ارشيف من :أخبار لبنانية
الجيش يتعهّد الأمن: احذروا القوات
غسان سعود، الأخبار
عيون جان قهوجي وزملائه قادة الوحدات الكبرى والأفواج المستقلة لا تعرف النوم، معظمهم ارتدوا البزة للمرة الأولى يوم كان أصغر مليشياوي يذل أكبر عسكري لساعات على حاجزه. هؤلاء قبل كل الآخرين يخشون عودة عقارب الساعة إلى الوراء، فيتأهبون اليوم للحد من الخسائر.
لا خشية على المؤسسة العسكرية من الانقسام الآخذ بالتمادي؛ من جهة، نجح جان قهوجي في المجيء بمن يدورون في فلكه في معظم النقاط الحساسة وخصوصاً قادة الوحدات الكبرى والأفواج المستقلة، ومن جهة أخرى تقاعد كل من تهيّأ له في السنوات القليلة الماضية أن باستطاعته القيام بخطوة كهذه. وفي اليرزة، لهجة جديدة في التخاطب مع السياسيين، إذ تشير المعلومات إلى اتصال العماد قهوجي قبل نحو يومين بثلاثة من المسؤولين الرسميين الأساسيين ليبلغهم أن الجيش يرصد كل عمليات التسلح ولن يتساهل مع من يقود إلى الفتنة، منبهاً مكلميه إلى أنهم سيرون الجيش هذه المرة بوجه لم يسبق أن شاهدوه. مع العلم بأن وحدات من الجيش كانت قد انتشرت في يوم مهرجان «شهداء القوات اللبنانية» عند مداخل المدن الأساسية لتفتيش السيارات، باحثة عبثاً عما يسمح لها بإيصال رسالة واضحة للمعنيين بأن لعبة المس بالأمن ممنوعة. وفي الاجتماع الذي عقده قهوجي أمس مع أركان القيادة وقادة الوحدات الكبرى والأفواج المستقلة، رأى قائد الجيش أن ربط التباين في وجهات النظر بين اللبنانيين بمصطلحات الانقسام والتشرذم والفتنة غير مسموح على الإطلاق، مشيراً إلى أن ضخ البعض الشائعات حول وحدة المؤسسات العسكرية والامنية وفي طليعتها الجيش هو دليل عجز هؤلاء عن تحقيق مكاسب سياسية، جازماً بنية الجيش التصدي «بحزم وقوة لمحاولات إثارة الفتنة أو التعرّض لأمن المواطنين في أي ظرف وتحت أي شعار».
في هذا الوقت، يؤكد التنقل بين ثكنات الجيش في جبل لبنان أن ثمة رصداً ومتابعة دقيقين لكل ما يحصل بين الأحياء وفي بعض المنازل، وسط إجماع المعلومات التي لدى مديرية الاستخبارات على أن كل السلاح المتنقل من شارع إلى آخر فردي، ليس وسطه القطع المتوسطة الضرورية في أي اشتباك جدي (الآر بي جي مثلاً). ووفقاً للمعلومات الموثوقة، فإن حركة التسلح تشمل معظم القوى السياسية، باستثناء تيار المستقبل والتيار الوطني الحر.
ووفقاً لمصدر عسكري فلا شيء عسكرياً يلفت النظر في معسكر حزب الله وحلفائه، ما دام التيار الوطني الحر على الحياد. مع الأخذ بعين الاعتبار أن حلفاء الحزب في المناطق السنية يحتفظون منذ سنتين بمخازن السلاح الذي يبدو أن قرار توزيعه لم يحن بعد، رغم ظهور معالم تنظيمات عسكرية صغيرة جداً مؤيّدة لحزب الله في أكثر من منطقة ذات غالبية مستقبلية. في المقابل، يتابع المصدر نفسه، لم يُحيِ تيار المستقبل الشركات الأمنية ذات الطابع الدفاعي التي كان يعوّل عليها قبيل 7 أيار لإحداث توازن رعب. وبالتالي لا يبرز بين قوى 14 آذار، على الأرض، إلا قوتان أساسيتان هما القوات اللبنانية وبعض المجموعات السلفية الشمالية. ويجزم المصدر العسكري بأن التنسيق بين الطرفين (القوات والسلفيين) قائم ومستمر منذ أكثر من سنتين، خصوصاً أن المجموعات السلفية الشمالية تتظلل عباءة نائب في المجلس النيابي، لا يكاد يمر يوم دون مرور مسؤولين من القوات اللبنانية على منزله في منطقة أبي سمرا في طرابلس. وهو كثير الإشادة بالقوات والإعجاب بقائدها.
