ارشيف من :أخبار لبنانية

المستقبل: أخطبوط بلا أرجل

المستقبل: أخطبوط بلا أرجل

نادر فوز - صحيفة الاخبار

لا يرغب الفريق المحيط بالرئيس سعد الحريري، أو الممسكون بالملف الإعلامي في تيار «المستقبل»، في الحديث عن أوضاع وسائل الإعلام التي يدعمونها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ويكتفي المعنيون بالملف الإعلامي بالقول «كل شيء يسير على طبيعته»، قبل أن يتبنّوا بحماسة ما تنشره وسائلهم غير آبهين بصفة الحزبية «لأننا معنيون بالدرجة الأولى بما يصبّ في مصلحة الرئيس سعد الحريري وتياره».

يعيش الموظفون في المؤسسات الإعلامية المستقبليّة مرحلة هبوط تام، أكان على صعيد الإنتاج العملي أو على صعيد البدل المادي. تتخطى أرقام النفقات في قطاع الإعلام ثلاثة ملايين دولار شهرياً، بالإضافة الى مظاريف ورقية توزع أسبوعياً على الصحافيين. في فترة التوافق الداخلي التي امتدّت ما يقارب السنة، لم يكن الحريري بحاجة إلى الأخطبوط الإعلامي الذي يملكه لتسيير الحملات وتسويق المشاريع والأفكار. ومع الاستغناء عن البروباغندا التي كانت ناشطة بين 2005 و2008 وعند الاستحقاقات الانتخابية، بدأ الجفاف يضرب الخزينة الحريرية المخصصة للمؤسسات الإعلامية. وترافق هذا الأمر مع انطباع يكرره إعلاميون مخضرمون عايشوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومفاده أن الحريري الابن يتعامل مع القطاع الإعلامي بصفته مؤسسات تبغي الربح المادي.

ويلاحظ هؤلاء أنّه لا فرق في هذا السياق بين ما هو مستقبلي وما هو حليف للمستقبل. إذ إنّ اهتمام الحريري بالمؤسسات الإعلامية الموجودة إلى جانب التيار هبط هو الآخر، وكأنّ الطرفين يمثّلان كتلة واحدة. وهو عكس النمط الذي كرّسه والده خلال فترة حضوره على الساحة الداخلية. فقد كان رفيق الحريري يتابع شخصياً الصحف ونشرات الأخبار، وخصوصاً تلفزيون «المستقبل» والصحيفة. وكان يتصل شخصياً بالعاملين في المؤسستين، يستوضح خبراً أو يعلّق على آخر، كما اتصل أكثر من مرة ليصحّح أخطاءً لغوية. ولم يكن هذا التدخل الشخصي بالعمل اليومي يثير حفيظة العاملين في «المستقبل»، إذ شعر الموظفون بأنّ التواصل موجود مع رئيسهم ورئيس حكومتهم، وأنّ الأخير يتابع ويدقق ويستمع إلى ما يقدّمون للناس.

كان رفيق الحريري يجتمع أيضاً بشكل شبه دوري مع العاملين في مؤسساته الإعلامية، لمناقشة أوضاع البلد والمؤسسة. فيعبّر الزملاء عن آرائهم ليعود الرئيس ويفتح النقاش «ونسمع ملاحظاته وتوجيهه». وللتذكير فقط، فإنه يوم إطلاق الصاروخين على مبنى تلفزيون «المستقبل» في الروشة، في 15 حزيران 2003، حضر الرئيس الحريري إلى المحطة وجلس مع العاملين فيها وتحدث إليهم طويلاً، واعداً باتخاذ الإجراءات اللازمة.

يتشبّث الموظفون بهذه الذكريات، مستغربين أداء الرئيس سعد الحريري وأسلوبه في التعامل مع مؤسساته الإعلامية الخاصة. فالحريري الابن لا يتابع، وأوكل المهمة كاملة الى الفريق المحيط به. ومع أنّ مكتب الحريري الابن في قريطم كان يحوي ثماني شاشات لمتابعة أبرز المحطات المحلية والفضائية، لم يُنقَل عن أيٍّ من زوّار هذا المكتب أنّ الحريري أوقف مرة حديثاً أو نقاشاً لمتابعة برنامج ما أو الاستماع إلى خبر.

