ارشيف من :أخبار لبنانية

السعودية وسوريا: اختبارا العراق ولبنان

السعودية وسوريا: اختبارا العراق ولبنان
ابراهيم الأمين، الأخبار

في حزيران عام 2009، موّلت المملكة العربية السعودية، بدعم من مصر والولايات المتحدة، المعركة الانتخابية لفريق 14 آذار في لبنان. لم يبق سلاح إلا استُخدم تحت شعار منع المحور السوري ـــــ الإيراني من الفوز بغالبية نيابية. وكانت النتائج متوافقة مع الهدف. لكن الترجمة العملية للإمساك بمفاصل الحكم، أعادت الأمور إلى المربع الذي نشأ إثر أحداث 7 أيار من عام 2008. ذلك ما انتهى إلى فشل المعادلة الجديدة: 7 حزيران تمحو 7 أيار.

يومها اضطرت السعودية إلى البحث من جديد عن نوع من الشراكة الفعلية مع سوريا في إدارة ملف لبنان. وكان الأمر يترجم على شكل تسوية داخلية من النوع الذي قال مباشرة أو مواربة بأن الانتخابات النيابية لم تكن تعبّر عن واقع استثنائي، وبالتالي فإن عملية التزوير الواسعة والشاملة التي جرت من خلال الحملة وآليات الاقتراع والقانون والمال الانتخابي، كل ذلك لم يكن كافياً لتغيير الوقائع الصلبة على الأرض.

لا داعي للتذكير بالحوارات والاتصالات التي جرت في الأسابيع التي تلت الانتخابات النيابية والتي انتهت إلى تراجع في السقف السياسي لفريق 14 آذار وكانت ذروته خطوة الرئيس سعد الحريري بزيارة دمشق والتراجع أمامها تدريجاً، وصولاً إلى الاعتذار منها في المرحلة الأخيرة.

لم تتعلم السعودية من هذا الدرس شيئاً. وعادت وكررت الأمر نفسه في العراق. حملة إعلامية وسياسية رافقت الانتخابات النيابية هناك، واحتيال على الوقائع السياسية الكبرى، وإنفاق ما يقارب ملياري دولار أميركي على اللوائح المدعومة منها، علماً بأنه ليس هناك أي وسيلة للتدقيق في كيفية إنفاق هذه الأموال كما هي الحال في لبنان. لكن الأكيد أن النتائج التي خرجت بها الانتخابات لم تكن كافية لقلب المشهد العراقي الحقيقي، وخصوصاً أن السعودية خاضت المعركة بشعارات لبنان نفسها: منع المحور السوري ـــــ الإيراني من السيطرة على الحكم في العراق.


وبعد انتهاء الانتخابات وفوز اللائحة المدعومة من السعودية بكمية كبيرة من المقاعد، أظهرت الوقائع أنّ من الصعب على هذه الكتلة قيادة البلاد. ومرت أشهر عدة قبل أن تقتنع الولايات المتحدة الأميركية بأنه لا يمكن الركون إلى نتائج قامت على أساس التحريض المذهبي أو التمويل السياسي (علماً بأن الكتلة الشيعية الكبيرة لم تكن أقل فظاظة في التحريض المذهبي أو في استخدام أموال الدولة في الانتخابات نفسها). وحصل هرج ومرج قبل أن يقوم تفاهم شمل عملياً الولايات المتحدة وإيران، ثم سوريا أخيراً، وهو تفاهم يقوم على قاعدة أن الحكم الجديد في العراق لا يمكن أن يقوم وفق ما تراه السعودية. حتى إن الكتلة النيابية التي وصلت بدعم سعودي لم تعد قادرة على الاحتفاظ بتماسكها أو وحدتها، بل هناك إشارات قوية إلى احتمالات معاكسة.

وها هي السعودية تجر أذيال الخيبة مجدّداً، وهي تنتظر الآن الجهود السورية بالتعاون مع الإيرانيين وآخرين من دول الجوار، ولا سيما تركيا، لتنظيم تشكيلة حكومية تتيح تحقيق توازن وطني فعلي داخل الحكومة بما يمنع الانفجار الأهلي الأكبر من الذي يعيشه العراقيون اليوم. وستكون السعودية مضطرة إلى التفاهم مع سوريا على الأمر. وإن قالت العكس، تكون تمارس لعبة الانتحار التي ستنتهي بخروجها من العراق، ولو تركت خلفها الفوضى والدمار.

وبالعودة إلى لبنان، فإن ما يجري اليوم يحتاج إلى مقاربة من نوع مختلف. سوريا تعرف أنها غير قادرة على حكم لبنان بمفردها. ودور إيران في لبنان، على أهميته وقيمته، لا يشبه أبداً دور إيران في العراق، وحتى تركيا التي بدأت ببناء صداقات يمكن أن يكون لها أفقها في لبنان، لا تقدر على ادعاء دور مساعد.

لذلك، فإن سوريا محكومة بتفاهم مع السعودية على أمور كثيرة في لبنان. لكن الوقائع التي تبدلت خلال السنوات الخمس الماضية، تتيح لسوريا أوسع هامش مناورة بخلاف الرياض التي تشعر بأن الخناق يضيق، وأن الاستعانة بمصر لا تفيد في هذا الوقت، بل إن المصريين يرتكبون حماقة تضاهي كل حماقاتهم في غزة في طريقة مقاربتهم في لبنان، وخصوصاً أن بعضهم يعمل بطريقة يعتقد أنها سرية وغير مرئية، فيما هناك من يحصي أنفاس المصريين العاملين في هذا الملف، سواء الذين يتّخذون من مواقع رسمية واجهات، أو الذين يحضرون على أساس أنهم من القطاع الخاص.

بناءً على ذلك، إن المحادثات الأخيرة التي جرت بين الرئيس السوري بشار الأسد والأمير عبد العزيز بن عبد الله وتناولت الوضع في لبنان، عكست حقيقة التوازن القائم بين الجانبين في هذه الساحة، وهو التوازن الذي يجعل لبنان عرضة لأسابيع شديدة التعقيد، إذا لم ينظم عرب أميركا طريقة التموضع الجديد والخسائر بواقعية. ومن دون مواربة، قال السوريون صراحة للجانب السعودي كما أبلغوا الفرنسيين وحتى الأميركيين، إن ملف المحكمة الدولية يجب أن يطوى؛ لأنه بات مدخل الفتنة الكبرى. وإذا لم يسمع الآخرون جيداً، فإن ما هو مقبل على لبنان قد يجعل هذا الفريق يخرج جاراً أذيال الخيبة، ولو هدّد بأنه سيترك خلفه الفوضى والدمار.

2010-10-07