ارشيف من :أخبار لبنانية
سباق القرار الظنّي وشهود الزور: أيّام الحريري الأصعب
نقولا ناصيف، الأخبار
يكاد استعجال فتح ملف شهود الزور يُسابق إصدار المحكمة الدولية القرار الظني. كلاهما عدوّ الوقت، ويستخدمه كل من طرفي النزاع، رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله من جهة وتيّار المستقبل من جهة أخرى، كأنه يخوض به معركة إسقاط الطرف الآخر
لكل من ملف شهود الزور والقرار الظني طبيعة مختلفة لأحدهما عن الآخر، وإن بدوَا ملحّي الاستعجال. بمقدار ما يحتاج ملف شهود الزور إلى مسار طويل لكشف حقيقة هؤلاء والمتورّطين في التلاعب بهم وتوجيه التحقيق الدولي، يفضح القرار الظني المتهم باغتيال الرئيس رفيق الحريري ويضع التوازن الداخلي في مخاض جديد، والفريقين المعنيين أمام أحد احتمالين: التسوية أو الانفجار، تبعاً لملاحظات أبرزها:
1 ـــــ أن الموعد المقرّر مبدئياً لصدور القرار الظني هو كانون الأول المقبل، ما لم يدفع التشنّج الداخلي إلى تسريع صدوره بغية ممارسة مزيد من الضغوط على معارضي هذا القرار. وتأتي سلسلة المواقف الأخيرة، الصادرة عن أكثر من مرجع في الأمم المتحدة، خير معبّر عن تلك الضغوط التي تريد أن تنأى بالقرار الظني وشهادات الزور والتمسّك بالمحكمة الدولية عن كل ما يثار من حولها في لبنان. فضلاً عن تضاؤل فرص تأجيل القرار الظني إلى أبعد من المهلة المقرّرة له بعد أقل من شهرين، كأحد مؤشرات إخفاق المسعى السعودي في تأخير إصدار القرار الظني.
وتمثّل هذه المعطيات عناصر قوة للمتشبّثين في الداخل بالمحكمة الدولية للصمود أكثر في المواجهة بينهم وبين قوى 8 آذار وسوريا. وهو مغزى اعتقاد مناوئي رئيس الحكومة سعد الحريري بتعويله على عامل الوقت وانتظار صدور القرار الظني، يذهب بعد ذلك إلى تسوية محتملة معهم بحملهم على الرضوخ للقرار، وإرغامهم على تقديم تنازلات.
2 ـــــ رغم أن التقرير المتوقع لوزير العدل الدكتور إبراهيم نجّار يرضي جزئياً المعارضة بوضع ملف شهود الزور بين يدي القضاء اللبناني، إلا أن الآلية الطويلة والمعقدة التي ستلي مباشرة فتحه، لن تقف عقبة في طريق القرار الظني.
وبحسب المطلعين على العناصر الرئيسية لتقرير وزير العدل، فهو ينطوي على البنود الآتية:
ـــــ يقدّم تعريفاً لشهود الزور ومفهوم شاهد الزور في القانون اللبناني، والحال التي توجب إعطاء هذه الصفة.
ـــــ يتيح القانون اللبناني، قبل أن يصدر أي حكم عن المحكمة، إلصاق صفة شاهد زور بمَن يقدّم إفادة كاذبة، أو يشهد بالباطل، أو يحجب معلومات. ويمكن ملاحقته نتيجة لذلك قبل صدور الحكم.
ـــــ يجزم بصلاحية القضاء اللبناني النظر في ملف شهود الزور ومتابعة السير فيه، قبل صدور الأحكام النهائية عن المحكمة.
ـــــ يأتي على ذكر شهود الزور المعروفين، وأخصّهم محمد زهير الصديق وهسام هسام، ويعرض التدابير المتخذة في حقهم، وادعاء القضاء اللبناني عليهم.
