ارشيف من :أخبار لبنانية

الوهن يصيب "السين سين".. لكن معادلته اللبنانية صامدة

الوهن يصيب "السين سين".. لكن معادلته اللبنانية صامدة

خضر طالب، السفير
 

منذ اليوم الذي تبين فيه وجود اتجاه لتسمية رئيس الحكومة العراقية الحالي نوري المالكي لرئاسة حكومة جديدة استناداً إلى تفاهم أميركي ـ سوري ـ إيراني، وضع كثر من أهل السياسة في لبنان «يدهم على القلب»، على اعتبار أن هذا الاتجاه يخالف رغبة السعودية وما كان يتردّد عن اتفاقها مع سوريا على تسمية إياد علاوي لرئاسة الحكومة، أو بالحدّ الأدنى منع المالكي تحديداً من الوصول إلى الرئاسة مرة ثانية، هو أحد ركائز التفاهم السوري ـ السعودي الإقليمي الذي شمل لبنان.

لكن المتابعين أدركوا سريعاً أن التفاهم السوري ـ السعودي حول لبنان، معرّض للاهتزاز في لحظة سياسية متوتّرة جداً في بيروت تؤمّن «بيئة حاضنة» للاختلاف بين الرياض ودمشق، وإن كان المسؤولون السوريون قد «برّأوا ذمّتهم» من قرار التغيير في العراق بوضع هذا التغيير في عهدة الأميركيين، واضطرار سوريا التي كانت تشاطر السعودية رفضها للمالكي، إلى السير بهذا الخيار لحماية العراق من استمرار الفراغ الحكومي.

لم تعاتب الرياض دمشق، ولم تبدِ أي موقف اعتراضي علني، مما ساهم في إضفاء مزيد من الغموض على مصير التفاهم السوري ـ السعودي بشأن لبنان، بالتزامن مع ظهور إشارات غير حاسمة عن تراجع الحماسة السعودية تجاه المسعى التي تعهّدت القيام به مع كل من واشنطن وباريس، من أجل تأجيل القرار الظني إلى أبعد مدى ريثما يتاح البحث عن مخارج في ما يتعلّق بالمحكمة الدولية، التي كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قد جاهر بأنها لا تحظى بالأولوية على الاستقرار في لبنان، وكانت أبلغ تلك الإشارات في دعوة السفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري إلى تشكيل لجنة لبنانية لتدارك نتائج القرار الظني، ربما لأن المملكة عجزت عن تدارك القرار نفسه دولياً واقليمياً...

في بداية تلك المرحلة خرج الرئيس سعد الحريري بإقرار وجود شهود زور في التحقيقات التي تسببت بتوتر العلاقة بين لبنان وسوريا، على خلفية تصويب شهود الزور إصبع الاتهام إلى سوريا بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن ذلك الإقرار بقي من دون مفاعيل كانت سوريا ترى أنها مفتاح الحلّ لتعقيدات مأزق المحكمة الدولية، وهي هيأت الأرضية المناسبة للتفاوض مع واشنطن حول هذه النقطة بالذات، وبدا «الانسجام» قائماً بين الولايات المتحدة وسوريا حول العديد من ملفات المنطقة، مما دفع للاعتقاد أن صياغة تفاهم بين البلدين حول لبنان أمر محتمل بقوّة على غرار ما كان يحصل في الماضي.

وفي لحظة هذا «الانسجام» الظاهر، صارحت دمشق مستشار الملك عبد الله نجله الأمير عبد العزيز بما تحمله من عتب على الرئيس سعد الحريري الذي تبلّغ من الرياض فحوى هذا العتاب.

وقبل أن يتبيّن ردّ فعل الرئيس الحريري على ما تبلّغه من المسؤولين السعوديين، صدرت مذكرات التوقيف السورية التي ما يزال صداها يتردّد على بعد أسبوع من صدورها، حتى في أوساط من اعتبر أنها غير قانونية ولا مفاعيل لها.

لكن الأهم في تلك المذكّرات أنها جاءت على شكل هجوم صاعق وفي توقيت مدروس أوحى أنها تحظى بتغطية عربية ـ دولية، ولوهلة ساد الاعتقاد أن هذه المذكّرات شبيهة بطائرات الـ«سوخوي» السورية التي حلّقت فوق قصر بعبدا في 13 تشرين الأول من العام 1990، إيذاناً ببدء العملية العسكرية السورية لتدمير جمهورية 1943 وبناء جمهورية الطائف على أنقاضها بقرار دولي تولّت سوريا ترجمته على الأرض بتفويض من واشنطن.

لكن، وإلى اليوم لم يتبيّن أن «سوخوي» مذكرات التوقيف قد فعلت فعلها في تدمير «مفاعيل انقلاب 2005» والعودة إلى مسار جمهورية الطائف، إلا إذا كانت مفاعيل «الغارة القضائية» تحتاج إلى وقت أطول من غارات الـ«سوخوي» لتظهر نتائجها...

عملياً، يمكن القول إن الرئيس سعد الحريري الذي «باغتته» المذكرات تعامل معها شخصياً ببعض الحرص وضبط النفس، تاركاً لنوابه أن يصولوا ويجولوا في استهدافها من دون أن تصيب شظايا هذا الاستهداف سوريا، بل واضطر هؤلاء بناء لتعليمات الرئيس الحريري لإرفاق كل «صلية» من هجومهم على مذكّرات التوقيف بالتأكيد على أن هذه المذكّرات لن تغيّر في مسار قطار العلاقة الذي انطلق مع سوريا.

ورغم أن هذا الحرص يوحي بأن العلاقة السورية ـ السعودية ما تزال قائمة، نظرياً على الأقل، إلا أن ذلك لا يعني أنها تحظى بالحرارة نفسها التي كانت عليه قبيل شهر رمضان المبارك عندما زار الملك عبد الله دمشق وانتقل والرئيس الأسد معاً إلى بيروت.

وهنا يحتمل النقاش القائم حول متانة التفاهم السوري ـ السعودي بشأن لبنان تأويلات متناقضة. فالمتشائمون يرون أن هذا التفاهم مصاب بالوهن الشديد وأن المحور السعودي ـ المصري عاد لينشط بعد فترة من «الخمول» التي أصيب بها لحساب تنشيط العلاقة على خط دمشق ـ الرياض. أما المتفائلون فهم محكومون باستمرار الرهان على متانة هذا التفاهم لحماية لبنان لأن التسليم بسقوط هذا التفاهم أو مجرّد التفكير في هذا الاحتمال يؤدي إلى عودة الكوابيس لتقض مضاجع اللبنانيين...

يجزم أحد «الأصدقاء» المشتركين بين دمشق والرياض، أن التفاهم ما زال قائماً، وأن التباين بين العاصمتين في العراق لا يسقط اتفاقهما الراسخ في لبنان... وينتهي إلى التأكيد «لو سقط التفاهم.. لما كنّا نتناقش اليوم في مصيره وإنما بحجم ألسنة النار المشتعلة في البلد».


2010-10-08