقاب اغتيال الوسيط الدولي الكونت فولكا براندوت وجلب سفينة السلاح «ألتالينا» إلى شاطئ تل أبيب.
وتم إرسال نبوت للبحث عن اسحق شامير, من زعماء ليحي, في بيت في شارع حيسين في تل أبي, لكنه لم يعثر هناك سوى على زوجته شولاميت. وبعد سنوات من ذلك التقى نبوت شامير في مكان عملهما المشترك , في الموساد. وفي العام 1952, في أعقاب التظاهرات العنيفة لأنصار حيروت ومناحيم بيغن, الذين حاولوا مهاجمة الكنيست احتجاجاً على اتفاقية التعويضات مع ألمانيا, تمّ تعيينه الحارس الشخصي الأول لرئيس الحكومة دافيد بن غوريون. وفي العام 1955 انتقل نبوت من الشاباك إلى الموساد, حيث لعب أدواراً عملياتية في شعبة «تسومت» في بريطانيا. وبعد ذلك خدم كسكرتير للجنة الأجهزة الاستخبارية ومساعداً شخصياً لرئيس الموساد مئير عميت.
وقضى نبوت معظم سنوات عمله في الموساد في شعبة «تيفل»، المسؤولة عن النشاط السياسي السري. وأوكلت لهذه الشعبة مهام كثيرة بينها العلاقات مع دول عربية وإسلامية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل, والعلاقات مع تنظيمات وحركات سياسية ومع أجهزة مناظرة في العالم. وفي هذا الإطار كان نبوت ممثل الموساد في إيران الشاه وكان ضالعاً في العام 1972 في الهجرة السرية لمئات اليهود من العراق الذين كان يتمّ تهريبهم من كردستان إلى إيران بمساعدة الأكراد.
وبين العامين 1974 و1977 كان نبوت ممثل الموساد في واشنطن وبعد ذلك تمّ تعيينه رئيساً لشعبة الإدارة في الموساد. وابتداء من العام 1980 قام رئيس الموساد اسحق حوفي بتعيينه رئيساً لشعبة «تيفل» بدلاً من دافيد كمحي, الذي أجبر على الاستقالة بسبب خلافات في الرأي مع حوفي. وفي وقت لاحق تم ترفيع نبوت لمنصب نائب رئيس الموساد. ويقول نبوت لـ«هآرتس» إن «هذا بالتأكيد سوف يفاجئ كثيرين, ولكن الموساد لم يسع للحرب في لبنان, لم يبادر إليها بل واعترض عليها. صحيح أن دافيد كمحي فكر خلاف ذلك, لكن حوفي كان ضد الارتكاز للمسيحيين كأساس للحرب. والذي يسمّي حرب لبنان «حرب الخداع» يقترف إثماً فظيعاً, خصوصاً تجاه عائلات القتلى. ينبغي أن نفهم السيرورات. لقد كان كل شيء معداً للحرب وفقط كانوا ينتظرون سبباً لشنها. وفي نهاية المطاف لا ينبغي أن ننسى أنه في أعقاب هذه الحرب تم طرد منظمة التحرير من لبنان إلى تونس ونتيجة لذلك وافقت المنظمة على دخول المفاوضات السياسية والتوقيع على اتفاقيات أوسلو».
ـ من الذي كان ينتظر؟
«رئيس الحكومة. بيغن هو من قاد إلى الحرب، لأنه كان يعيش في ضائقة كبيرة بعد كامب ديفيد. لقد فهم أن اتفاقية الحكم الذاتي تقود إلى دولة فلسطينية. لذلك فإنه أراد شن الحرب، لضرب منظمة التحرير وللقضاء على الدولة داخل الدولة التي كان الفلسطينيون قد أقاموها في لبنان, على أمل أن ينعكس ذلك على المناطق وأن لا تتحقق فكرة الحكم الذاتي».
ـ غريب أن نسمع أنه لم تكن للموساد أية صلة بالقرارات التي قادت إلى الحرب.
