ارشيف من :أخبار لبنانية

التحقيق اللبناني إن بدأ .. هل يرجئ القرار الظني؟

التحقيق اللبناني إن بدأ .. هل يرجئ القرار الظني؟

نبيل هيثم ـ السفير

في بيانه الأخير اواخر الشهر الماضي، قال مدعي عام المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار إنه لن يصدر قراره الظني في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري «الا اذا اقتنع بأن قراره يستند الى أدلة قاطعة، وذلك في ضوء الظروف كافة. كما انه لا يمكن إتمام هذه العملية إلا بالاستناد الى ملف كامل».
الحكومة اللبنانية على عتبة التصدي لملف شهود الزور بالاستناد الى التقرير الذي سيرفعه وزير العدل ابراهيم نجار، في أول جلسة يترأسها رئيس الجمهورية، وقد يضع فيه، كما هو متداول، خلاصات واضحة تؤكد اختصاص القضاء اللبناني النظر في ملف شهود الزور. إن ذلك من شأنه أن يطرح السؤال التالي: لنفترض ان مجلس الوزراء اللبناني اخذ بتلك الخلاصات، وأن القضاء اللبناني اقر بناء عليها باختصاصه وصلاحيته وأمسك بملف شهود الزور لملاحقتهم ومحاكمتهم، فهل من شأن ذلك ان يؤثر على التحقيق الدولي؟

بمعنى اوضح هل سيتأثر بيلمار بما يقوم به القضاء اللبناني، وهل سيتجاهله ويعتبر ان التحقيق الدولي غير معني بذلك ويمضي في التحضير لإصدار قراره الظني بناء على مساره الحالي ووفق المؤشرات التي سبق وأعلن عنها؟ ام انه سيعيره اهتماماً أكيداً يوجب تأجيلاً جدياً للقرار الظني في انتظار النتائج التي ستتأتى من التحقيق اللبناني، فيبني على الشيء مقتضاه؟

في تقدير مرجع قانوني، إن قول بيلمار بأنه سيأخذ كل الظروف في الاعتبار يجعله ملزما ادبيا على الاقل بانتظار ما قد يؤول اليه تحقيق القضاء اللبناني الذي سيبحث في تحديد الجناة، اي شهود الزور، وتحديد هوية المحرضين، وسيحاول الوقوف على الاهداف والمقاصد من وراء التحريض، ولماذا اعطوا شهادات الزور، ومن حرّكهم ولأية غايات او مقاصد. كل ذلك سيجيب عليه تحقيق القضاء اللبناني الذي يفترض ان يجري بصورة حيادية ومستقلة ومن خلال قضاة مميزين بنزاهتهم، وبالتالي فإن من شأن تحقيق كهذا ان يفتح آفاقاً للتحقيق الدولي قد يكون هو غافلا عنها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، والكلام للمرجع القانوني، قد يبيّن التحقيق ان قوى داخلية او خارجية معينة حركت شهود الزور بهدف إخفاء معالم الجريمة، أليس معنى ذلك ان هناك افقا معيّنا او معطيات او مؤشرات او قرائن توجب ان يتصدى لها المدعي العام الدولي قبل اصدار قراره؟