التواصل بين سعد الحريري وموظّفيه يجري اليوم عبر مستشاره الإعلامي، هاني حمود، الذي زرع بدوره في كل مؤسسة مسؤولاً ينقل إليه أخبار المؤسسة وأحوالها وأوضاع العاملين فيها. وأكثر ما يزعج الموظفين هو أنهم يعرفون رأي هاني حمود والإدارة عبر تصرفات زملائهم، إذ تحجب إداراتهم عنهم أيضاً الملاحظات والتوجيهات.
ويكتفي سعد الحريري بالجلوس مع فريقه الضيّق، وإن حدث أن التقى الصحافيّين في «المستقبل»، يكون ذلك على موائد الطعام، فيما يجلس غالباً مع صحافيين من غير «المستقبل» ضمن جلسات خاصة يعدّها المستشار هاني حمود. وعلى عكس ما فعل والده، لم يزر سعد الحريري مبنى صحيفة «المستقبل» بعدما سقطت وأحرقت بعض مكاتبها في 9 أيار 2008، ولم يتفقّد الخراب الذي لحق بمبنى «أخبار المستقبل» في اليوم نفسه. وسجلت له زيارة وحيدة لـ«أخبار المستقبل» ليلة انتهاء الانتخابات البلدية الأخيرة، وكانت زيارةً سريعة وباردة لم يلتقِ الحريري خلالها الموظفين الذين يخدمون بكدّ في مؤسّسته منذ سنوات، وينفّذون ما يطلبه هاني حمود.

هاني الأمير

يمسك هاني حمود بالإيقاع الإعلامي وبكل ما يتعلّق بصورة سعد الحريري في الإعلام، وهو يُعدّ الآمر الناهي الإعلامي في «المستقبل». واللافت أنّ رتبة مستشار في «المستقبل» تخوّل حاملها إدارة قطاع بكامله. فحمّود مسؤول عن توجيه المنسّق الإعلامي العام للتيار، أيمن جزيني، علماً بأنّ الأخير معيّن من قبل المكتب السياسي لتيار المستقبل.

وعن دور حمود، يتحدث الملمّون بالشؤون الإعلامية المستقبليّة أنّ المهمّة الأساسية للمستشار هي تنسيق الحملات والمواقف بين وسائل الإعلام التي تدور في فلك التيار. وبات معروفاً عن حمود الجلسات المسائية التي يعدّها، أحياناً بوجود الرئيس الحريري، والتي يوزّع خلالها المهمات على الموجودين من إعلاميين وصحافيين... وحتى بعض السياسيين.

يعيش هاني حمود أميراً في المملكة الإعلامية الحريرية، وهو يستمدّ قوّته من الثقة التي منحه إياها سعد الحريري الذي وجد في حمود، عند وصوله إلى قريطم، وجهاً شبابياً يفهم في التركيبات السياسية والإعلامية، وشخصاً راكم الخبرات منذ أيّام والده. وحمود كان قد وصل الى «المستقبل» عام 1998، وصادف وصوله خروج الرئيس الحريري من الحكم وقيام حكومة الرئيس سليم الحص. فساعدت الظروف حمود الذي قاد الحملات الإعلامية على السلطة، ذلك أن هذه الحملات «الحمودية» هي من الأسس التي ساهمت في النجاح الانتخابي والسياسي التام للرئيس رفيق الحريري في انتخابات 2000، حين قلب الموازين والتشكيلات رأساً على عقب.

مواقع وأشخاص

يمسك حمود إذاً بإعلام «المستقبل» وغيره من المؤسسات التابعة والحليفة. والأهم في الفترة الماضية كان التركيز المستقبلي على دعم الصحافة الإلكترونية، حيث برز العديد من المواقع بتمويل مباشر من «المستقبل». وليس غريباً أن تكون مكاتب الموقع الإلكتروني لـ14 آذار، www.14march.org، في مبنى «المستقبل» في سبيرز، المؤلف من عشر طبقات. ولم يعد جديداً ذكر الدعم الذي قدمه التيار لموقع «ناو ليبانون»، www.nowlebanon.com ، الذي تحوّل مديره السابق عقاب صقر إلى أحد أكثر النواب ثأريّةً في كتلة «المستقبل». والأهم أنّ هذا الموقع يمرّ في الأزمة المالية نفسها التي تمرّ بها مجموعة «المستقبل» الإعلامية، بما يؤكد أنّ مصدر التمويل هو نفسه. ويضاف إلى سلسلة المواقع الإلكترونية، الموقع الذي يديره من باريس الزميل فارس خشان، www.youkal.net، بعدما أُبعِد الأخير عن شاشة «المستقبل» كما عن صفحات الجريدة.

