ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري يوزّع الأدوار والأوهام

الحريري يوزّع الأدوار والأوهام

نادر فوز _ "الاخبار"

سمّى الرئيس سعد الحريري الأزمة الحالية «محاولة انقلاب حزب الله على النظام»، وأعاد تثبيت مواقع حلفائه الأكثريين، مشدداً على أنه لا يزال على الوعد. أما الحلفاء، فانتعشوا مجدّداً مع توتّر الأوضاع، لكنّ قراءاتهم وصلت إلى حدّ الأوهام المستحيلة.

لم يعقد الحلفاء في قوى 14 آذار اجتماعاً موسعاً في الأيام الماضية، بل أوكلت الأمانة العامة لهذا التجمّع الرئيس سعد الحريري مهمّة توزيع الأدوار وتثبيت المواقف. فقام الحريري بالاتصالات والخطوات اللازمة لتعميم القراءة الأكثرية على حلفائه، وذلك من باب التأكيد أنّ الرئيس لا يزال مصراً على ثوابت هذا الفريق، وموجوداً إلى جانب طاقمه. وأعاد الحريري خلال تلك الاتصالات تأكيد الثوابت التي سبق أن أشار إليها خلال اجتماعات كتلة المستقبل، فتحدث عن المحكمة الدولية والسلاح الشرعي وبناء الدولة والعيش المشترك، إضافة إلى تأكيده أنّ «هذه المعركة اسمها محاولة انقلاب حزب الله على النظام»، وأنّ «14 آذار باقية 14 آذار». وكرّر الحريري ما سبق أن قاله في الذكرى الأخيرة لانطلاق «ثورة الأرز»، عن أن الموت وحده يفصله عن حلفائه.

وفي ما يخصّ العلاقات مع سوريا، حاول الرئيس الحريري تصويب موقف حلفائه عبر تأكيده ضرورة إعطاء فرصة لما يقوم به شخصياً على خط التواصل مع دمشق. وطلب الحريري، كما فعل خلال اجتماعه الأخير بكتلته، تحييد سوريا عن المعركة وفصل الملف السوري عن الخصومة مع حزب الله. ويتحدث أحد الأكثريين عن أنّ الحريري نسّق الموقف مع حلفائه الأسبوع الماضي، واتّفق معهم على الصيغة التي خرجت إلى العلن، أي بيان الأمانة العامة الذي حمل عبارة «قوى محسوبة على سوريا»، وما إعلان النائب مصطفى علوش تحفّظ تيار المستقبل عليها سوى نوع من المسرحيّة المعدّة مسبقاً.

وبحسب المتحدث نفسه، سمح هذا الاتفاق للحريري بتحقيق أمرين: من جهة، التنفيس عن حلفائه وجمهوره في ما يخص العلاقة بسوريا، والإيحاء للخصوم ـــــ بمن فيهم سوريا ـــــ بأنه عاجز عن ضبط حلفائه، من جهة أخرى.

وعلى وقع الدعم الحريري، تستمرّ الأمانة العامة لقوى 14 آذار في نقاشاتها وتواصلها مع المعنيين، مع تأكيد الأكثريّين ضرورة متابعة المعركة الحاليّة حتى الرمق الأخير. فيقول منسّق الأمانة العامة، فارس سعيد، إنّ «فريقنا مصرّ على كون المحكمة عامل استقرار لبناء الدولة، وهي جزء من تصحيح العلاقات اللبنانية ـــــ السورية ومناسبة للجلوس على طاولة واحدة مع حزب الله».

لا يرى سعيد وغيره من ممثّلي 14 آذار أنّ الأزمة الحالية تهدّد رؤوسهم ومشروعهم السياسي، ويكررون في مجالسهم أنّ كل ما يشاع من أجواء حرب وتهديد للاستقرار «مجرّد تهويل وتخويف» لن ينجحا في «أكل رأس الناس». وبالتالي، يجد الأكثريون أنّ حزب الله «عاجز عن إسقاط المحكمة»، مستندين في قراءتهم للمرحلة إلى أمرين محتّمين في نظرهم: أولاً، أنّ حزب الله عاجز عن الخروج من الحكومة كما فعل في عام 2006. ثانياً، أنّ الحزب مدرك تماماً أنّه لن يكون في مصلحته افتعال أحدات مشابهة لـ7 أيار 2008. ويرى فريق 14 آذار أنه ليس بين يدي حزب الله أي مهرب إلى الأمام، «ومهما حدث يبقى الخيار الوحيد أمام الحزب هو الجلوس على الطاولة ومناقشة سبل ترقيع العلاقة مع شركائه».

يقدم مسؤولو 14 آذار هذه القراءة «الوردية» في لقاءاتهم ومجالسهم، وهم يتلقّون من الرئيس الحريري تذكيراً بأنّ الاتفاق السعودي ـــــ السوري يحتّم المحافظة على الهدوء في لبنان وعدم السماح بأي انفجار، ما يزيد الأكثريين ثقة بقراءتهم وثبات مشروعهم للمحكمة الدولية. وهم يؤكدون في نقاشاتهم أن التنازلات التي قدّموها في السنتين الماضيتين لم تحصد سوى المزيد من التراجع وخيبات الأمل.

ويحاول الأكثريون اليوم اللعب بين خطّي الاستقرار والفلتان الأمني، وهم يدركون أنّ رسوّ الحال عند أحد هذين الحدّين سيمثّل لهم ضربة قاضية، لكون وجودهم مهدّداً إذا فلتت الأوضاع، أو في حال نسج اتفاق داخلي قد يضطر فيه الرئيس الحريري إلى التخلي عن بعض «الثأريين» الموجودين إلى جانبه.

لكن أكثر ما يثير الاستغراب في مجالس 14 آذار هو قراءة قدّمها البعض عن أوضاع حزب الله الداخلية، إذ رأوا أنّ الحزب مقسوم إلى فريقين: فريق سياسي وأمني مسؤول عن كل ما يجري في البلد وافتعال الأحداث، وفريق جهادي مكلّف بملف العمل العسكري المقاوم لإسرائيل. ويتحدث الأكثريون عن أنّ الفريق الأول يتعاطى الشؤون السياسية بتفاصيلها وزواريبها وأوساخها، فيما الفريق الثاني نظيف الكفّ وكرّس نفسه للدفاع عن الأرض ومحاربة العدو. ومن هذه القراءة لتقسيم الأجنحة داخل حزب الله، ينتقل عدد من الأكثريين للقول إنّ المحكمة الدولية والقرار الاتهامي المنتظر صدوره سيؤثران على هذه التركيبة الداخلية، ويدفعان نحو انتفاضة الجناح النظيف على الجناح الآخر.

هذه القراءة «البسيطة» تحوّلت إلى اقتناع لدى كثيرين من حلفاء الرئيس سعد الحريري، حتى إنّ المرجع الأمني الأبرز المحسوب على 14 آذار كرّر هذا السيناريو في مجالسه الخاصة. وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان الوهم الذي عاش فيه الأكثريون قبل سنة، إذ اعتقدوا أنّ سوريا ستتخلّى عن حزب الله وإيران مقابل الانفتاح على الشام الذي باشره الرئيس الأميركي باراك أوباما، لدى وصوله إلى البيت الأبيض مطلع عام 2009. فيكون الأكثريون بذلك يتمسّكون بحبال هواء لن تفتح أمامهم سوى المزيد من الغرف السوداء.



المصدر: "الاخبار"



2010-09-28