ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري وسط شطرنج دولي ـ إقليمي

الحريري وسط شطرنج دولي ـ إقليمي

ادمون صعب ـ "السفير"


تكاد المعركة السياسية على المحكمة الدولية وتمويلها، تتحول الى معركة حول السيادة والاستقلال والقرار الحر، الشعارات التي رفعتها «ثورة الأرز» في 14 آذار 2005، كمبرر لتحركها بعد مرور شهر على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي ظنّها ان خروج الجيش السوري من لبنان (الذي تحقق في الشهر التالي: 26 نيسان)، سيشكل انتصاراً لهذه «الثورة».

إلا ان هذه الثورة ما لبثت ان تنكّرت لشعاراتها عندما تخلّت عن السيادة لمصلحة الأمم المتحدة، وأجازت لـ«حكومة الثورة» برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، ان تنتهك الدستور وتتجاوز القوانين، بتنازلها عن صلاحياتها لمصلحة مجلس الأمن الدولي الذي أنشأ محكمة خاصة بلبنان لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، وسائر المتهمين في هذه الجريمة، بموجب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي يطبَّق على الدول التي تفقد سيادتها.

وبدا ان موقف الرئيس سعد الحريري من موضوع القرار الظني، ثم من المحكمة وتمويلها، مرتبط بمشروع اسقاط السيادة عن لبنان منذ تهريب قرار إنشاء المحكمة حتى صدور أحكام الإدانة، وأن الكلام المتكرر الذي قيل حول استحالة استرجاع لبنان للمحكمة لأنها أصبحت مستقلة عنه، واستطراداً حول امكان إلغائها، هو إقرار بوجود خطة أو مشروع توسّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري لتحقيق أهداف سياسية تتعارض ومصلحة لبنان. إذ بعد فشل القرار 1559 في تجريد المقاومة من سلاحها، جرى توجيه الاتهام في الجريمة الى عضد المقاومة الأساسي، أي سوريا. وهو الاتهام الذي لن ينجو منه الحزب، الذي بتضامنه الأكيد مع دمشق، ورفضه إلصاق تهمة الاغتيال بقيادتها، بعد تحييد إسرائيل عن هذه الجريمة وتبرئتها سلفاً منها، واستبعاد أي احتمال آخر بما فيه الأصولي الذي استنتجه المحقق سيرج برامرتس.

كذلك، كشفت مواقف الرئيس الحريري التي بدا انها منسّقة بعناية مع بعض العرب ومع «أبَوات» قرار المحكمة في الخارج، انه والسعوديين مطلعون على مضمون القرار. من هنا، عدم استعدادهم للتراجع أو التشكيك في امكان تسييس المحكمة، لأنها أنشئت أساساً لهذا الغرض، رغم اقتناع مرجعيات أساسية في البلاد بهذا الأمر، من الرئيس ميشال سليمان، الى الرئيس نبيه بري، فرئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط، إضافة الى المقاومة وقادة المعارضة.
ولم يرُق الرئيسَ الحريري قولُ الرئيس سليمان من نيويورك «ان احتدام السجال حول المحكمة يعود الى طريقة معالجة موضوع الضباط الأربعة، والتسريبات حول ما يمكن ان ينتظر المحكمة، ما ضعّف من مصداقيتها»، عارضاً مخرجاً على الحريري من مأزق المحكمة لتستعيد مصداقيتها «بابتعادها عن التسييس، والتحقيق في كل الاحتمالات المطروحة (...)، وبهذا الشكل تصبح محكمة تبحث عن الحقيقة لا عن الاتهام السياسي».

ومرة جديدة، أثبت الحريري انه على علم بما تفبركه المحكمة، من خلال شهود الزور ومن يقف وراءهم في الداخل والخارج. إذ بدلاً من ان يتصل بالرئيس سليمان مستوضحاً، ومتفقاً معه على لقاء قريب بعد عودته من المكسيك، لاطلاعه على ما أُبلغ به حول مضمون القرار الظني، وخصوصاً، بعدما قال الرئيس سليمان متحسراً، وربما شاعراً بالمهانة: «أنا رئيس الجمهورية لم يعطني أحد تاريخاً لصدور القرار الظني ومضمونه، لذلك كل الكلام هو من باب الشائعات»، إذ بدلاً من هذا الاتصال، كلف الرئيس الحريري أحد أعضاء كتلته النيابية الرد على الرئيس في هذا الشأن!

وكانت أوساط قريبة من الحريري أكدت أمس لـ«السفير» ان «الالتزام بالمحكمة الدولية يشكّل ثابتة نهائية بالنسبة الى رئيس الحكومة، وانه ليس وارداً بالنسبة إليه التنازل عنها والمساومة عليها حتى في المنام».
ان المعركة الوهمية حول تمويل المحكمة، لا يمكن ان تحجب المخرج الذي قدمه الرئيس سليمان الى الرئيس الحريري من أجل استعادة المحكمة مصداقيتها، بعدما حُكم عليها بفقدان المصداقية عن طريق التسييس.

فهل يملك الرئيس سعد الحريري حرية انقاذ السيادة والاستقرار، بالاصغاء الى الرئيس سليمان، إذا لم ترُقه مواقف بري وجنبلاط ونصر الله، ومن حولهم؟
أم انه مجرد بيدق فوق رقعة شطرنج دولية ـ إقليمية، من ضمنها إسرائيل؟

2010-09-30