ارشيف من :أخبار لبنانية
شـبـهـة الـعـدالـة
سليمان تقي الدين، السفير
عارض الأمين العام للأمم المتحدة احتمال اطلاع أصحاب العلاقة على ما يخصهم في ملف شهود الزور من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قبل صدور القرار الظني. حجب وزير العدل اللبناني تقريره عن أعضاء الحكومة بناء لطلب رئيسها لكي يعيد صياغته في ضوء موقف الأمين العام للأمم المتحدة. جاءت مذكرات التوقيف السورية لتزيد الموقف إرباكاً. تمرّغت العدالة في وحول السياسة حتى اختفت ملامحها وسط ضجيج سياسي وجدل قانوني ليس فيه من نكهة القانون إلا الاسم.
لا تقوم العدالة إلا على مرجع له مصداقية فوق كل شبهة، وله قواعد وضوابط ومعايير لا تخضع للاستنساب أو الانتقائية أو التحوير، لا تخضع لأي تأثير من خارج منظومة الحقوق المعلنة سلفاً. صارت العدالة تجرجر هيبتها خلف اللعبة السياسية الدولية والمحلية وفسدت منذ ان انطلقت تبحث عن حقيقة ليست إلا تأويلاً لموقف سياسي وهدف سياسي.
لم يكن «شهود الزور» إلا صدى للاتهام السياسي الذي كان بدوره قد أفسد كل شيء. صارت العدالة ملحقة بالاتهام السياسي وساعية الى ايجاد سند قضائي وقانوني له. هذا هو أصل المشروع في الجريمة بحد ذاتها وفي استثمارها. الحقيقة والعدالة ضاعتا في خضم المجتمع المقسوم حول مرجعية وحدته الوطنية وبالتالي حول القيم والمعاني الأخرى، بما فيها العدالة ووسائل تحقيقها. لا يستطيع «المجتمع الدولي» ان ينتج لنا وحدة وطنية إذا كان هو عادلاً، فكيف وهو يسعى لتعميق الانقسام وتغذيته؟ الأمين العام للأمم المتحدة أعلن سلفاً حق النقض على احتمالات التسوية والمصالحة في لبنان. المحكمة هدف بذاته لأغراض لا علاقة لها بالعدالة والسلم الأهلي والاستقرار، بل هي وسيلة لسلسلة من جرائم أكبر لا تطاول أفراداً هذه المرَّة بل مجتمعاً بكامله. لم نكن نعرف أصلاً طريقاً للحقيقة والعدالة وإلا لما رضخنا لكل معادلات القوة التي من بينها التنازل عن سيادتنا للمحكمة الدولية. لم نكن في ظروف تسمح بهذا «الترف» المخزي الذي يذكرنا بالاستعمار البريطاني في مصر وحادثة دنشواي. (قتل امرئ في غابة/ جريمة لا تغتفر ـ وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر). ومن مساخر هذا الزمن ان تتصدى «العدالة الدولية» لقضايا جنائية محلية ولا تتطلع الى الجرائم السياسية الكبرى التي تحصد الآلاف بل الملايين من فلسطين الى العراق. ليس هذا ما يقلل من أهمية هذه أو تلك من الجرائم بل هو يصوّب الى أن العدالة مستحيلة في مجتمعات تقوم على قواعد القوة. والعدالة حتى إذا كانت صحيحة أو سليمة في مثل هذه البيئات الغارقة في فوضى الظلم تصبح محرضاً على الجريمة، لأنها تحرض على العنف وليس على المسالمة.
بعد خمس سنوات من العبث بالحقيقة أقرت السلطة السياسية بجميع أركانها بوجود شهود الزور الذين ضللوا الحقيقة وأساؤوا وخربوا العلاقات اللبنانية والسورية. لكن هذه السلطة تستنكف عن إحقاق الحق وتعرقل مبادرة تنقية هذا الملف من الشبهات والمظالم. سدّت وتسد آفاق المراجعات القضائية وتغضب حين يلجأ أصحاب العلاقة الى ما وراء الحدود. يخرج بعض القوم ليستهول ويستفظع محاسبة ومساءلة أصحاب الرتب والمسؤوليات، لكنه يستهين ويستصغر ان يصدر قرار اتهامي عن المحكمة الدولية بالوجهة التي آلت إليها، ومن دون ان تكون هذه المحكمة قد أكدت الثقة بها ومصداقية تحرياتها وتحقيقاتها وأدلتها.
على أي حال سقطت العدالة صريعة حين اختلط حابل السياسة بنابل القانون، وحين صارت مرجعية العدالة في عهدة جهات مشبوهة من لبنان حتى لاهاي، وفاقد الشيء لا يعطيه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018