«بديهي أنه كان للموساد صلة بلبنان. لقد كنا نحن المسؤولون عن الصلة مع المسيحيين. وقد بدأت هذه الصلة وفق رؤية بن غوريون الذي تحدّث عن دولة مارونية في الجنوب اللبناني. ومن هنا تطوّرت أيضاً فكرة وجوب مساعدة المسيحيين على المحافظة على وجودهم».
ـ من الصورة التي تعرضها يبدو كما لو أن إسرائيل انطلقت من اعتبارات أخلاقية, وليس من أجل تحقيق ما اعتبرته مصلحة لها.
«من المؤكد أننا انطلقنا من الرغبة في تحقيق مصالحنا السياسية والأمنية, ولكن ينبغي أن نفهم أنه لم يكن للموساد أي تأثير على حرب لبنان. فالموساد كان أداة تنفيذ. لم يكن الموساد من قرر الخطوة السياسية, وهو ليس أداة لتغيير السياسة. وأنا أتذكر, أننا عندما علمنا بمحاولة اغتيال السفير في لندن، شلومو أرغوب (في حزيران 1982, وهي المحاولة التي في أعقابها شنت إسرائيل الحرب)، جلست في مقرّ الموساد مع حوفي ومع رئيس مكتبه يحيعام مارت. وفوراً قلنا، يا للويل، سوف يخرجون للحرب».
ـ أوضح لي مخاوفكم.
«كنا نعرف استحالة الركون إلى المسيحيين. وقد حرصنا على الدوام كتابة ذلك في كل تقديرات الوضع التي قدّمناها للحكومة. وشدّدنا على أن المسيحيين يريدوننا أن نحتل كل لبنان وأن مقاربتهم كانت ترى أننا إذا لم نفعل ذلك فسوف تحدث الكارثة. وكانت مقاربتنا هي أن المسيحيين ليسوا جهة عسكرية يمكن الركون إليها. كما أنني أتذكّر أنه بعد الأسبوع الأول من المعارك, نظر لي رفائيل إيتان بازدراء وقال لي: انظر إلى المسيحيين, أولئك الذين قال حوفي عنهم إنهم لا يساوون شيئاً, وشاهد كيف يعملون جيداً».
ـ ينشأ انطباع من أقوالك أنك تزيح عن الموساد وعنك المسؤولية عما جرى في لبنان.
«إنني لا أزيح أية مسؤولية. ينبغي أن نفهم أن الموساد بذل قصارى جهده للتمكن من تقديم المساعدة للجيش الإسرائيلي لتحقيق خططه في الحرب. لقد كان هذا دورنا: توفير المعلومات الاستخبارية وصيانة الصلة مع المسيحيين. ولكن, كما سلف, فإن الموساد ليس جهة مستقلة وهو يعمل وفق توجيهات الحكومة, من أجل تنفيذ سياستها».
ـ ألم تتصادقوا أكثر من اللازم مع زعماء المسيحيين؟ في الاستخبارات يعلّمون المستخدَم ألا يقع في حب عميله, مصدر معلوماته.
«أنا لا أعرف عن الآخرين، ولكن لا حوفي ولا أنا وقعنا في غرامهم. فهل ينبغي لي أن أبدي أسفاً لأنني كنت صديقاً جيداً للمسيحيين, وأنني عملت معهم كصديق؟ إن هذا بالضبط دور رجل الاستخبارات, خلق العلاقات وكسب ثقة الطرف الثاني. والحقيقة أن علاقاتي مع بشير كانت بالغة السوء. لقد غضب من أقوال قلتها له ولمساعديه, وأننا لا نتطابق في الرأي معهم. وفي إحدى المرات رافقت السفير الإسرائيلي في واشنطن, موشيه أرينس, في رحلة له إلى لبنان, ورفض بشير الجميل مقابلته. وقد اتهمني شخصياً بكل حالات عدم التفاهم التي وقعت».
