ارشيف من :أخبار لبنانية

هل يحاكم سياسيونا "مخلفات المحكمة"؟

هل يحاكم سياسيونا "مخلفات المحكمة"؟

أحمد زين، السفير

من المسلمات القول ان جميع اللبنانيين يتمسكون بكشف ثالث جريمة اغتيال لرئيس للوزراء لبلدهم. وتفترض هذه القناعة بالضرورة أن يكون اللجوء الى الصيغ القانونية لكشف الجريمة موضع اجماع او شبه اجماع لبناني. ومن حيث المبدأ يصبح الاعتراف بأي صيغة قانونية تلقى على عاتقها مسؤولية كشف الجريمة واجبة وهذا ما تمثل حتى اليوم بما عرف بـ"المحكمة الدولية".

ولكن هذا "الكيان القانوني" الذي تكرس مع نشأة المحكمة ترك وراءه تداعيات وممارسات وعلامات استفهام كبيرة لا يمكن تجاهلها. ومن أبرز ما خلفته المحكمة حتى اليوم قانونية نشأتها، شهود الزور، المسلمات التي توصل إليها محققوها وعادوا عن تورطهم فيها، عملية التمويل...

ان إثارة هذه العناوين سياسياً ولأي سبب كان لا يمكن أن يعني من قريب او بعيد رفض إناطة كشف الجريمة الكبرى بأي محكمة ومنها المحكمة الدولية. فهذه العناوين، وغيرها ربما، لم تأت من فراغ وتحديداً من الذين يثيرون التساؤلات اليوم، إنما هي من صنع هذا الكيان الذي وصف بالقانوني، فلو لم تقدم المحكمة على مثل تلك الممارسات لما استطاع من يطرح التساؤلات اليوم إثارتها.

ويبدو واضحاً ان هذه الحرب السياسية التي تزداد استعاراً باتت تهيئ البلد الى حالة من "العبث بالسلم الأهلي" الذي قد يكون ممهداً للعبث "بالسلم غير الأهلي"، وهذا أمر خطير جداً لكونه سيكون مفتوح الأفق على كل الاحتمالات. وذلك يتطلب القبول بـ"كلمة سواء" بين المتحاربين الذين يزيتون أسلحتهم حتى الآن من على المنابر وشاشات التلفزة وصفحات الجرائد.

ان مناقشة هذه المسألة لا تخضع لحكم مسبق يقول إنها ستكون في مصلحة جهة ضد جهة او "جبهة" ضد "جبهة"، فعندما يخضع النقاش والبحث والتداول للعقل والمنطق والقانون والأعراف والمصلحة الوطنية العليا التي تبقى فوق كل اعتبار يكون الحل سهلاً، وفي هذا المجال يمكن أن تتركز المناقشة حول العناوين التي باتت تشكل وقوداً للحرب السياسية، ومنها: هل إنشاء المحكمة الدولية يكتسب الطبيعة القانونية الصحيحة، خصوصاً على ضوء المادة 52 من الدستور ورسالة رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الى الأمانة العامة للأمم المتحدة بشأنها والفقرة ـ أ ـ من المادة 95 من الدستور والبند ـ ي ـ من مقدمته؟ نحن لا نقول بعدم القانونية فإذا كان بين أيدينا نصوص دستورية فقد يكون بيد جهة اخرى نصوص واجتهادات تسقط مفاعيل تلك النصوص. ويبقى الحكم النهائي في هذا للمناقشة والبحث والاحتكام لأصحاب الاختصاص الحياديين.

ومن مخلفات المحكمة ما عرف بشهود الزور. هؤلاء اعترفوا على رؤوس الاشهاد بالشهادات الكاذبة التي بنيت على أساسها افعال وتدابير أضرت الى حدود بعيدة بقيادات أمنية وسياسية. ويؤكد الجميع اليوم ومن دون استثناء بالكذب الفاقع الذي اقدم عليه هؤلاء الشهود. فهل يمكن عدم مساءلة هؤلاء لماذا كذبوا على المحققين؟
 
وهل يمكن ان يكون التنازع على الاختصاص بين محكمة دولية والقضاء الوطني سبيلاً لهؤلاء لعدم مساءلتهم؟ ان قيادات وطنية اصابها الضرر الفادح من تلك الشهادات، وبصرف النظر عن كل شيء أليس من صلاحية القضاء حماية القيادات الوطنية من شهادات المزورين من دون طلب من احد انما بتحرك النيابات العامة لدرء الاخطار التي كانت محتملة من جراء ذلك؟

أما تمويل المحكمة الدولية فيتعدى المسألة المالية وإلقاء عبء دفع عشرات ملايين الدولارات على الخزينة اللبنانية سنوياً، فالملايين تذهب وتأتي من دون قطع حساب ومن لم يمت بالسيف مات بغيره. فالقضية هنا ترتبط بالتساؤل الاول المتعلق بقانونية نشأة المحكمة. فإقرار المساهمة قانوناً يشرّع النشأة وهناك من يطرح تساؤلات حول ذلك. لهذا فإن مسألة المساهمة في التمويل تصبح بحكم غير الموجودة إذا ما اتفق على قانونية إنشاء المحكمة.

لهذا فإن الحرب السياسية القائمة اليوم حول المحكمة لا علاقة لها بحرص أكثرية اللبنانيين الساحقة على كشف حقيقة من اغتال رئيس وزراء لبنان. فاللبنانيون يريدون الحقيقة ويتمسكون بها بشدة وفي مقدمتهم اولئك الذين يثيرون التساؤلات، فالوصول الى الحقيقة لا يمكن ان يكون إلا عبر الممر الصحيح وعندما يحصل عبر طرق ملتوية وملتبسة ينتج بالضرورة جريمة ثانية، فهل يمنع سياسيونا تصنيع الجرائم من الجرائم؟


2010-10-02