ارشيف من :أخبار لبنانية
«أبلسة حزب اللّه»: قرار ودراسة
جان عزيز - صحيفة الاخبار
ليس بعيداً عن الحملة الخارجية في موضوع المحكمة الدولية والقرار الاتهامي المرتقب، واحتمال أن يَتّهم عناصر قريبين من حزب الله، تدأب جهات دبلوماسية عاملة في لبنان على القيام بدور «البروباغاندا» الإعلامية والشعبية، للخطوة الدولية المتوقعة.
وفي هذا السياق، تحرص هذه الجهات منذ مدة على التأكيد أن القرار الاتهامي للمدّعي العام الدولي دانيال بلمار قد كُتب فعلياً، وأنجز كله تقريباً. تضيف أن القرار المذكور لن يَتّهم طبعاً جهات سياسيّة، بل سيكتفي بإيراد أسماء أشخاص من انتماءات سياسية وحزبية معروفة، وذلك في غمز واضح من قناة حزب الله. وإذا كان الكلام حتى هذا الحدّ بات مكرّراً ومتداولاً، فاللافت في «تسريبات» الجهات الدبلوماسية نفسها جزمها بأن القرار المرتقب سيكون «مذهلاً لجهة الوقائع والأدلّة والقرائن» التي سيتضمّنها. حتى إنها تبشّر منذ اللحظة بصعوبات كبرى ستواجه فريق الدفاع ـــــ أيّاً كان هذا الفريق ـــــ في تفنيد مضمونه ودحضه والرد عليه أمام المحكمة الدولية عند انعقادها.
وحين تسأل الجهات المذكورة: كيف يمكن بناء قرار كهذا على مجرد خريطة الاتصالات الهاتفية الخلوية «الصامتة» لشبكة من الأشخاص غير الموقوفين؟ وبالتالي، كيف يمكن المدّعي العام أن يصوغ رواية اتهامية متكاملة ما دام فريقه لم يحقق مع الأفراد المتهمين، وما دام مضمون اتصالاتهم لا يزال خافياً عليه؟ تشير الجهات الدبلوماسية المتطوّعة للتسويق، في هذا المجال، إلى أن بلمار لن يبني اتهامه على الاتصالات الهاتفية وحدها، والمتورّطون في القرار لا يقتصرون على المجموعة من عناصر حزب الله الذين كانوا في منطقة السان جورج الخلوية في تلك الفترة، وخصوصاً أن هذه المجموعة كان سعد الدين الحريري قد فاتح السيّد حسن نصر الله بموضوعها قبل عامين تقريباً، ليؤكد له الأخير أنها كانت تعمل على رصد هدف إسرائيلي. غير أن الجهات الدبلوماسية المقصودة تضيف أن هناك مجموعة أخرى ضالعة في الأمر، وهي ما لم يقدر «الحزب» على تقديم أي شروح أو تفسيرات أو تبريرات في شأنها.
وفي مجال آخر، تنتقل الجهات الدبلوماسية نفسها من القضائي الجزائي إلى الإعلامي الشعبي، فتكشف أن فريقاً إحصائياً واستطلاعياً تابعاً لها بنحو غير مباشر تولّى في الفترة الأخيرة التجوال في مناطق الجنوب كلها، مستطلعاً آراء الناس والسكان هناك بشأن حزب الله. وتقول الجهات نفسها إن المحصّلة النهائية للدراسة الاستطلاعية التي وضعتها تشير إلى وجود نسبة كبيرة ومحترمة من أهل الجنوب ممَّن يرفضون وجود «الحزب»، لا سلاحاً وحسب، بل أيضاً كواقع دويلة شاملة، وفق وصف الجهات المقصودة.
وتعرض الدراسة الاستطلاعية لآراء عيّنات مأخوذة من أكثر من منطقة جنوبية، بعضها مذكور بالأسماء، وبعضها الآخر موصوف بمواقع مختلفة من أطر المجتمع المدني، أو البنى الحزبية المختلفة. حتى إن بعض العيّنات التي يوضع الكلام على لسانها يُعرَّف عن أصحابها باعتبارهم مسؤولين في أحزاب حليفة لحزب الله، ومن بيئته وجماعته المذهبية نفسها.
وتحاول الدراسة الاستطلاعية المذكورة تصوير حزب الله باعتباره حالة مرفوضة جنوبياً، ومعزولة حتى شيعياً. فهي على سبيل المثال تضع على لسان مَن تقدّمه على أنه «كادر» من حزب آخر، مقارنة لواقع البنى الثقافية ونمط العيش وحرية السلوك الشخصي والفردي بين مدينة جنوبية «لا يسيطر عليها الحزب» ومدينة أخرى «يسيطر عليها».
أو في مكان آخر، تحاول الدراسة نزع صفة «اللبنانية» عن حزب الله، فتقدّم ما تصفه بأنه شهادة ناشطة تربوية تستهجن فيها «رفع صور عملاقة لقادة وزعماء غير لبنانيين على مدخل بلدتها»، أو تنسب إلى رجل دين من طائفة أخرى احتجاجه على تصرّف مزعوم من قبل بعض الهيئات المحسوبة على حزب الله، التي رفضت ذكر اسم مدرسته ضمن مسابقة تربوية، نظراً إلى أن الاسم المذكور يدلّ على انتمائها غير المسلم، مكتفية بذكر اسم القرية التي تقع فيها المدرسة...
لن توزّع الدراسة المذكورة في لبنان بالطبع، ولن يقرأها المعنيون ليتمكّنوا على الأقل من نفي ما تضمّنته أو إثباته. لكنها بالتأكيد ستذهب إلى تاريخ لبنان، لتنضمّ إلى وثائق ملف مركّب كبير اسمه «أبلسة حزب الله». وفي هذا الملف بالذات، يبدو القرار الاتهامي «المذهل» مجرّد ورقة إضافية...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018