ويُنتظر أن يكون تقرير نجّار في حوزة الوزراء قبل 48 ساعة من انعقاد مجلس الوزراء الثلاثاء المقبل، عملاً بالنظام الداخلي لمجلس الوزراء الذي يناقشه لاتخاذ قرار في شأنه. وهو بذلك مدعو إلى أكثر من عرض التقرير وأخذ العلم به. وتتوقع المعارضة انتهاء الجلسة بطلب رئيس الحكومة إلى النيابة العامة التمييزية تحريك دعوى الحقّ العام على شهود الزور، وإحالة الملف على النيابة العامة الاستئنافية لمباشرة التحقيق. بيد أن هذه الآلية تنطوي بدورها على مسار شاق لن يفضي إلى نتيجة ملموسة حتى موعد صدور القرار الظني، وقد لا يحقق نتائج جدّية ومهمة توازي ما ينتظره الجميع من القرار الظني، وهو اتهام أعضاء في حزب الله باغتيال الرئيس السابق للحكومة.
سيكون على القضاء اللبناني، وهو يضع يده على الملف، الادعاء على شهود الزور الفارين والمعتقلين في السجون اللبنانية، ثم إصدار مذكرات تبليغ، ثم المحاكمة الغيابية بسبب عدم مثول الصدّيق وهسام، وكلاهما يحمل مفاتيح رئيسية لكشف هوية المتلاعبين بهم، ثم استدعاء شهود على شهود الزور للتحقيق معهم والحصول على معلومات تتصل بالأدوار التي اضطلع بها شهود الزور.
وهكذا، من دون التعويل على شهادات الزور التي يملك القضاء اللبناني والمحكمة الدولية وثائقها، سيكون من المتعذّر في فترة قريبة التوّصل إلى الحقائق الغامضة التي رافقت التحقيق الدولي واعتقال أربعة من الضباط الكبار وتوجيه اتهام مباشر إلى سوريا باغتيال الحريري الأب وإدارة مرحلة سياسية برمتها. والأحرى أن الأمر سيمسي أكثر تعقيداً، إذا تبنّى تقرير وزير العدل وجهة نظر الأمم المتحدة بعدم التصرّف بهذه الوثائق وإبقائها قيد الكتمان؛ لكون التحقيق الدولي في اغتيال الحريري الأب لم ينتهِ بعد. عندئذ يبدأ القضاء اللبناني الخوض في هذا الملف من الصفر، في وقت يُسابق فيه سياسياً وأمنياً عاصفة مستعجلة هي صدور القرار الظني.
3 ـــــ تمثّل سوريا طرفاً رئيسياً ومحورياً في النزاع الداخلي على المحكمة الدولية، بشقّي شهود الزور والقرار الظني، وهي جهرت بانحيازها إلى الفريق الذي يطالب بإلغاء القرار الظني سبيلاً إلى إلغاء المحكمة الدولية، من خلال موقف وطني عام يرفض القرار قبل صدوره. وهي وجهة نظر حزب الله. ولا تقف دمشق في هذه الأزمة على مسافة واحدة بين حزب الله ورئيس الحكومة، بل فتحت باباً واسعاً على مأزق حاد بينها والحريري وضعت ـــــ أو تكاد ـــــ علاقتها به على المحك، سواء بإصدارها مذكرات توقيف غيابية في حقّ عدد من أبرز معاونيه وصانعي قراراته، أو بإيصاد أبواب الحوار المباشر وغير المباشر معه.
