ارشيف من :أخبار لبنانية

جنبلاط هنا وهناك... وليس هنا ولا هناك

جنبلاط هنا وهناك... وليس هنا ولا هناك

نقولا ناصيف، الأخبار

من دون جنبلاط تفقد قوى 14 آذار فرصة الحصول على الأكثرية المطلقة (مروان طحطح)الصورة الظاهرة والمعلنة عن النائب وليد جنبلاط أنه هنا وهناك، وأيضاً لا هنا ولا هناك. والشاطر يفهم. ولأنه كذلك، تلاقي قوى 8 و14 آذار صعوبة في تقبّله، وصعوبة مماثلة في عدم القدرة على التخلي عنه. وهكذا يكون على صورة كمال جنبلاط

أين يقف رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في المعادلة الحادة، الراهنة، بين قوى 8 و14 آذار؟

لا يضع واقع النزاع القائم بشأن المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري أحداً، اليوم، في موقع الوسط بين الفريقين المعنيين. رئيس الجمهورية ميشال سليمان سيجد من الإرباك والإحراج ما يجعله، في خاتمة المطاف، يدرك أن الدور التوافقي الذي لا يزال يحافظ عليه، منذ انتخابه قبل عامين وأربعة أشهر، بات عبئاً عليه وعلى المعادلة في استحقاق دقيق وحاسم كالمحكمة الدولية، وملفيها الملازمين، القرار الاتهامي وشهود الزور.

بل يكفي أن يدفع انخراط دمشق في صلب مواجهة المحكمة والقرار الظني الأفرقاء الآخرين، الحلفاء والخصوم، كي يخرجوا من موقع الحياد والوسط.
هذا الاستحقاق يواجهه أيضاً الزعيم الدرزي، وقد يكون أمام امتحانه في مشروعي قانوني موازنتي عامي 2010 و2011 إذا دُعي مجلسا النواب والوزراء إلى التصويت عليهما. إلى الآن، تضع سخونة الجدل كلّاً من الموازنتين أمام خيار موصد الأبواب تماماً:

ـــــ لن تخرج موازنة 2011 من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب، سواء علّق البحث فيها بسبب بند تمويل لبنان حصته للسنة الثالثة في موازنة المحكمة الدولية، أو طُرح مشروع القانون على التصويت. وهو في الحال الأخيرة لن يحوز ثلثي مجلس الوزراء بسبب استخدام المعارضة سلاح الثلث +1 بانضمام الوزير عدنان السيد حسين إلى صفوفها. وكان قد عُقد منتصف هذا الأسبوع اجتماع بين مسؤولين معارضين والوزير الشيعي في حصة رئيس الجمهورية، واتفق على ضمّ صوته إلى وزراء المعارضة الـ10 كي يرتفع العدد إلى النصاب المعطّل، وهو 11 صوتاً، عند طرح موازنة 2011، ببند تمويل المحكمة، على التصويت.

ـــــ لن تدخل موازنة 2010 إلى الهيئة العامة للبرلمان للتصويت عليها، سواء بعدم دعوة رئيس المجلس نبيه برّي الهيئة العامة إلى الالتئام، تحت وطأة حدّة الخلاف على إدراج بند تمويل السنة الثانية من حصة لبنان في موازنة المحكمة، أو بانعقادها من دون إيصال مشروع القانون إلى التصويت عليه، أو في أحسن الأحوال طرحه على التصويت وتعذّر حصوله على أصوات الأكثرية المطلقة لإقراره.

في هذين الخيارين، يبدو السؤال الحتمي: ابحثوا عن جنبلاط!

إلى الآن، في علاقته المتنامية مع دمشق، تتجاذب جنبلاط المعطيات الآتية:

1 ـــــ أنه في الوقت الحاضر أكثر الزعماء اللبنانيين استقراراً إلى قاعدته الشعبية وموقعه وخياراته السياسية في معادلة الصراع، وإن كبّده هذا الاستقرار أثماناً باهظة، من دون أن يكون مهدّداً من أي فريق: لا هو كحزب الله يهدّده القرار الاتهامي، ولا كرئيس الحكومة سعد الحريري وتيّار المستقبل يهدّدهما حزب الله بأحد انتحارين: الاستقرار على أنقاض القرار الاتهامي والمحكمة الدولية والاستمرار في السلطة، أو المحكمة.

2 ـــــ التزم جنبلاط مع القيادة السورية تطبيق كل البنود التي كان قد ناقشها إبان مقابلته الأخيرة للرئيس بشّار الأسد في 4 آب الماضي. في ذلك اللقاء، ثم في الاجتماعات الأخرى التي عقدها مع مسؤولين سوريين، وُضعت روزنامة بالمواقف التي ينبغي للزعيم الدرزي اتخاذها. وهكذا التزم مواعيدها. في سلسلة مواقف قالها من أسبوع إلى آخر، ربط المحكمة الدولية أولاً بالفتنة، ثم ربطها بالقرار 1559، ثم طالب بمحاسبة شهود الزور، ثم أطلق المفاجأة الأحدث، وهي أن المحكمة «ليتها لم تكن». قدّم بذلك الدليل تلو الدليل على أنه في موقع الخيارات الاستراتيجية لسوريا وحزب الله.

