ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق تضيق ذرعاً بازدواجية الحريري: انتهى زمن الدلال

دمشق تضيق ذرعاً بازدواجية الحريري: انتهى زمن الدلال

عماد مرمل - صحيفة السفير

من المؤكد ان مذكرات التوقيف الغيابية الصادرة عن القضاء السوري بحق 33 شخصية مقربة في غالبيتها من الرئيس سعد الحريري، تنطوي على حيثياث قضائية واعتبارات قانونية تتيح، لمن يشاء، ان يضع الإجراء السوري في إطار تقني محض، وأن يدافع عنه او ينتقده، تبعا للقواعد التي يتم تلقينها للطلاب في كلية الحقوق.

إلا ان النصف الآخر من الحقيقة، والذي سيكون من السذاجة تجاوزه، هو أن مذكرات التوقيف «تفيض» بالدلالات السياسية، في لحظة شديدة التعقيد.
وأغلب الظن أن هذه المذكرات ستحقق ما عجزت عنه الزيارات الخمس للرئيس الحريري الى دمشق على مدى عشرة شهور. خلال تلك المحطات، كان الأسد يحاول بتهذيب وصبر ان يشرح لرئيس الحكومة رؤية دمشق للقضايا الساخنة، ولا سيما تلك المتصلة بملف المحكمة الدولية وإفرازاته من شهود الزور الى القرار الظني، ملمحا أمامه الى الخطوات التي ينتظرها منه لتفعيل العلاقة الثنائية، وتطويرها من الجانب الشخصي الى الجانب السياسي.

ولكن بدا أن الحريري كان يعمل على «موجة أخرى»، مفترضا ان هناك إمكانية لاستمالة سوريا الى جانبه على حساب «حزب الله»، أو أقله الاستمرار حتى إشعار آخر في تطبيق نظرية تحييد دمشق والهجوم على الحزب. اعتقد رئيس الحكومة ان القيادة السورية حصلت على مبتغاها بعد تبرئتها من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبالتالي فهي لن تجازف بالتفريط في صك البراءة الممنوح لها لا سيما انه يحمل توقيعي السعودية بما تمثله من وزن إقليمي وسعد الحريري بما يرمز اليه كولي للدم.

ولعل «صدمة» مذكرات التوقيف ستساعد الحريري على قراءة أفضل للعقل السوري ولاستراتيجية الرئيس بشار الاسد الذي قد يسيء البعض فهم براغماتيته، قبل ان يكتشف انها محكومة بحدود مرسومة بدقة.

في الشكل، لم يوفر الأسد فرصة في السابق من أجل إظهار الحفاوة بالحريري العائد الى حقائق التاريخ والجغرافيا بعد قطيعة سنوات معها. لم يتردد الرئيس السوري على مدى عام من العلاقة المستجدة مع رئيس الحكومة في ان يبدي قدرا عاليا من الود حياله، فكان حريصا على أن يصطحبه الى العشاء بسيارته التى تولى قيادتها بنفسه، وأن يخصص له جناحا ملكيا في أحد القصور الرئاسية في العاصمة السورية، وأن يدعوه الى تناول طعام السحور الرمضاني في دمشق، وأن يبادر الى الاتصال به مرات عدة، وأن يستقبل العقيد وسام الحسن ويطلب من اللواء رستم غزالة التواصل معه برغم حساسية موقع الحسن على رأس فرع المعلومات وأدواره في مرحلة توجيه الاتهام السياسي الى سوريا..

لقد وجد الحريري لدى الأسد الكثير من «الغنج والدلال» على المستوى الشخصي في إطار مسعى الرئيس السوري الى إيجاد بيئة مؤاتية لعلاقة دافئة ومتينة، تردم هوة السنوات الماضية وتؤسس لثقة متبادلة، لكن ما لم يلتقطه رئيس الحكومة جيدا هو ان دمشق التي تعطي الحد الاقصى من الفرص، تعرف جيدا كيف تضع حدا لها او تقلص مساحتها، على قاعدة مجموعة ضوابط تنظم علاقتها مع الآخرين، وتشكل معيارا لموقفها من هذا او ذاك، ولمدى اقترابها او ابتعادها عنه.