والجواب، كما يقول المرجع القانوني هو «حتماً نعم». واذا كان بيلمار قال انه سوف يأخذ جميع الظروف بعين الاعتبار، فكيف له ان يتنكر للقضاء اللبناني الذي ينظر بشهادة زور تمهيداً لكشف المحرض والمقاصد، بما يعطي إضاءة جديدة تنير التحقيق الدولي، وتؤدي به بالحد الادنى الى سلوك ما كان يجب سلوكه منذ البداية، اي الالتزام بمبدأ شمولية التحقيق الذي لا يستبعد اي طريق يؤدي الى الحقيقة؟ ومع هذا الالتزام من المؤكد ان التحقيق الدولي سوف ينتظر النتائج التي ستتأتى من تحقيق القضاء اللبناني.
وبصرف النظر عما اذا كان التحقيقان الدولي واللبناني (إن بدأ في ملف شهود الزور) مترابطين او متلازمين وغير متناقضين، فإن ما يوجب على التحقيق الدولي الانتظار، في رأي المرجع القانوني، هو سبب رئيسي وحاسم بأن القضاء الدولي ما يزال في مرحلة التحقيق ولم يصدر القرار الظني بعد، وما قد يجري مع شهود الزور، اذا ما وضع القضاء اللبناني يده على ملفهم، هو مرحلة تحقيقية تكميلية. ويضيف ان ما يقوم به في ملف شهود الزور، هو مهمة تكميلية اساسية من شأنها ان تعطي اضاءات قوية جداً للتحقيق وقد تتأتى عنها تبدلات جذرية في مسار التحقيق وفي مسار القرار الظني.
يعوّل المرجع القانوني كثيراً على تحقيق القضاء اللبناني النزيه والمستقل، في الوقت الذي تطرح فيه المحكمة علامة استفهام كبرى إن لناحية قيامها بداية بصورة غير دستورية، او لناحية مصداقيتها المشكوك فيها او لناحية تسييسها الواضح او لناحية عدم استقلاليتها على اعتبار ان مرجعها هو مجلس الامن الدولي، او لناحية اتخاذها اداة على الصعيد الاقليمي والدولي بخلفية اهداف اميركية اسرائيلية (تنبؤات غابي اشكينازي بأن لبنان قد يشهد توترا في ايلول نتيجة القرارات الصادرة عن المحكمة).

وفي اعتقاد المرجع القانوني انه في مقدور القضاء اللبناني ان يخلق مانعا وكابحا لكل تلك الحملة الدولية، اذ ان التحقيق اللبناني قد ينطلق في الملف وصولا في البداية الى كشف شهود الزور، ومن هم وراءهم، ما يعني ان الباب قد يفتح على ما هو ابعد وربما الوصول الى القاتل الحقيقي، ما يعني الاطاحة بأي قرار ظني مهما كان مضمونه. هذا الامر يلقي الكرة جديا في ملعب القضاء اللبناني، ليباشر، بمعزل عن اي موقف قد يصدر عن مجلس الوزراء بناء على تقرير نجار، في تحقيق جدي لكشف الحقيقة ويؤكد العدالة.

ويؤكد المرجع القانوني ان في امكان الحكومة وبرئاسة رئيسها سعد الحريري، اذا ما قررت وضع الملف على مائدة التحقيق القضائي، ان تتبع ذلك بالتوجه الى المجتمع الدولي والى مدعي عام المحكمة الدولية، طالبة مواكبة التحقيق اللبناني وارجاء صدور القرار الاتهامي الى حين انتهاء التحقيق.

الا ان السؤال هنا: ماذا لو تجاهل بيلمار التحقيق القضائي اللبناني، واستبقه بإصدار قراره الظني بمعزل عن النتائج التي سيصل اليها هذا التحقيق؟
بحسب المرجع القانوني، فإن خطوة كهذه، تنم عن تسرع كبير من قبل المدعي العام، وعن حرق مراحل واختزال كل مرحلة التحقيق، وعن عدم مهنية وحرفية، وعن شبهة كبرى خلفه وهدف أكيد لإيقاع لبنان في فتنة، تم رسم خيوطها في الفتنة الاولى التي تمثلت بالالتفاف على الآلية الدستورية لبناء المحكمة واختزلت صلاحية رئيس الجمهورية، كما اختزلت صلاحية مجلس النواب.

ماذا لو استمر القضاء اللبناني في التحقيق بملف شهود الزور بعد صدور القرار الاتهامي، ووصل الى حقائق واضحة تنسف كل ما بني عليه قرار بيلمار؟
ان هذا الاحتمال، يقول المرجع القانوني، قوي، وساعتئذ تجوز الرحمة على المحكمة والتحقيق وبيلمار.. وطبعا القرار.

2010-09-30