جسر إلى العالم العربي
وأخرج نبوت من جعبته رسالة, تعتبر في نظره ورقته الرابحة. هذه رسالة سبق له أن أرسلها في 18 أيار 1981 لشموئيل أفيتار، ممثل «تيفل» في لبنان، والذي كان على اتصال وثيق بالقوات المسيحية. وقد كتبت الرسالة في أعقاب ما حدث في زحلة, حيث بادر المسيحيون لفعل أرادوا من خلاله جر إسرائيل إلى حرب شاملة ضد السوريين. فقد هاجمت القوات المسيحية مواقع سورية في منطقة زحلة في لبنان وردّ السوريون بشدة متناهية. وصرخ المسيحيون بأن السوريين يرتكبون مجازر بحقهم ويذبحونهم. وتم إرسال نبوت إلى روما حيث اجتمع إلى المونسيور سيلفرستيني, وزير خارجية الفاتيكان, في محاولة لتجنيده للخروج لمساعدة الموارنة في لبنان.
ويشدد نبوت على أن «إسرائيل استصرخت الفاتيكان والرأي العام العالمي, ولكن خلافاً لتوقعات المسيحيين لم تتدخل عسكرياً. في تلك الفرصة خرجت للقاء في بكفيا وقلت لبشير ولزعماء المسيحيين, بمن في ذلك كبار رجال الدين عندهم: إن المبدأ الذي يوجهنا هو أننا على استعداد للدفاع عمن يستعد للدفاع عن نفسه. وسياستنا هي مساعدتهم بالتدريب وبالسلاح, من أجل أن يدافعوا عن أنفسهم».
ـ وماذا كتبت لشموئيل أفيتار؟
«كتبت له بين أمور مختلفة أنه في الأمور الحاسمة ليس لنا، الموساد، أو على الأقل لي, أي تأثير. كما كتبت له أيضاً أن المسيحيين لا يقولون لنا الحقيقة. لديهم حروبهم ولدينا حروبنا, وهاتان الحربان لا تلتقيان على الدوام في خطوط محدّدة. كما أنني كتبت إليه, وأنا هنا أقتبس: «لا ينبغي لنا أن نصعد على مسار التصادم مع السوريين, لأننا في كل الأحوال سنكون من الخاسرين. ولا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بالتواجد من ناحية وطنية في وضع يغدو فيه جنود ومواطنو إسرائيل يتساءلون من أجل ماذا ينبغي لنا أن نحارب. هذه مأساة ينبغي الحيلولة دون وقوعها».
ـ سيقولون إنك على الأرض عملت خلافاً لذلك.
«ما الذي بوسعي فعله؟ لقد كتبنا، أوضحنا وحذرنا ولعبنا دورنا على أفضل وجه. ما الذي يريدونه مني, أن أقفز من مكتبي في مقر الموساد وانتحر من أجل منع الحرب؟».
ـ ماذا بشأن أرييل شارون ومسؤوليته؟
«شارون صادق على الخطط التي كانت قائمة, والتي أعدت من جانب رفائيل إيتان وبن غال والجيش الإسرائيلي حينما كان مناحيم بيغن رئيساً للحكومة ووزيرا للدفاع. ومع ذلك صحيح أن شارون فكر أنه إذا كنا نخرج إلى حرب على مثل هذا الاتساع وليس إلى عملية محدودة وقصيرة الأمد, فعلينا أن نحقق أيضاً مصلحة سياسية واسعة. ومساهمة شارون تمثلت في أنه منح بعداً سياسياً عميقاً للحرب. إذ أنه أراد, وقال ذلك أيضاً لبيار الجميل, أن يقيم في لبنان حكم موالٍ لإسرائيل. ولكني أيضاً أتذكّر أن بيار الجميل ردّ على شارون أثناء زيارته الأولى للبنان كوزير للدفاع, في كانون الثاني 1982, قائلاً: سيدي الوزير، عليك أن لا تنسى أنه ينبغي علينا أن نكون جسراً إلى العالم العربي».
ـ وهل فهم شارون الكلام؟
«لا أعرف. قال لي مئير عميت ذات مرة أن شارون عبقري في الحرب، لكنه مجرد غرّ في السياسة. وقد تذكّرت كلام عميت عندما سمعت بيار الجميل يردّ على شارون».