بهذا المعنى، لم يكن متوقعا ان تحتمل دمشق الى ما لا نهاية الازدواجية التي طبعت سلوك الحريري بعد المصالحة التي جرت بينه وبين الأسد. تشعر القيادة السورية بأنها صبرت ما فيه الكفاية على محاولات رئيس الحكومة التشاطر وسعيه المتواصل الى التهرب من حسم خياراته وتسديد الكمبيالات السياسية المستحقة عليه، وهو الذي يعلم ان منطق المصالحة مع سوريا يناقض تمسكه بالتحالف مع مسيحيي 14 آذار الذين يجاهرون بالعداء لدمشق، تماما كما يناقض استمرار فريقه بالحملة العنيفة والمنظمة على المقاومة، وصولا الى الدفاع المستميت عن المحكمة الدولية والقرار الظني.

إزاء هذه المسائل الجوهرية المتصلة بخيارات استراتيجية، لا تقف سوريا على الحياد، كما كان يتوهم البعض في 14 آذار، بل إنها في قلب المعركة، طرف منحاز الى جانب المعارضة وقبل ذلك الى جانب مصالحها الحيوية، وبالتالي فهي تسعى الى توظيف علاقتها مع الحريري لحثه على الاقتراب أكثر فأكثر من ثوابتها، لا لتبتعد عنها.

وقد جاء توصيف وزير الخارجية السوري وليد المعلم للمحكمة الدولية بأنها مسيسة بشكل يصعب تعويضه منبها الى مخاطر اتهام حزب الله، ليعكس حجم التناقض الآخذ في الاتساع بين دمشق والحريري حيال النظرة الى كيفية التعامل مع المحكمة الدولية والقرار الظني اللذين يرفض رئيس الحكومة أي مساومة او تسوية بشأنهما.

وحسب الأجواء السائدة في دمشق، كان الاسد ينتظر من الحريري ترجمة عملية للعديد من الوعود والالتزامات التي قطعها في الجلسات المغلقة مع الاسد، إلا ان ما حصل هو ان رئيس الحكومة قرر ان يماطل، ساعيا الى ملء الوقت الفاصل عن صدور القرار الظني ببعض الكلام النظري كما فعل في مقابلته الى جريدة «الشرق الاوسط» والتي لم يرفقها بأي خطوات عملية.
وإذا كان الحريري حرا في أن يفعل ما يريد، إلا أن عليه ان يدرك - وفقا للمناخ الدمشقي الراهن - انه لا يستطيع في المقابل ان يطلب من الرئيس الاسد مساعدته على تجاوز العقبات التي تعترض طريقه كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية.

ويقول مقربون من دمشق، ان الحريري لم يكن بحاجة الى تكليف وزير العدل بوضع آلية حول كيفية التعاطي مع قضية شهود الزور، من أجل عرضها على مجلس الوزراء، لافتين الانتباه الى ان ذلك يشكل تجاوزا فاضحا لمبدأ تجاوز السلطات وضربا لاستقلالية القضاء على يد السلطة التنفيذية.
ويرى هؤلاء ان القضاء اللبناني هو المعني من الأساس باتخاذ المبادرة، وأنه كان يجب على النيابة العامة التمييزية التحرك تلقائيا للتحقيق مع شهود الزور بعد إقرار رئيس الحكومة بوجودهم وبالضرر الذي ألحقوه بآل الحريري بالعلاقة بين اللبنانيين ومع سوريا، وكان يفترض برئيس الحكومة سؤال المدعي العام التمييزي عن سبب تلكئه في تأدية واجبه على هذا الصعيد، لا ان يغطيه.

ويستغرب المقربون من سوريا الضجة التي تثيرها قوى 14 آذار حول مذكرات التوقيف السورية، في حين أنها لم تحرك ساكنا عندما قرر الرئيس الاميركي جورج بوش معاقبة شخصيات لبنانية عبر تجميد حساباتها المصرفية ومنعها من السفر الى الولايات المتحدة، بسبب مواقفها من مسائل داخلية لبنانية.


2010-10-05