ارشيف من :أخبار لبنانية
بري: هذه أهداف الفتنة.. وهكذا نواجهها حماية للبنان والمقاومة
عماد مرمل _ "السفير"
عندما قال وليد جنبلاط في حفل وداع السفير الروسي سيرغي بوكين في المختارة جملته الشهيرة «ليت المحكمة لم تكن»، استشاط أحد المتحمسين لـ14آذار غضبا، ولم يمتلك أعصابه بعدما تجاوز جنبلاط برأيه «الخط الاحمر» فقرر مغادرة المكان على عجل. ترك كرسيه وهمّ بالرحيل احتجاجا على ما اعتبره «إهانة سياسية» وجهها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الى قوى 14 آذار عموما وإلى ممثليها في حفل المختارة خصوصا. تدخل أحد سعاة الخير بسرعة، وأقنع «الآذاري» المتحمس والمنفعل بوجوب ضبط النفس وتمرير اللقاء بسلام، وهكذا كان.
لقد أصبح واضحا ان المسافة الفاصلة بين جنبلاط وقوى 14 آذار تتسع أكثر فأكثر وأن رئيس «التقدمي» قرر على ما يبدو الخروج المتدرج من «المنطقة الرمادية»، وصولا الى حسم خياراته حيال المحكمة الدولية والقرار الظني، بشكل لا يحتمل الالتباس والتأويل، مع اقتراب لحظة الخيارات النهائية.
ولئن كان موقف جنبلاط المتطور قد ترك وقعا سيئا لدى أوساط 14 آذار، إلا انه أنعش فريق المعارضة الذي وجد فيه تحصينا للجبهة الداخلية، ورفعا لمنسوب مناعتها في مواجهة مخاطر الفتنة التي يحملها في طياته القرار الاتهامي المرتقب.
ويعتقد المغتبطون بكلام زعيم المختارة ان الأخير يستطيع ان يشكل أحد صمامات الأمان الحيوية لاحتواء ما يُعد للبنان والمقاومة، ذلك أن بإمكانه تأمين التغطية السياسية والدستورية لاي إجراءات «دفاعية» أو «وقائية» قد تُتخذ، عندما يحين أوان المواجهة الفعلية، وهو أعطى من خلال تصويبه على الوظيفة المريبة للمحكمة الدولية إشارة واضحة الى قابليته للسير في هذا الاتجاه.
إلا ان أحد أصدقاء جنبلاط - من المنتمين الى كتلة المستقبل - لا يخفي استغرابه لجنوحه نحو موقف حاد قد يترك شيئا من الدوي، ولكنه بالتأكيد لن يضيف الى صاحبه أي فعالية إضافية، بل لعله سيُضعف دوره في هذه المرحلة المصيرية.
يعتبر هذا «الصديق- اللدود» لأبي تيمور ان هناك فائضا في الاصطفاف حاليا، على ضفتي المواجهة القائمة، وبالتالي لا حاجة الى المزيد منه. المطلوب، برأيه، مدّ ما أمكن من الجسور بين الضفتين المتقابلتين وليس تحطيم ما تبقى منها، فكيف إذا كان الامر يتعلق بوليد جنبلاط الذي يستطيع ان يفعل الكثير على صعيد الوصل والربط، إن أحسن هندسة دوره وصيانته، مستندا الى خطوطه المفتوحة مع السيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري في الداخل، ومع مراكز القرار المتعددة في الخارج.
ويعتقد صاحب هذه القراءة ان أي اندفاعة متسرعة لجنبلاط تجعله يخاطر بأن يخسر «الموقع الوسطي» المقبول من الجميع والذي يتيح له ان يرفد الجهد المبذول لمعالجة الأزمة بقيمة مضافة. وإذ يلفت الانتباه الى انه من المهم ان يظل جنبلاط قادرا على محاورة سعد الحريري انطلاقا من كونه غير مصطف هنا او هناك، يحذر من ان انحيازه الى جانب رافضي المحكمة والقرار الظني يحيله الى مجرد رقم إضافي في لائحة المعترضين عليهما، ولذلك من المهم والضروري ان يبقى جنبلاط الى جانب الرئيس نبيه بري وأن يساعده في المهمة الصعبة التي يقوم بها.
ولكن، اين يقف الرئيس بري هذه الايام، وما هي الاستراتيجية التي يعتمدها في سلوكه السياسي الراهن الذي لا يروي غليل البعض سواء في 8 أو 14آذار؟
يبدو واضحا ان بري مسكون في هذه المرحلة بهاجس الفتنة المذهبية التي لا يخفي قلقه الكبير من مخاطرها وتداعياتها، في حال خرجت من أوكارها وامتلكت زمام المبادرة في الشارع. وتأسيسا على هذا الهاجس، يوحي رئيس المجلس النيابي ان لا حاجة الى المزيد من الصراخ الذي لا طائل منه، ملاحظا ان هناك نقصا في المعابر السياسية المفتوحة يجب سده لإبقاء التواصل قائما ولغة الحوار سائدة، وهو تطوع لتأدية هذا الدور الذي بات يشبه في هذه الظروف النحت في الصخر.
