ارشيف من :أخبار لبنانية
خريف المفاجآت يقترب... والتحول الجنبلاطي قيد الاختبار
سامي كليب - صحيفة السفير
لم تفهم بعض الأطراف اللبنانية الإشارات والتلميحات بشأن المحكمة الدولية والعلاقة الوطيدة بين المقاومة ودمشق، فقرر وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن يقول صراحة موقف بلاده المحذر من «اغراق لبنان في جولة جديدة من العنف الطائفي» لو صدرت اتهامات لحزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري. وأكد بحزم واضح ان سوريا ستعارض أي جهود دولية لاصدار مثل هذه الاتهامات.
وإذ يُحسب لوليد جنبلاط التقاطه قبل غيره عددا من هذه الاشارات والتحولات، فإنه حتى الآن ـ وفق مصادر مقربة من دمشق - لم «يترجم الاقوال الى افعال»، ولعل المحك الاساس سيكون من خلال موقفه ودوره في ملف تمويل المحكمة الدولية.
ويسعى الوزير غازي العريضي لسحب بعض الضباب من خلال اتصالات قليلها معلن، وكثيرها في الظل، للتأكيد أن التحول الجنبلاطي جدي وليس لتمرير الوقت. لكن الثقة بحاجة الى وقت اطول، والى ترجمات فعلية.
وكانت الإشارات قد تعددت، لكن التقاطها عز على كثير من القوى الباقية في مناخ 14 آذار، وهي بدأت بالتصريحات الاولى للسيد حسن نصر الله، ثم بمؤتمره الصحافي الذي كشف فيه معلومات أمنية حول احتمال تورط اسرائيل، ثم بالهجمات الكلامية المتلاحقة التي شنتها قوى المعارضة، وخصوصا المقربة من سوريا، لكن التجاوب معها بقي في معظمه سلبيا، باستثناء بعض تصريحات رئيس الحكومة سعد الحريري، التي سرعان ما كان يناقضها المناخ العام في تيار المستقبل ونوابه.
هنا بالضبط يتمحور سؤال محوري كبير في الوقت الراهن: هل ان شيئا تغير بين التحولات الكبرى لوليد جنبلاط وما يجري اليوم، أو بمعنى أوضح: هل ان قوى غربية وعربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ضغطت على الحريري وفريق 14 آذار للتروي في الانفتاح على سوريا، والتروي في التجاوب مع مطالب حزب الله بشأن شهود الزور، وبعدم التنازل مطلقا عن المحكمة الدولية، بانتظار حدث ما في المنطقة؟
ربما نعم، وهذا ما يفسر تركيز هجوم المعارضة حاليا على شخص الحريري، ذلك أنه مطالب قبل غيره بتنفيذ وعوده العلنية وغير العلنية بأنه سيعمل على نزع فتيل أي فتنة، او بمعنى آخر أن يعمل لايجاد حل لائق يخرج لبنان من دوامة المحكمة. وفي ذلك صلب التأزم، اذ إن الحريري هو ولي الدم، وبالتالي فكل خطوة سيقوم بها تحمل الكثير من الخطر.
وهذا ما يفسر أيضا التصعيد المستمر ضد المعارضة وحزب الله من قبل سمير جعجع وبعض اقطاب اليمين، برغم ان اوساطا لبنانية قريبة من دمشق تؤكد أن الرجل لا يشكل خطرا فعليا، وإنما قد يثير زوابع بين وقت وآخر، ذلك أن «عناصر ضبطه عندما يحين الوقت موجودة بأكثر مما يعتقد».
لقد بات واضحا ان المطلوب الآن هو نزع المحكمة من أيادي المجتمع الدولي، واعادتها في أفضل الاحوال الى القضاء اللبناني، او تجميد عملها حفاظا على السلم المدني، وهذه مسألة بحاجة الى توافق دقيق أو تغير المعادلة برمتها.
وحين يتحدث وليد المعلم صراحة عن هذا الأمر، فإنما يتزامن ذلك مع شبكة الأمان التي أقامتها سوريا حول دورها في المنطقة، برغم الضغوط المصرية المباشرة ضد هذا الدور، وما قد يكون خلف الضغوط من مؤثرات دولية.
يكفي أن ينظر المرء الى توافد معظم الاطراف والقوائم العراقية الى دمشق وتوافقها على الاشادة بالدور السوري، وبوقوفه على مسافة واحدة من مختلف الاطراف، كي يفهم أن التنسيق السوري الايراني بات صمام أمان للعراق، وأن سوريا تلعب الدور الأبرز في هذه التسويات.
وسوريا المدركة حتمية فشل المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الحالية، تسعى قدر الامكان لشيء من الحياد، بل تؤكد على لسان وليد العلم من نيويورك انها مستعدة لاستئناف المفاوضات عبر الوسيط التركي، وترمي مسؤولية كل ما يحصل على اسرائيل. والمعروف أنه لو أرادت سوريا افشال المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الحالية لنجحت الى حد بعيد، لكن موقفها الحالي مهم وسط السعي الاميركي (عبر زيارة جورج ميتشل) والاوروبي (من خلال زيارات عدة، بينها تلك التي قام بها المبعوث الفرنسي جان كلود كوسران) لاستئناف مناخ السلام على أكثر من مسار.
صحيح أن العلاقات الاميركية السورية لا تزال ضبابية رغم الخطوط المفتوحة، لكن حاجة واشنطن الى دمشق واضحة في أكثر من ملف. وسوريا المحافظة على علاقات قوية مع ايران، ليست بصدد التضحية بأي من الاوراق التي تملكها لأن فيها مكمن الكثير من قوتها الحالية.
ومن المؤكد أن وصول سوريا الى هذه الدرجة من الصراحة التي عبر عنها وليد المعلم في التعاطي مع الملف اللبناني، يعني بوضوح أن الامور بلغت حد الخط الأحمر، ومن غير المقبول السماح لأي طرف محلي او عربي أو دولي باللعب على خط الفتنة الداخلية. .
يبدو ان الحريري الذي سارع الى التقاط الاشارة السورية الجديدة، فأكد على أولوية العلاقة مع سوريا، سمع نصائح سعودية كثيرة في الآونة الاخيرة بضرورة الابقاء على العلاقة الجيدة مع دمشق. لكن شأنه كشأن وليد جنبلاط ، بحيث إن المطلوب في الوقت الراهن هو الإقدام على خطوة تاريخية بشأن المحكمة وليس مجرد الكلام. هذا ما يقوله بعض العارفين بتطور المواقف الاقليمية، ولا بد من لقاء حاسم بين الحريري والسيد نصر الله للاتفاق على ملف شهود الزور وما بعده.
ماذا لو لم يحصل ذلك؟
يبدو ان الخريف سيحمل مفاجآت، قد يظهر بعضها قبيل او بالتزامن مع زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان، أو مباشرة بعدها، ذلك أن لبنان عاد مجددا، بفضل زعمائه، ساحة لصراعات كثيرة مفتوحة على أكثر من احتمال. وإسرائيل التي تتفنن في اذلال المفاوض الفلسطيني ومن يدعمه من العرب، ستكون بحاجة للنظر مجددا صوب الشمال. أما المفاجآت الصغيرة على شكل توترات واشتباكات متقطعة هنا وهناك على الاراضي اللبنانية وبين اللبنانيين، فلم تعد مستبعدة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018