ارشيف من :أخبار لبنانية
محاكمة سياسية
سليمان تقي الدين _ "السفير"
في كل هذا الضجيج السياسي هناك مَن يريد أخذ البلد بالقوة من غير حساب لمكوّنات شعبه ولمصالح ناسه وحقهم في الأمن والاستقرار والعدالة والعيش الكريم. الشعور بالقوة والمغالاة فيها من أي مصدر أتى هو خروج عن قواعد العيش المشترك مثلما هو خروج عن منطق الدولة. رضخ معظم اللبنانيين لإدارة الوصاية العربية المشتركة للعسكر والمال عقدين لأنهم كانوا يشترون الأمن كأولوية وطنية بعد تجارب الحرب الأهلية المريرة.
بلاد من دون أمن واستقرار لا مجال فيها لتحقيق وتجسيد قيم أعلى مثل العدالة والوطنية، خاصة إذا كان العنف عبثاً في مجتمع لا ينتظمه ولاء وطني واحد، ولا يتشارك أهله الرغبة في المساواة كمنطلق للعيش معاً.
تحت عنوان التوافق هناك طموحات دفينة للقبض على السلطة والغلبة، لأن «الآخر» في الوطن شيء مختلف بدينه ومذهبه وثقافته وتوجهه السياسي. نريده أن يبقى كذلك لنبرّر بشكل أو بآخر الصراع معه والتسوية معه. انحدرنا من الصراع الطائفي إلى الصراع المذهبي وما زلنا نتحدّث عن الإنجازات الوطنية، مرّة تحت راية الحداثة التي ألبست العجوز الشمطاء ثوب العروس، ومرّة تحت راية المقاومة التي صارت وكأنها مهنة فريق من اللبنانيين لا يتشارك كل الوطن فيها ولا نبحث عن وسائل كفيلة بجعله كذلك. كل طرف سياسي يطرح الصوت على جمهور يجب أن يظلّ أسير قضية واحدة ومعركة واحدة ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، سواء أكانت تحريراً ومقاومة أم عدالة أم إنماءً وإعماراً أم إصلاحاً على الطريقة اللبنانية: قم لأجلس مكانك.
لأن منطقنا السياسي هو هذا المنطق تتعارض القضايا الوطنية والإنسانية إلى حد التناقض الرهيب. نمارس السياسة كأنها عملية تهريب ضخمة لممنوعات عند الفريق الآخر. المقاومة قيمة وطنية والعدالة الحقيقية كذلك، والإصلاح شرط ضروري وملحّ، لكن لا تتعايش هذه العناصر المهمة تحت سقف جمهورية الجمهور فيها مأخوذ إلى مخاوف وأوهام وعصبيات وأحقاد حتى صارت الحياة الوطنية مسلسلاً من النكايات والتزريك ومن المكائد المتبادلة. لقد صار الصراخ السياسي في وسائل الإعلام وسيلة لقتل الحرية. فلم يعد أحد يعرف حدوداً لجمهوره، ولم يعد أحد يدرك أن ما يعلنه يحرّك المشاعر في كل بيت، وأن الكلمة الخبيثة أكثر تأثيراً من صدى السلاح. إذا كنا فعلاً نقاوم الجريمة فهي في سياسات التحريض عليها، على ارتكابها بالعنف المعنوي والمادي الموصوفين بحق استقرار البلد ووحدته وسلامته الوطنية وتقدمه الاجتماعي.
كم نحن بحاجة اليوم لمحاكمة أربعة عقود من الأزمات الساخنة والباردة. «الحقيقة» التي صارت ملهاة للناس تكمن في القراءة السياسية للارتكابات المتمادية بالانقلاب على الميثاق الوطني والدولة، بالتعامل مع العدو والاشتراك معه في جرائم ضد الإنسانية وضد الأمن الوطني، في المجازر الطائفية والنهب المنظم لموارد الدولة ومرافقها والتسلط على حقوق الناس بتزوير القانون أو بسلطة الميليشيا.
كم نحن بحـاجة للبــدء في ملاحقة شهود الزور في محاولة تزوير إرادة البلد عبر المشاركة في القرارات الدولية، والانضمام إلى محور الاجتياح الغربي للمنطقة، والتعاون على محاصرة سوريا والتدخل في شؤونها.
ولنسأل عمّا إذا كان ممكناً طرح شعار العدالة لو نجح الانقلابيون الأوائل في التغيير، وكم من الضحايا كانوا سيدخلونهم في المحرقة الأميركية ـ الإسرائيلية!
لو كنا في دولة قانون لحدثنا بلغته. أما وأن لا أحد من هذا الطاقم السياسي يعنيه القانون فمطلب الناس أن تُحترم عقولها ولا يعتدى على كراماتها ومشاعرها. تطلعوا إلى كل لبنان واللبنانيين فستجدون الحقيقة والعدالة والكرامة الوطنية والإصلاح.
المصدر: "السفير"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018