3 ـــــ لم تطلب القيادة السورية من جنبلاط، حتى الآن، موقفاً نهائياً من موقعه في كل من الغالبيتين الحكومية والنيابية. وهو بدوره لم يعطِ الموقف. كان يكتفي بالقول إنه لا يزال في الغالبية التي يتزعمها الحريري، من غير أن يعيد ربط علاقته بسائر أفرقاء الغالبية، وهم قوى 14 آذار بممثليها المسيحيين الحزبيين والمستقلين. في الجلستين الأخيرتين لمجلس الوزراء، كان رهان الغالبية على أن جنبلاط سيقف إلى جانبها عند التصويت على موازنة 2011، وكذلك سيفعل نوابه في مجلس النواب عند التصويت على موازنة 2010. وفي الجلسة ما قبل الأخيرة لمجلس الوزراء، ميّز الوزير أكرم شهيب بين ما سمّاه الاقتراع التقني على بند تمويل الموازنة والموقف السياسي، وقال بتصويت مجلس الوزراء على تسديد لبنان حصته، مع تأكيد حذره من تسييس المحكمة عبر قرار اتهامي يوجه إلى أعضاء في حزب الله تهمة اغتيال الحريري.

لم يهضم وزراء المعارضة الاقتراح، وتمسّكوا برفض إدراج هذا البند في مشروع الموازنة العامة وإسقاطه عند التصويت. فحوى موقف وزراء جنبلاط أن التصويت على التمويل لا يسقط التحفظ عن المحكمة، كذلك فإن إلغاء القرار الاتهامي والمحكمة لا يكون بوقف التمويل.

وهكذا تعوّل الموالاة على وزراء الزعيم الدرزي الثلاثة، مع تعويل محتمل على وزراء رئيس الجمهورية للحصول على 20 صوتاً في مجلس الوزراء تمثّل غالبية الثلثين.

بدورها المعارضة تعوّل على وزراء جنبلاط. بل في واقع الأمر يكفل مسؤول سوري رفيع هذا الدور لجنبلاط في ضوء روزنامة العمل المتبادلة بينه وبين دمشق التي تُنفَّذ بنودها كاملة يوماً بعد آخر، تأكيداً لمتانة التحالف الاستراتيجي بين الزعيم الدرزي والقيادة السورية. على طرف نقيض منه، تشكو دمشق عدم التزام رئيس الحكومة للتعهّدات التي كان قد قطعها لها في الحوارات التي أجراها مع الرئيس السوري، على امتداد لقاءاتهما الخمسة منذ كانون الأول الماضي، وتكاد تقع في 17 تعهّداً في سياق حوار الرجلين، دُعي الحريري إلى اتخاذ مواقف صريحة منها، بينها ما يتعلق بترسيم الحدود، وما يتعلق بوسائل الإعلام التابعة للحريري التي تتخذ مواقف سلبية من سوريا والمقاومة، وأيضاً ما يتعلق بمعاونيه، إضافة إلى الموقف من العلاقة مع رئيس الهيئة التفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع.

من كل هذه، برّ رئيس الحكومة حتى الآن بواحد من هذه السلسلة، هو ما أعلنه من اعتذار عن الاتهام السياسي لسوريا باغتيال والده واعترافه بشهود الزور، في صحيفة «الشرق الأوسط» 6 أيلول المنصرم.

4 ـــــ يقف جنبلاط اليوم بين حدّين:

أولهما، علاقته بالحريري غير القابلة للتفكك، وهو يميّزه تماماً عن قوى 14 آذار التي سقطت من حسابه السياسي. وخلافاً للحريري، لا ينظر إليه جنبلاط على أنه جزء لا يتجزأ من قوى 14 آذار، بل ابن رفيق الحريري ووارثه في السلطة وفي زعامة الشارع السني. لذا يرسل جنبلاط طمأنات دورية للحريري إلى بقائه في الغالبيتين الوزارية والحكومية. تبعاً لذلك، لا يزال سيد المختارة قادراً على التمييز بين الحزب التقدّمي الاشتراكي واللقاء الديموقراطي، في بعض المواضيع والملفات السياسية التي تحتّم حاجة الحريري وحزب الله إلى قوته وتأييده لكل منهما.

وزراء الحزب ونوابه ـــــ باستثناء النائب مروان حمادة ـــــ أكثر التصاقاً بخيار تحالفه مع سوريا وحزب الله، فيما نواب اللقاء الديموقراطي الموزّعون على كتلتي الشوف وعاليه يبدون أكثر التصاقاً بقوى 14 آذار.

من دون جنبلاط، تفقد قوى 14 آذار فرصة الحصول على الأكثرية المطلقة (16 صوتاً) وأكثرية الثلثين (20 صوتاً)، ومعه تمسك قوى 8 آذار بالثلث +1 (11 صوتاً).

ثانيهما، توجسّه من القرار الاتهامي دون أن يتخلى كلياً عن المحكمة الدولية. حتى في الموقف الأعلى نبرة منها في المختارة الأحد الماضي، تخوّف جنبلاط من التهديد الذي يمثله القرار الاتهامي على الاستقرار، واحتمال تسببه بانفجار شيعي ـــــ سنّي في لبنان. وبذلك اقترب من سوريا التي بنت رفضها المحكمة على طعنها في عمل لجنة التحقيق الدولية وتقاريرها التي أدّت إلى اتهام دمشق، ثم تبدو الآن مستعدة لتوجيه الاتهام إلى حزب الله تبعاً لما تتوقعه سوريا والحزب من القرار الاتهامي.

لكن جنبلاط يختلف عن دمشق بتمييزه بين القرار الظني والمحكمة، الأمر الذي ترفضه دمشق؛ إذ ترى أنّ كليهما ينطوي على تسييس فادح مثلما قال وزير الخارجية وليد المعلم قبل أيام.

بالتأكيد يُوجّه جنبلاط إلى المحكمة الدولية ضربات بمطرقة ثقيلة. بيد أنه يثقل الضربات أكثر إذا صوّت وزراؤه ونوابه ـــــ وحسم التباس الموقع بين هنا وهناك ـــــ ضد بند تمويل المحكمة في موازنتي 2010 و2011.

2010-10-02