ـ ما رأيك في الزعم بأن شارون أراد أن تقود الحرب ليس فقط إلى إقامة حكم موال لإسرائيل في لبنان، وإنما أيضاً إلى أن يهتم هذا الحكم بطرد الفلسطينيين من لبنان، من أجل أن تنشأ في الأردن دولة فلسطينية يمكن أن ينقل إليها فلسطينيون من الضفة؟
«لم أسمع البتة كلاماً كهذا. ومن الجائز أنه كان يفكر على هذا النحو, لكن ليس بوسعي الدخول إلى رأس شارون. صحيح أن شارون وبيغن فكرا بأن الحل لمسألة الفلسطينيين هو في الأردن. وشارون قال ذلك علناً، ولكن بيغن لم يصرح شيئاً بهذا الشأن. وكرئيس لشعبة «تيفل» وصلت لي رسائل أرسلها الملك حسين. وقد سبق له أن اجتمع مع كل زعماء إسرائيل وطلب الاجتماع إلى بيغن لكي يسمع منه جواباً على هذا السؤال, الذي بداهة كان يقلقه جداً. ورفض بيغن الاجتماع إلى حسين كما رفض الردّ على السؤال حول ما إذا كان الأردن هو فلسطين. وعندما عرض واحد من الموساد على بيغن صيغة للردّ, عمد بيغن إلى تجاهلها».
ـ لماذا؟
«لقد أعجبت جداً ببيغن كزعيم, وفي السنوات الأخيرة صرت مشغولاً ومهتماً بقضية الزعامة وأثرها على الأحداث. وكما في الاستخبارات, كذلك في السياسة ثمة وزن هام جداً للبعد الشخصي. لقد تجاهل بيغن خطابات الملك حسين والموساد، لأنه كان شخصاً مستقيماً ونزيهاً ولم يكن يرغب في الكذب على الملك حسين».
سنواصل المساعدة
ـ من فضلك سنعود إلى اغتيال بشير. صف لي تسلسل الأمور من وجهة نظرك.
«كنت في ذلك اليوم في بيروت. أحد رجالي أخبرني أن هناك تقارير تفيد باغتيال بشير. سافرت إلى البناية التي وقع فيها الانفجار. كان الرجال يبحثون عن بشير ولم يكونوا قد عثروا على جثته بعد. التقيت بزاهي البستاني (في الأصل مكتوب زيا بستاني, المترجم) مستشار بشير، الذي قال لي إنهم لم يعثروا على الجثة. وسألني بجدية كاملة: هل اختطفتم جثته؟ وبعد ذلك ذهبت مع زوجته إلى المستشفى وهناك شخصنا الجثة. وقد انزلقت قدمي على سلالم المستشفى وأصبت بشكل طفيف. وفي اليوم التالي وصل شارون ورجاله وبينهم الصحافي خاصته».
ـ أنت تقصد أوري دان؟
«نعم. رافقتهم إلى اللقاء مع زعماء الكتائب في الكرنتينا, معسكر الكتائب في ميناء بيروت. وفي اللقاء, وبقدر ما أتذكر, تحدث شارون معهم حول خطورة الوضع وعن حاجتهم للعمل وعن أننا مستعدون لمواصلة تقديم العون لهم».
ـ ألم تسمع منه أية دعوة للثأر؟
«لا, مطلقاً. وبعد اللقاء ذهبنا إلى بكفيا, للقاء عائلة الجميل. وبقدر ما أتذكر كان في البيت الوالد بيار, شقيقة بشير وكانت راهبة, وأيضاً عدد من أفراد العائلة, أصدقاء ومساعدون. ودخل شارون وصحافيُّه وأنا للاجتماع مع بيار. وكان هذا لقاء عزاء اعتيادي. وقيلت هناك أقوال تقال في لقاءات العزاء. وبديهي أن الأجواء كانت قاسية, وإحساس بأن أمراً فظيعاً ومريعاً قد حدث. وتحدث شارون, والتزمت أنا الصمت, فيما قام الصحافي بتسجيل الكلام, وفي لحظة ما غضبت عليه وألمحت له بوجوب التوقف عن التسجيل. ولكنه واصل التسجيل ولاحقاً قام بالتشهير بي، لأنني وجهت إليه الملاحظة. وقد تحدث شارون أيضا عما ينبغي أن نفعل وأثيرت مسألة من سيأخذ بيده السلطة. وتحدث عن أننا سنواصل تقديم المساعدة لهم».