وتحت مظلة إستراتيجية «السهل الممتنع»، يضع بري نفسه على مسافة من المبالغات في 8 و14 آذار، من دون ان يتراجع عن موقعه السياسي المتجذر في انحيازه الى خيار المقاومة.
قبل ايام، استقبل بري في عين التينة السفير الفرنسي دوني بييتون وسمع منه كلاما مشابها لذاك الذي ادلى به لاحقا في مقابلته الصحافية. أبلغ بييتون رئيس المجلس ان لديه ما يطمئنه ويطمئن «حزب الله»، فسأله بري عما يحمله في جعبته مفترضا ان بحوزته فعلا، خبرا سارا، ولكن إذا به يقول له انه طلب لقاء السيد حسن نصر الله ليبلغه ان فرنسا ستستمر في التواصل مع حزب الله إذا وجه القرار الظني الاتهام الى عناصر فيه. خاب أمل بري مما سمعه، واعتبره خطيرا لانه يؤكد ان هناك تسييسا للقرار الظني الذي أصبح الجميع يعرف بمضمونه قبل صدوره، ثم سارع الى تغيير الموضوع، بسؤاله السفير الفرنسي عن برنامج زيارته القريبة الى باريس، متجاهلا بدبلوماسية عرضه المرفوض.
ويتوقف رئيس المجلس بقلق شديد عند رياح الفتنة التي تهب على أرجاء مختلفة من المنطقة. يعرّج على الكويت منتقدا بشدة ذاك الشيخ الذي سبّ إحدى نساء النبي وهو أمر محرم في النص القرآني الذي يلتقي حوله السنة والشيعة، ويمر في البحرين ثم اليمن وما يجري فيهما، ليصل الى العراق الذي انطلق منه هذا المناخ المسموم تحت وطأة الاحتلال، منبها الى ان المطلوب نقل الفتنة الى الداخل اللبناني، بغية إغراق المقاومة في مستنقعها وتهريب المحاولة الجارية لتصفية القضية الفلسطينية، وأنا سأفعل كل ما هو ممكن لحماية لبنان وصون المقاومة وشرفها من هذا الخطر الداهم.
يؤكد بري أنه يعتبر نفسه حليفا لكل من يُشاركه في هذا الهمّ الوطني، ولا يجد حرجا في القول انه قد يضطر أحيانا الى تأجيل البوح بقناعاته إذا كان ذلك يفيد في لجم الفتنة. يحاول البناء على مواقف الحريري الأخيرة من شهود الزور لتطويرها وتوسيع مساحة القواسم المشتركة بين مختلف الأطراف. لا يستعجل إصدار الأحكام المبرمة، متهيبا الكلام عن وصول مساعي المعالجة الى جدار مسدود، ومتحسسا تجاه كل ما يمكن أن يصب الزيت على نار الوضع المأزوم.
وعندما أصدرت الأمانة العامة لـ14 آذار بيانها الأخير الذي غمزت فيه من قناة سوريا عبر انتقاد «القوى المحسوبة عليها»، سارع بري الى الاتصال بالرئيس سعد الحريري، معربا عن انزعاجه مما ورد في البيان، وقائلا له: هل هكذا تتم مواكبة المساعي التي أبذلها لتخفيض حرارة التوتر السياسي، وأين الحكمة في ما صدر عن الامانة العامة؟
فوجئ الحريري بما سمعه من رئيس المجلس، وأجابه بنبرة عكست شعوره بالدهشة: عن أي بيان تتكلم دولة الرئيس؟ أدرك بري ان رئيس الحكومة لم يطلع بعد على مضمونه، فقال له: سأقوم الآن مقام مكتبك الاعلامي.. ثم قرأ على مسمعه ابرز ما تضمنه البيان.
لم يُخف الحريري انزعاجه، وخاطب رئيس المجلس بالقول: لا عليك... أنا سأتولى الامر. وبعد وقت قصير اصدر ممثل تيار المستقبل في الامانة العامة لـ14 آذار مصطفى علوش البيان التوضيحي الذي تبرأ فيه من التعرض لسوريا.
ولأن فتح ملف شهود الزور يفيد في فتح آفاق واسعة امام التحقيق، يشدد بري على وجوب المسارعة في التحقيق مع هؤلاء الشهود، الذين يتم في العادة تشغيلهم من دول وليس من أشخاص. وإذ يشير الى ان هدف المحاسبة ليس تصفية حسابات سياسية او شخصية بل تحصين لبنان ومنع تشويه الحقيقة، يستشهد بالقرآن الكريم في معرض تحذيره من ان شهادة الزور موازية للشرك بالله، وبالتالي فهي جرم خطير لا يمكن التسامح معه.
المصدر: "السفير"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018