ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق تزيل الغشاوة... لرؤية أوضح

دمشق تزيل الغشاوة... لرؤية أوضح
ابراهيم الأمين - صحيفة الاخبار

المؤشرات سلبية على واقع العلاقة بين السعودية وسوريا. ليس ملف لبنان هو الأزمة، ولا عنوانها الحقيقي. بل المشكلة المستجدّة في العراق هي التي تمثّل الآن العقدة المركزية في العلاقة بين الطرفين، وخصوصاً أنّ الرياض تتصرّف كأنّها تعرّضت لخدعة ثلاثية من الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وسوريا، وأنّ هذه الدول، إضافةً الى فريق الأكراد في العراق نفسه، أخذت بوجهة النظر الإيرانية التي تدعو إلى إبقاء نوري المالكي بما يمثّله شخصياً وسياسياً في موقع الحاكم الفعلي في العراق، والعمل على إلزام إياد علاوي السير بالاتفاق مع جائزة ترضية له هي تفكيك كتلته وأخذ حصة كبيرة من نوابها السنة باتجاه الانخراط في التسوية، التي دفعت التحالف الشيعي إلى تسمية المالكي مرشحاً لرئاسة الحكومة.

ومع أن معركة تأليف الحكومة في العراق لن تكون أسهل من معركة تكليف المرشح لرئاستها، فإنّ مبدأ توزيع الحصص بين المتحالفين من شأنه فتح باب التسويات أكثر من باب الصدامات، وخصوصاً أنّ المطالب الخارجية من الحكومة العتيدة واضحة ومقبولة من جانب جميع اللاعبين دون استثناء. فبخلاف كل ما يشاع، فإنّ كلّ الذين ترشّحوا لتولّي رئاسة الحكومة سبق أن عرضوا خدماتهم على كل الأطراف الخارجية صاحبة الدور.

لكنّ السعودية كانت تأمل موقفاً سورياً يعاند التسوية التي بدأت بين الأميركيين والإيرانيين. وحقيقة أن دمشق سارت بالتسوية، أعطت السعودية انطباعاً قوياً بأنّ كل رهان على خلاف بين طهران ودمشق، وكلّ محاولة للتباعد بينهما، هو جهد في الهواء لا طائل أو نتيجة منه. وهذا يعني أن السعودية باتت الآن أمام استحقاق لا مقابل له، وهو المتعلق بالوضع في لبنان، والعنوان هو المحكمة الدولية.

ويبدو أن الزيارة الأخيرة للأمير عبد العزيز بن عبد الله إلى دمشق قبل بضعة أيام، لم تؤدّ إلى تقدم أو حلحلة في العقد القائمة، عراقياً أو لبنانياً، فيما التباين يزداد بما خصّ ملفّ المفاوضات بين إسرائيل وسلطة محمود عباس، إذ توافق السعودية على المسار القائم وعلى توفير الدعم لمفاوض السلطة الفلسطينية.
حتى الآن، يبدو فريق السعودية ـــــ ولا سيما الرئيس سعد الحريري ـــــ في موقع المتشدد. وهذا ما يعكس نقصاً كبيراً في التفاهم بين دمشق والرياض، فيما تشير الاتصالات والمواقف الأجنبية إلى فشل كل المساعي ـــــ بمعزل عن حقيقتها ـــــ التي جرت بعد قمة بيروت السورية ـــــ السعودية ـــــ اللبنانية من أجل إدخال تعديل على مسار عمل فريق المدعي العام في المحكمة الدولية. بل على العكس، فإن الإشارات الواردة تفيد العكس:

أولاً: إبلاغ الولايات المتحدة بلسان وزيرة الخارجية فيها الرئيس ميشال سليمان أنها سوف تظل داعمة لمسار المحكمة كما هو قائم. وقد حثّت الرئيس سليمان على عدم السير في اتجاه معاكس إن كان هو معنياً باستمرار دعم واشنطن له.

ثانياً: إبلاغ الحريري معاونيه وحلفائه أنه ليس بصدد تقديم أي تنازل في ملف المحكمة، وتولّي المقرّبين منه، سياسيين وأمنيين وإعلاميين، الحديث عن تورّط حزب اللّه، وعن قرب صدور القرار الاتهامي وخلاف ذلك من الإشارات السلبية.

ثالثاً: تنامي النشاط السياسي والتعبوي والأمني من جانب مجموعات أمنية لبنانية وعربية وأجنبية في لبنان، وذلك في مناطق تخضع لنفوذ تيار المستقبل وقوى 14 آذار، والتركيز على بناء هيكليّة أمنية ـــــ عسكرية تكون جاهزة لمواجهة أي صدام محتمل على غرار 7 أيار.

رابعاً: محاولة حصر ملف شهود الزور في إطار إجرائي شكلي، لا يقود إلى أي نتائج. ومحاولة الاكتفاء بما سبق أن أعلنه الرئيس الحريري في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، وترك أمر تقرير وزير العدل إبراهيم نجار في إطار إجرائي وروتيني من النوع الذي لا يقود إلى خطوات عملية. وأخيراً، إغراق الملف بهجمة من جانب فريق 14 آذار بغية إشاعة أجواء عن وجود شهود زور من فبركة فريق 8 آذار وحلفاء سوريا.


في المقابل، لا يبدو فريق 8 آذار ومعه سوريا في وارد التراجع عن العناوين التي وُضعت على طاولة الملاحقة السياسية في الدولة وخارجها. وهناك مؤشرات على أن هذا الفريق في صدد ممارسة المزيد من الضغوط داخل الحكومة لانتزاع المزيد من الخطوات الهادفة إلى تحقيق نتائج عملية، سواء في ملف شهود الزور أو في ملف تعطيل القرار الاتهامي المرتقب عن المحكمة الدولية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى رفع مستوى التحفظ والتشكيك في الفريق الأمني والقضائي المحسوب على رئيس الحكومة وفريق 14 آذار بقصد إبعاده عن مواقعه الحالية.

ووسط التحليلات الخاصة بموقف سوريا والكلام المتناقض عن موقف دمشق من السجالات القائمة محلياً، فإن العاصمة السورية أعطت من يهمه الأمر الإشارات المباشرة الأوضح من خلال صدور مذكرات التوقيف أمس بحق لائحة قضاة وأمنيين وسياسيين وإعلاميين من فريق الحريري، وكذلك من خلال رسائل وصلت إلى «المتردّدين» مثل الرئيس نبيه بري أو النائب وليد جنبلاط حيال ضرورة الانتقال من مربع الوسطية إلى مربع القرار المدافع عن المقاومة، بالأفعال كما بالأقوال.

كل ذلك يعني أن البلاد سوف تدخل أسبوعاً جديداً من التوتر، وإن كان في فريق 14 آذار من يريد أخذه باتجاه التشويش على زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لبيروت الأسبوع المقبل.

2010-10-04