في الموضوع القواتي، يبرز انقسام بين وجهات نظر الضباط المطلعين؛ بعضهم يرى أن ثمة مبالغة عونية كبيرة في الحديث عن قدرات القوات العسكرية، وذلك لعدة أسباب، أبرزها: تقدم غالبية المقاتلين القواتيين في السن، هجرة الكوادر العسكرية الأساسية في تنظيم سمير جعجع الذي هو غير تنظيم بشير الجميل (الكوادر العسكرية والأمنية الأساسية في تنظيم بشير الجميل يناصبون جعجع العداء)، وهاجس الثقة والخوف من الاختراق اللذين فرضا على جعجع الاتكال أساساً على قواتيي بشري.
فضلاً عن أن العمل القتالي الطويل المدى الذي يخشاه اللبنانيون اليوم يفترض وجود قوة إسناد جدية تمد القوات بالسلاح وهي غير متوفرة اليوم، ووجود هيكلية تنظيمية استغرق بشير الجميل لإعدادها مع مجموعة كبيرة من الاختصاصيين، أكثر من خمس سنوات. وبالتالي، يرى أصحاب وجهة النظر هذه أن القوات قادرة بأفضل الحالات على زعزعة الأمن قليلاً، لكنها أعجز من أن تفرض سيطرتها على منطقة كبيرة. وبحسب هؤلاء، فإن القوات تدّعي السعي إلى حماية المناطق المسيحية من انقلاب حزب الله فيما لا دليل ولو صغيراً جداً على نية الحزب الاقتراب من المناطق المسيحية.
أما وجهة النظر الأخرى فتدعو إلى أخذ أكبر قدر ممكن من الحيطة في التعامل مع القوات اللبنانية. ويروي أحد الضباط في هذا السياق أن القوات في أحداث 7 أيار الغابرة كانت تترقب كلمة سر للدخول في الصراع، وقد تحرك الجيش بسرعة قياسية مساء 11 أيار 2008، رغم حلول الظلام، ليقمع مجموعة قواتية كانت تستعد في بلدة بسابا في قضاء بعبدا لإسناد مجموعة اشتراكية في بلدة عين عنوب كانت تهاجم بدورها مجمع محفوظ، حيث يسكن مناصرون لحزب الله
وحركة أمل في ستة أبنية. ووفقاً للراوي، فإن القوات قادرة عبر مجموعات صغيرة كهذه مزودة بالسلاح الخفيف أن تجر مجتمعها إلى مغامرة خطيرة جداً.
والمواطنون حين سيشاهدون مقاتلين يردون على مصدر النار لن يسألوا عمّن تسبب بالمشكلة، وسينضمون بحماسة إلى القوات للدفاع عن منازلهم وعرضهم.
أما المجموعات السلفية فتراقبها استخبارات الجيش منذ حرب البارد بدقة. ويؤكد أحد الضباط المكلفين بمتابعتها أن الجيش كان قادراً أكثر من مرة على القيام بمداهمات لاعتقال أنصار الأصولية بعد ضبطهم متلبسين بتدريبات عسكرية، لكن الغطاء السياسي يحول دون هذا الأمر. وبحسب الضابط، فإن غطاء تيار المستقبل لهذه المجموعات علنيّ، وأبرز تعبير عنه هو تبنّي التيار ترشيح أحد أبرز القادة الميدانيين لهذه المجموعات في الانتخابات النيابية الأخيرة.
ويذهب تيار المستقبل في تغطيته هؤلاء إلى حد طلب مواعيد لهم عند بعض المرجعيات الروحية ليطمئنهم إلى أنه حاضر بنفسه للدفاع عن مكتسبات ثورة الأرز. وبحسب المصدر العسكري، فإن العديد ضمن هذه القوى ليس كثيراً، وهي تعبّر عن حالة موجودة تاريخياً في الشمال لكنها بقيت دائماً أعجز عن تجاوز حاجز المدفون. وهي عند حصول أي توترات سيكون عليها تجاوز عدة تحديات: 1- النفاذ من النيران الداخلية، الصديقة لحزب الله. 2- التخلص من جبل محسن الذي ثبت في التجارب السابقة أنه عصيّ على الاقتحام وقذائفه صوب باب التبانة وأحياء طرابلسية أخرى لا تنضب. 3- عبور جبل لبنان باتجاه بيروت.
في النتيجة، لا يبدو قلق الضباط كبيراً من تفجر الأوضاع الداخلية، فوفق معرفتهم بالأحجام، يكفي ضبط القوات اللبنانية لتجنيب البلد الفتنة المسلحة. وفي ثكن الجيش لا حاجة طبعاً إلى السؤال عن الحل لأن ثقة الضباط مطلقة بأنهم هم الحل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018