ارشيف من :أخبار لبنانية

بارود وقوى الأمن: الغطاء السياسي أولاً

بارود وقوى الأمن: الغطاء السياسي أولاً
ابراهيم الأمين، الأخبار

من المآسي اللبنانية القائمة الآن، الوضع الصعب والمعقّد الذي تعيشه مؤسسة قوى الأمن الداخلي. التناتش السياسي ينهك وضعها القيادي. ولعبة الاستئثار التي يتقنها فريق «المستقبل» تجعل المؤسسة منقسمة بين كتلة تخضع لآليات عمل مستقلة، وهي تشمل وحدات وضباطاً ورتباء وأفراداً، وتخصص لها موازنات حتى من خارج الموازنة التقليدية، ويتمتع العاملون فيها بهوامش سياسية ليست موجودة عند أي جهاز آخر عسكري أو سياسي آخر في البلاد.

منطق الأمور، الذي يجعل وزير الداخلية ممثّلاً دور الوصاية المباشرة، تعرّض لاهتزاز كبير بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لم يكن أحد يحتاج إلى من يشرح له أو يريه الهيجان الذي لجأ إليه فريق الحريري للإمساك بهذه المؤسسة، ولجعلها تخضع عملياً لإدارة سياسية ومهنية من نوع خاص، حتى تحولت المؤسسة، خلال وقت قصير، إلى مصدر أمان لكتلة من اللبنانيين، فيما صارت عبئاً ومصدر قلق عند قسم آخر منهم. وخلال السنوات القليلة، أنهك فريق 14 آذار هذه المؤسسة بمئات المطالب التي حوّلت عناصرها إلى مرافقين وخدم، وحوّلت مركباتها إلى مواكب حماية أو قوة تدخل تنتشر عند المداخل وفي محيط المربعات الأمنية التي ينشرها قياديّو 14 آذار في أكثر من مكان من لبنان. وفيما كان الترهّل يصيب وحدات كثيرة رئيسية في هذه المؤسسة، جرى تحييد وحدات مثل الفريق العامل تحت سلطة رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، حتى باتت مملكة مستقلة لا يدخلها أحد من دون إذنه، ولا يأمرها أحد من دون العودة إليه، فيما كان وليد جنبلاط قد اقتطع ما يخصه من هذه المؤسسة ويلزمها مخافر المناطق الخاضعة لنفوذه، كذلك العناوين والمشاريع والمهمّات.

كان تيار «المستقبل» يجري مقايضة هي الأهم في تاريخ حضوره إلى الدولة. لقد وجد نفسه أمام فرصة تحقيق حلم تاريخي للحريري الأب بمدّ النفوذ إلى داخل المؤسسات الأمنية بعدما منعته سوريا من هذا الأمر طيلة عقد وأكثر، ووجد «المستقبل» ضالّته في تولي أمر القيادة العليا لهذه المؤسسة، فيما يتولى أنصاره السيطرة على كل الوحدات والقطع العاملة في مناطق نفوذه، بينما جرى التركيز على بناء جهاز أمني من نوع خاص.

لم يكن الحريري الابن أو فريق الرئيس فؤاد السنيورة أو المجموعة الأخرى المتعاونة مع الأجهزة الأمنية في السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية وفرنسا والولايات المتحدة ينتظرون إذن أحد ليباشروا ورشة عمل حوّلت جهاز المعلومات من جهاز يتولى الأمن العسكري داخل المؤسسة إلى جهاز أمني يتولى متابعة قضايا سياسية وأمنية وجنائية وخلاف ذلك على مستوى لبنان وخارجه أيضاً. وجرى تعزيز هذا الجهاز بالمئات من الضباط والرتباء والعناصر، إلى أن وصل الأمر ليتحوّل إلى قوة ناشطة، تدير مئات المخبرين المنتشرين في كل المناطق اللبنانية. وقد جهّز بأحدث التقنيات ووفّرت له موازنات غير مرئية.

الآن، وبعد انقضاء فترة السماح التي أخذها تيار «المستقبل» على أثر اغتيال الحريري الأب، تبدو مؤسسة قوى الأمن أمام واقع مختلف. على مستوى السلطة السياسية، هناك انقسام حادّ بشأن دورها وبشأن آلية إدارتها. وعلى مستوى مجلس قيادتها، هناك انقسام مهني بالدرجة الأولى، وسياسي على شاكلة انقسام البلاد بالدرجة الثانية، والحصيلة شلل يترك الأمور على قاعدة «العمل غبّ الطلب».


يبقى أن الأنظار اتجهت قبل عامين صوب الوزير الذي يتولّى دور الوصاية، وهو زياد بارود، علماً بأنه عندما اختير لهذه الحقيبة، كان يفترض أنه يمثّل خطاً لا ينحاز إلى طرفَي النزاع في لبنان، وبالتالي فإن مهمته تنحصر في إعادة الاعتبار إلى الدور الحقيقي لمؤسسة قوى الأمن، إلى جانب بقية مؤسسات وزارة الداخلية، وإن ذلك يتمّ من خلال إبعاد عناصر التدخل السياسي البارزة تدريجاً، وصولاً إلى تحييد المؤسسة عن التجاذب القائم، الذي يهدّدها بانقسام حقيقي في أي لحظة. لكن، من قرر لبارود هذه المهمة، لم ينتبه إلى أن التغيير في طبيعة دور قوى الأمن يحتاج إلى تغيير على مستوى القرار في مجلس الوزراء نفسه، وهو الأمر الذي أدى غيابه عملياً إلى جعل الوزير بارود يمارس دوراً كبيراً في وزارة الداخلية، وفي تحسين أداء بعض وحدات هذه المؤسسة، دون أن يكون قادراً على الادّعاء أنه يقدر على تحرير المؤسسة من عناصر الضغط السياسي، وخصوصاً أن بارود هدف لطرفي النزاع من جانب الانقسام بين الشيعة والسنة، كما هو هدف بين طرفَي الانقسام المسيحي اللذين يأملان من بارود إعادة حضورهما داخل هذه المؤسسة. وإلى جانب ما يمثله بارود على مستوى نفوذ رئيس الجمهورية داخل مؤسسات الحكم، تصبح النتيجة، أن بارود عرضة لعملية تجاذب من عدة حبال في الوقت نفسه، وهو لا يملك القدرة على المبادرة الاستثنائية إلا إذا قيل له: افعل ما يجب أو استقل.

وفي هذه الحالة، يعرف الجميع من اللاعبين السياسيين أو المراقبين أن خطوة كهذه لن تغير شيئاً في واقع الأمر، باعتبار أن مفتاح التغيير موجود لدى الموقع الذي يمثّله الوزير بارود، ما يعني أن على الرئيس ميشال سليمان تولّي مهمة فتح النقاش بشأن ضرورة تحييد مؤسسة قوى الأمن، حتى يقدر بارود على خوض معركة تفصيليّة يوميّة...

2010-10-08