ـ ولم تسمع كلمة عن الثأر؟
«لا. بعد اللقاء عاد شارون إلى إسرائيل وبقيت أنا في بيروت, وفي اليوم التالي كانت الجنازة, التي شاركت فيها ووقفت إلى جانب بيار».
ـ والدرس الذي استخلصته؟
«أنه في لبنان ستستمر مشكلة إسرائيل وأن الواقع في الشرق الأوسط يخلق بمصالح متغيرة وليس بالعواطف».
______________________________________________________________
فقدتم بشير - شهادة دودو هاليفي -هآرتس 24ـ9ـ2010
يروي دودو هاليفي, وكان حينها مراسل مجلة «تايم» في إسرائيل وبات اليوم رجل أعمال أنه «بعد الساعة الرابعة ظهراً, في الرابع عشر من أيلول، سمعت انفجاراً هائلاً. وكنت أقيم حينها مع عدد من الصحافيين في فندق ألكسندر, الذي كان قريباً جداً من مقر الكتائب. وصعدت الـ 72 درجة التي كانت تفصل بين المبنيين وكنت أول من وصل إلى المبنى. ولسبب ما لم يهرع زملائي الصحافيون للخروج من الفندق. فقد كانوا لا يتأثرون بالانفجارات، وقالوا: «حسناً, إنه انفجار آخر». ولكن المنظر كان قاسياً. فمن الطوابق الثلاثة التي كانت في المبنى لم يبق سوى طابق ونصف. رأيت امرأة بقميص أبيض كان يغدو مع مرور اللحظات أشد احمراراً.
«عالجت المرأة وتلطخ قميصي أيضاً باللون الأحمر. ونقلتها إلى الرصيف. ومن بين الأنقاض كان يزحف أناس مصابون. سألت أحدهم باللغة العربية أين بشير فأشار لي بأن أزحف معه. كل من كان قادراً كان يزحف إلى الخارج. كنا الوحيدين اللذين زحفا نحو الداخل. وصلنا إلى نقطة معينة وقال لي: هنا بشير. رأيت لوحة حجرية كبيرة. فهمت أن بشير دفن تحتها. خرجنا زحفاً إلى الخارج. وقد رأيت ناحيك, والذي هو والموساد في نظري مهندسو هذه الحرب, فقط بعد ساعة. قلت له: لقد خسرتم بشير (نبوت يزعم, رداً على ذلك أنه لا يتذكر لقاء مع هاليفي).
ركضت نحو سيارتي, وسارعت للسفر إلى إسرائيل. في الساعة الثامنة, بعد وقت قصير من وصولي إلى بيتي, اتصل بي أوري دان وقال لي بنبرة هازئة: ماذا تفعل هنا وليس في بيروت؟ قلت له: أوري, اسمع جيداً. لقد خسرتم الحرب. وكان أوري في صدمة. وبعد أن أفاق سمعت ضوضاء على الخط. قال لي أوري: هل تعيد لي ما قلته الآن؟ أجبته: أفهم أنك وضعت شارون على الخط, وكررت أمامه ما قلت. ورويت له ما شاهدت بعينيّ.
«وفي اليوم التالي سافرت جواً إلى بيروت. ووصل إلى هناك أرييل شارون, أوري دان, ممثل الموساد، رئيس شعبة الاستخبارات يهوشع ساغي وعدد من المساعدين. ولاحقتهم وسافرت خلفهم إلى كل لقاءاتهم. في البداية سافروا إلى مقر قيادة الفرقة لإجمال القرارات بأن يدخل الجيش الإسرائيلي ويسيطر على بيروت الغربية. وبعد ذلك التقوا في الكرنتينا بقادة الكتائب. ومن المعلومات التي تلقيتها من مصادر لبنانية, فإن أرييل شارون قال لهم: الفلسطينيون فعلوا ذلك (اغتالوا بشير) وينبغي فعل شيء ما. من هناك سافروا إلى بكفيا, لزيارة عائلة الجميل».
