ارشيف من :أخبار لبنانية

الاستقالات من المحكمة الدولية: لعبة استخبارية أم دوافع شخصية!

الاستقالات من المحكمة الدولية: لعبة استخبارية أم دوافع شخصية!
هيلدا المعدراني

مع استقالة هنرييت أسود الناطقة الرسمية للقاضي دانيال بلمار في أيلول/سبتمبر الماضي، اتجهت الأضواء من جديد نحو ما يعرف بظاهرة الاستقالات المتلاحقة في المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، للوقوف عما يدور خلف هذه المؤسسة المثيرة للجدل على مستوى المنطقة والعالم.
وقبل أسود حدثت أكثر من استقالة في أكثر من موقع في هذه المحكمة وكانت على الشكل الآتي:

ـ استقالة المستشار القانوني للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون السويسري نيكولا ميشال الذي أشرف على وضع نظام المحكمة، وحلّت مكانه باتريسيا أوبراين.

ـ استقالة الرئيس الأول لرئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي الألماني ديتليف ميليس من مهامه في كانون الأول /ديسمبر من العام 2005.

ـ استقالة رئيس قلم المحكمة والمسجّل العام القاضي البريطاني روبن فنسنت في حزيران/يونيو 2009 بعدما باشر مهامه في شهر آذار/مارس 2008، وحلّ مكانه المحامي الأميركي ديفيد تولبرت في شهر أيلول/سبتمبر 2009، ولكنّه سرعان ما استقال هو الآخر في شهر كانون الثاني/يناير 2010.

ـ استقالة عضو المحكمة القاضي البريطاني هاورد موريسن في آب /اغسطس 2009، بداعي تعيينه قاضياً في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (وهي محكمة عاملة بعكس المحكمة الخاصة بلبنان المقامة في الشكل من دون محاكمات لعدم توافر موقوفين ومتهمين).

ـ استقالة الناطقة باسم المحكمة، الفلسطينية سوزان خان في آب/اغسطس 2009.

ـ استقالة رئيس قسم التحقيق في مكتب بيلمار الأسترالي من أصل مصري نيك (نجيب) كالداس في كانون الثاني/يناير 2010.

ـ استقالة الناطقة الرسمية باسم بيلمار التونسية راضية عاشوري في شهر أيار/مايو 2010.

ـاستقالة مساعد بيلمار القانوني، الكندي برنار كوتيه، في شهر حزيران /يونيو2010.

ظاهرة الاستقالات في المحكمة الدولية (ليس مبالغة نعتها بالظاهرة) باتت من الإشكاليات المتعددة التي تنتقص من أهلية هذه الهيئة القضائية الدولية، فإلى اللغط القانوني والدستوري الذي اعترى إنشاءها لبنانيا، ومن ثم إصدارها إبان ولاية ديتليف ميليس تقارير بالاستناد إلى شهود الزور، وتوصيتها باحتجاز الضباط الأربعة لما يزيد عن أربع سنوات دون مواجهتهم باتهام أو محاكمة، وأيضا منحها ما يوازي تماما العفو لمجرمين ضللوا تحقيقاتها أو عرقلوا وصولها إلى الحقيقة، وحصرها فرضيات الاغتيال بالجهات التي تزعج أو تناصب العداء لكيان العدو الإسرائيلي، كل ذلك، يسقط التفسير الرسمي لاستقالات موظفيها والذي يردها إلى أسباب شخصية، ليشير إلى خلل كبير يرتبط بعمل هذه المحكمة وأهدافها.

بأي حال، لم يأخذ السواد الأعظم من المراقبين والمتابعين لأعمال المحكمة الدولية هذه الاستقالات على محمل البساطة، كما أنه اسقط الرواية الرسمية عنها، ليرى فيها كوة تتيح بعض النظر لما يدور خلف جدرانها من تدخلات وضغوط دولية وألاعيب استخبارية تحكم ربط حبل الاستخدام السياسي على عنق هذه المحكمة.

ويرد رافي ماديان أمين سر حركة شبيبة جورج حاوي هذه الاستقالات إلى دوافع مختلفة ليس بينها الدافع الشخصي، لكنها بنظره كلها مرتبطة أو متأتية من نشاط قوى دولية تريد تسيير تحقيقات المحكمة وفقا لأجندتها السياسية والأمنية.

ويقول إن بعض هذه الاستقالات مرتبط بالحركة الالتوائية للتحقيق الدولي، فعند كل منعطف يصادف هذا التحقيق تحدث استقالة. المحقق الألماني ميليس استقال عندما تقرر تجميد الاتهام لسوريا وتلبيسه لقوى سلفية. القاضي سيرج براميرتس استقال عندما تقرر تركيب تهمة اغتيال الحريري لحزب الله.

ويضيف "أن البعض الآخر من الاستقالات هو لدواع استخبارية بحتة"، موضحاً "أن هناك أجهزة استخبارية تتبع لدول معينة وعلى صلة بالأهداف المتوخاة من إنشاء المحكمة، تتسلل إلى هذه المؤسسة عبر توظيف عملائها، ليس للمشاركة بأعمالها، إنما من أجل الإطلاع على معلومات محددة ليصار إلى استخدامها لاحقا في مجال التسريب وخلافه".

ويذكّر ماديان بالمحقق الاوسترالي (المصري الأصل) نيك كالداس الذي جرى توظيفه في المحكمة على الرغم من سوء سمعته الوظيفية في بلاده، لكنه ما لبث أن استقال بعد فترة وجيزة، ليسرب لإحدى الصحف الاسترالية بأنه فوجىء بأن وجهة الاتهام ذاهبة نحو حزب الله وليس نحو سوريا كما كان يعتقد.

ويُرجع ماديان استقالات آخرين، إلى نية الغرف السوداء التي تدير المحكمة عن بعد، باستبدال طواقمها بأشخاص سبق أن خدموا بمحكمة يوغسلافيا الدولية في ظل رئاسة القاضية كارلا دو بونتي التي أخذت على عاتقها محاكمة الحقبة الروسية في يوغسلافيا ورموزها بما يناسب المشيئة الأميركية، ويلفت في هذا المجال إلى تعيين "أولغا" وهي صربية، فبعد مغادرتها عملها في المحكمة اليوغسلافية باتت الآن مسؤولة دائرة الإعلاميين والناطقين في المحكمة المخصصة لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري.

وإن كان ماديان لا ينفي أن تكون استقالة بعض الموظفين نابعة من كونهم لا يريدون التورط في صراعات الدول بعدما شاهدوا بأم أعينهم حجم الانخراط الدولي في هذا الصراع، إلا أنه يؤكد أن ظاهرة الاستقالات يجب أن تكون مدار تتبع أمني وإعلامي لأنها تفتح نافذة واسعة على طريقة استخدام المحكمة من الجهات النافذة دوليا.
2010-10-05