ارشيف من :أخبار لبنانية
قبـل فـوات الأوان
واصف عواضة - صحيفة السفير
لا يخفى على عاقل أن بعض الكلام المرسل على الشاشات وعبر أثير الإذاعات وفي طيات الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، فيه الكثير من التهويل الذي تحول في الفترة الأخيرة إلى رسائل متبادلة بين طرفي الأزمة اللبنانية، تنتهي على طريقة «والله أعلم» حرصا على «مصداقية» المهوِّلين. وفي هذا الإطار، ثمة من يرسم سيناريوهات «مشوِّقة» لمرحلة ما بعد القرار الظني، ليس أقلها الحديث عن الانقلاب الذي يستعد «حزب الله» وحلفاؤه للقيام به من أجل السيطرة على البلد، حتى ليكاد بعض الناس يصدقون أن «جحافل الحزب» ستنزل إلى الشارع فور صدور القرار الظني وتمسك بالسلطة وتسيطر على البلد.. وفي ذلك منتهى التهويل.
على الرغم من ذلك لا يجب الاستهانة بالأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، على وقع القرار الظني المرتقب الذي يجزم الكثيرون أنه سيتهم «حزب الله» أو عناصر «غير منضبطة» منه باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي أزمة تبدو سبل علاجها حتى الآن مسدودة، لأن مفتاح الحل المطلوب في هذه المرحلة ليس في لبنان ولا حتى في المنطقة، بل هو في يد دولية كبرى تحكم القبض عليه بيد من حديد، حتى الذين يعتبرون المفتاح في يد الرئيس سعد الحريري، يعرفون سلفا أن الأمر أكبر من طاقته وقدرته على استخدامه، وقد كان الوزير غازي العريضي خير من عبر عن هذا الواقع.
ولعل حلفاء سعد الحريري وبعض المحيطين به هم أكثر من يمكن أن يساعده على الخروج من هذا المأزق. وأول الخيط يبدأ من إسقاط الرهانات على بعض الاوهام التي أكدت السنوات الماضية عقمها، وستثبت السنوات المقبلة فشلها، تارة بالرهان على خلاف سوري إيراني، وطورا بنفض يد سوريا من «حزب الله»، ودائما وأبدا بحرب في المنطقة تقلب المعادلات بغنى عن نتائجها وحساباتها وأثمانها.
إن السياسات العاقلة هي التي تحاكي الواقع ولا تضرب في علم الغيب. والواقع ينبئ بأن الهموم الدولية والإقليمية باتت أبعد من اعتبار لبنان مركز الكون، وأن هذا البلد مهم في نظر الإرادات الدولية الكبرى بقدر تجاوبه مع المشاريع التي تجعل منه ساحة لتمرير مصالح هذه الإرادات. وما يجري في العراق اليوم يفترض ان يكون درسا لبعض القوى اللبنانية الحالمة.
إذا كان بعض اللبنانيين يعتبرون «حزب الله» شرا مستطيرا يتكئ إلى عصا غليظة، فليتعاطوا معه على أنه «شر لا بد منه»، لأن تطويعه بالوسائل المستخدمة الآن لن يفضي الى نتيجة، وأحرى بهم أن يفتحوا معه قنوات اتصال تفضي الى حوار منتج، بدل المناكفة القائمة على رهانات واهية، لكنها مكلفة للبلد برمته. ويفترض بهذا الحوار أن ينطلق من مسلمات أكدتها السنوات الخمس الماضية، وعلى قاعدة أن المقاومة ليست خصما لأي لبناني، بل هي حالة تعزز القدرة السيادية للبنان في وجه العدوانية الاسرائيلية الى ان يصبح الجيش اللبناني قادرا على القيام بهذه المهمة الوطنية. وبهذه الروحية يمكن احتواء القرار الظني أيا يكن مضمونه واستهدافاته الفتنوية.
قد يكون هذا الكلام خارج «الذوق العام» لبعض القوى الذاهبة بعيدا في مواقفها وارتباطاتها، لكن لحظة تأمل في مستقبل البلد قد تفيد في تجنيب لبنان الكثير المطبات الصعبة، في منطقة يعاد تركيب أزماتها بإدارة «مايسترو» لا تهز ضميره سياسة «التشطيب»... والفرصة سانحة قبل فوات الأوان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018