ـ معنى ذلك أنك تواصل الزعم بأن شارون حرّضهم على الانتقام من الفلسطينيين وأن نتيجة ذلك كانت مجزرة صبرا وشاتيلا؟
«لم أزعم أبداً أن شارون حرّض على المجزرة. لم أزعم أبداً أن شارون دفعهم أو حدّد رد فعلهم. زعمت أن شارون الذي كان يعرف ماهية وطبيعة القوات اللبنانية، كان عليه أن يفهم إلى أين تقود أقواله عن المشاركة الفلسطينية. وبقوله لهم إنه من دون رد مناسب على اغتيال بشير ستذهب إلى غياهب النسيان هذه التجربة التاريخية, وأبدى شارون تسامحاً وخفّة تجاه الكتائب رغم معرفته بماضيهم الدمويّ».
ـ ولكن لجنة كاهان قررت أن الكتائب هم من نفذوا المجزرة وأن إسرائيل لم تكن ضالعة فيها. وقد رفضت محكمة أميركية زعم مجلة «تايم» بأن في الملحق السري للجنة كاهان وثيقة تشهد على أن شارون حثهم على الانتقام.
هذا صحيح. إن من ارتكب المجزرة هم رجال الكتائب. وقد أخطأ المحررون في المجلة عندما كتبوا أن في الملحق السري لتقرير اللجنة تعاملاً مع الثأر. لقد كان هذا خطأ المحررين. إنني لم أنقل إليهم مادة حول أمر كهذا. لكني أقف خلف ما نقلته فعلاً إليهم وهو أنه في الأحاديث في الكرنتينا وفي بكفيا قال شارون كلاماً يمكن أن يفهم بروح الانتقام».
________________________________________________________________
يجيدون قتل الفلسطينيين - شهادة يهوشع ساغي - رئيس شعبة الاستخبارات سابقاً - هآرتس 24ـ9ـ2010
«غداة اغتيال بشير ذهبت بالطائرة مع أرييل شارون ومساعديه إلى بيروت. واجتمعنا في المطار مع ناحيك وقلت إنه في أعقاب اغتيال بشير هناك مشكلة حقيقية وإننا فقدنا كل الإنجازات التي كانت لنا في هذه الحرب. وقد صدم ناحيك من أقوالي وحاول إقناع شارون ورجاله بأنني على خطأ، وأن الوضع ليس ميؤوسا منه وأن هناك مستقبلا لعلاقاتنا مع المسيحيين. أنا منذ البداية عارضت الصلة مع المسيحيين. بعد ذلك سافرنا سوية إلى بكفيا وهناك التقينا مع أمين الجميل (شقيق بشير, الذي انتخب مكانه لاحقا رئيسا للبنان). لا أذكر أننا التقينا ببيار الجميل».
ـ هل تذكر أنه في الحديث جرى التطرق لحاجة الكتائب للعمل ضد الفلسطينيين والانتقام منهم؟
«لا. لم يطرح موضوع كهذا في الحديث, ولكن هم أيضاً لم يكونوا بحاجة إلى تشجيعنا. لقد كانوا يقتلون طوال الوقت. أناس مثل سمير جعجع, إيلي حبيقة وكوبرا (روبرت حاتم, قائد وحدة الحماية) يجيدون قتل الفلسطينيين والآخرين من دون أن يقول لهم أحد أن يفعلوا ذلك».
ـ إذن, من الذي سمح لهم بالدخول إلى صبرا وشاتيلا؟
هذا سؤال الـ 64 ألف دولار. الأمر الأصلي للجيش كان يقضي بأن يدخل الجيش الإسرائيلي إلى المخيمات. بدلاً من ذلك هم دخلوا. أنا لا أعرف من الذي غير الأوامر. سئلت عن ذلك في لجنة كاهان ولم يكن عندي جواب. اللجنة سألت لماذا لم تكن هناك معلومات استخبارية عن التغيير في الأوامر. وأجبت بأنني كرئيس لشعبة الاستخبارات مهمتي هي الحصول على معلومات عن أعدائنا وليس عن قواتنا».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018