ومن العوامل التي ساعدت فريق الحريري في السيطرة على الإعلام، توسّع جدول الرواتب لدى إدارة المال الإعلامي في التيار. فيؤكد المطلعون وجود ازدواجية لدى معظم الصحافيين الذين يدورون في فلك «المستقبل»، ما سمح بالامتداد صوب بقية المؤسسات الإعلامية. والكل يتذكر كيف أنّ الأمين العام المنتخب، أحمد الحريري، أطلّ في الانتخابات الفرعية والبلدية الأخيرتين على شاشات محسوبة على المعارضة أكثر من شاشات الأكثرية. وحاول أحمد الحريري تجديد هذه العلاقة بالصحافيين عبر دعوته جميع مراسلي الصحف في المناطق إلى لقاءات ثنائية. وناقش معهم أوضاع هذه المناطق وهواجس أهلها، متّخذاً موقع الحريص على إنمائها والاهتمام بتفاصيل الحياة فيها.

كذلك يتحدث المطلعون عن أنّ انتقال الزميل راشد فايد من قطاع الإعلام إلى المكتب السياسي في التيار، له دلالاته. فليس هناك من يؤمن بأنّ المكتب السياسي يتيح المساهمة في نسج السياسة «المستقبليّة»، بحسب المطّلعين أنفسهم، ما يجعل الخطوة إبعاداً لفايد أكثر منها ترقية، علماً بأنّ فايد أُرسل أخيراً أكثر من مرة الى سوريا للقاء عدد من المسؤولين، رغم أنه كان هو من عمّم شخصياً على العاملين في تلفزيونَي المستقبل استخدام عبارة الرئيس السوري «بشار أسد» بدل «الأسد»، موحياً لموظّفيه بأن هذا التعديل يؤذي الرئيس السوري.


المستقبل الإخباريّة

في قناة «أخبار المستقبل» يتحدث الزملاء في «الإخبارية» عن إدارة نديم المنلا لمؤسستهم، مشيرين إلى أنه يدير المحطة من مكتبه في شركة «إنماء» العقارية الموجودة في مبنى مقابل لموقع «المستقبل الحمراء». ويسجّلون عليه الكثير من الملاحظات، متمنّين لو يتداركها الرئيس سعد الحريري أو من هم إلى جانبه في القطاع الإعلامي. ففيما الأزمة المالية مستشرية في «الإخبارية»، والرواتب لم تسدّد بعد للموظّفين غير الثابتين، تنتشر على ألسُن العاملين روايات حول بذخ مديرهم. وأكثر الملاحظات «فقعاً» على المدير هي العلاقة التي تربطه بشركة «فايرهورس» للإنتاج، وهي الشركة التي تبيع البرامج التلفزيونية للمستقبل. فاللافت أنّ هذه الشركة تستخدم معدّات التلفزيون وتقنياته لتعود وتبيع البرامج للتلفزيون، بما يعني تقليص نفقات الشركة والحصول على الأموال من المستقبل. كذلك استقدامه زميلة جديدة براتب يقارب 4 أضعاف رواتب زملائها الذين لم يتقاض معظمهم منذ أشهر أي بدل عن البرامج التي يقدمونها.
يفتح الحديث عن نديم المنلا شهية الزملاء المستقبليين للإشارة إلى الصراع بينه وبين أرملة الرئيس المغدور رفيق الحريري، نازك، التي تميز بين القناتين الزرقاء (تملكها العائلة مجتمعة) والحمراء (يملكها سعد وحده). وترى نازك الكثير من التجاوزات في عمل المنلا، وحاولت أكثر من مرة لفت نظر العائلة إلى هذه الشوائب دون أن يتّخذ أحد خطوات صارمة، ما دفعها إلى القول إنه «بعدما أصبح سمير حمود مديراً للقناة الزرقاء، عمد سعد الحريري إلى فتح الإخبارية ليمسك بها المنلا».
من الواضح أنّ الخلافات العائليّة ليست بعيدة عمّا يحصل في إعلام المستقبل، ما يجعل الإمبراطوريّة الإعلاميّة لسعد الحريري أخطبوطاً بلا أرجل.


2010-09-29