يُضفي ذلك على المواجهة الحالية بعداً سياسياً، ملازماً للبعد القضائي. وإذا كان الأخير يتوخى توجيه ضربة قاتلة إلى آخر ما بقي من مرحلة 2005ـــــ 2008، هي التحقيق الدولي والمحكمة الدولية، يرمي البعد السياسي إلى دفع الحريري لمرة أخيرة ـــــ قد تكون الفرصة الأخيرة ـــــ إلى تحديد خياره في التحالف مع سوريا بكل الأكلاف الباهظة التي يتطلّبها، أو يتخلى عن هذا التحالف، ويعود بنفسه إلى ما قبل 19 كانون الأول 2009، حينما زار دمشق لأول مرة، وصَالَحَ الأسد وأقنع نفسه قبل جمهوره ـــــ بناءً على طلب الرياض ـــــ بأن سوريا ليست قاتلة والده بعد كل ما قاله عن ذلك بين عامي 2005 و2008، وعن دورها المباشر في جريمة الاغتيال.
واقع الأمر، خلافاً لرئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، لم يقل رئيس الحكومة مرة في الأشهر الـ11 الأخيرة إنه في صدد تحالف مع سوريا. اكتفى دائماً بالإعراب عن رغبة في علاقات شخصية، أو علاقات من دولة إلى دولة، أو علاقات متوازنة... تبعاً لذلك، لم تكفل علاقته الشخصية بالأسد، وكلامه المتكرّر عن الثقة المتبادلة بينهما، إبقاء الاتصال الشخصي على الأقل، ولم تُتح تجاوز أزمة الخلاف مع الرئيس السوري.
قد يكون الأصحّ، في اعتقاد مطّلعين عن قرب على علاقة الرجلين، أن الأسد قَصَرَ البعد الشخصي مع الحريري على الزيارة الأولى للأخير لدمشق، وتعرّفه لأول مرة إلى رئيسها. نظرت سوريا إلى المصالحة الشخصية على أنها محاولة لاحتضان الحريري الذي توخى يومذاك التخلّص من كل الاتهامات التي كان قد ساقها ضدها حيال اغتيال والده، وفتح صفحة جديدة في علاقتها به وبشارعه السنّي.
بذلك، بات رئيس الحكومة يواجه الآن مأزقين جعلاه في الأسابيع القليلة الأخيرة يعيش الأيام الأصعب في حياته السياسية القصيرة: أزمة الاستقرار الداخلي مع حزب الله، وأزمة العلاقة مع سوريا.
كلا المأزقين متلازمان:
ـــــ الخيار بين المقاومة والمحكمة الدولية، ما دام القرار الظني يتهم حزب الله باغتيال الرئيس السابق للحكومة، ويستهدف تالياً سلاح المقاومة.
ـــــ الخيار بين العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية بكل متطلباتها، او الانصراف عنها إلى موقع مناوئ. ولا تعني هذه الاكتفاء الظاهري بها، بل التزام موجباتها في السياسة الخارجية والأمن والمقاومة في نطاق الصراع مع إسرائيل. بل في الواقع لا تستسيغ سوريا، في معرض الحديث عن علاقات مميّزة بين البلدين، إظهار هذه كأنها تعبير عن حسن جوار بين دولتين، بل تطابق استراتيجيات إقليمية تضع أمنهما واستقرارهما المحلي والإقليمي في سلّة واحدة.
ـــــ استمرار الشكوك في معظم المحيطين برئيس الحكومة على أنهم يضطلعون بأدوار سلبية، سواء في علاقته بدمشق أو في الخيارات التي يقتضي أن تؤول إلى بناء تحالف متين وموثوق به بينه وسوريا، على غرار ذاك الذي شهدته علاقة والده بها.
ـــــ تأكيد دمشق أنه لا أحد، وخصوصاً الحريري، يسعه الاعتماد على دور مساعد أو وسيط أو مهدئ تقوم به لحفظ الاستقرار الداخلي، والتوازن بين الأفرقاء المحليين، وتحديداً بين رئيس الحكومة وحزب الله، في حال صدور قرار ظني يتهم الحزب باغتيال الحريري الأب، من غير أن يستبقه نجله رئيس الحكومة بموقف يرفضه سلفاً.
دون ذلك يكون الأوان قد فات تماماً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018