ارشيف من :أخبار لبنانية
إرباك "كتلة المستقبل" إلى ازدياد والنواب بين الفهم والإفهام
دنيز عطاالله حداد، السفير
تعيش «كتلة المستقبل» على ايقاع الارباك والحذر. تكثر الاسئلة لدى نوابها، لكن الإجابات ضبابية، كما هي المرحلة. شعار الزمن الحاضر: التهدئة. وبعد تعميم تجنب استهداف سوريا، تعميم آخر: لا للتهجم على «حزب الله» او أحمدي نجاد. ليس هذا قرارا استراتيجيا للمرحلة المقبلة. هو قرار ظرفي مرشح لأن يُثبت او ان يتم خرقه بحسب الظروف والمعطيات التي ستحملها الايام المقبلة.
وهنا مركز ارباك نواب «المستقبل». فهم لا يعرفون حقيقة تلك الظروف والمعطيات. يجتهدون، كما جمهورهم. من العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية وحسابات الطوائف والاستقرار الامني، الى العلاقات اللبنانية - السورية، الى تلك السعودية - السورية. يمرون على حكومة العراق وأدوار ايران المتشعبة. ينظّرون حول سياسة باراك اوباما والمفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية. يحللون مواقف مصر، ويتابعون اخبار القمة العربية الاستثنائية، و... يجتهدون.
لا يملك نواب «المستقبل» اجابات واضحة، ولا حتى تصورا تقريبيا لاحتمالات المرحلة المقبلة. وهم في هذه الحالة يشبهون جمهور «التيار» الى حد كبير. يُصِبهم ما يُصِبه من احساس مكبوت بالضيق والاحباط.
الاستقرار، تجنب الفتنة، حماية البلد، هي الشعارات التي يرددونها في محاولة لاقناع انفسهم، قبل جمهورهم الذي يشعر بالمرارة. «نحن ام الصبي ولن ننجر الى اي مسالك تودي بالبلد الى الخراب». يقول احد نواب «المستقبل». وحين يشار اليه ان «ام الصبي» قررت التخلي عنه شرط الا يُقطّع الى نصفين، وسؤاله عن الحد الذي يمكن ان يصلوا اليه للحفاظ على «الصبي» وسلامته، وهل يمكن ان تتم التضحية بالمحكمة الدولية في سبيل ذلك، يجيب النائب «لا يفترض ان يتعارض الاستقرار مع العدالة، بل على العكس». وعلى الرغم من بديهية القول وكثرة ترداده في أوساط «المستقبل»، إلا أن النائب يحرص على احتساب «خط الرجعة»، فيضيف «الأمور مرهونة بظروفها».
و... الظروف صعبة في «كتلة المستقبل». يعرف النواب تواترا واستنتاجا ان رئيس الحكومة سعد الحريري يتعرض لضغوط كبيرة على أكثر من صعيد. يدركون جيدا ان حمله ثقيل، وأن من يشاركونه في الحمل ليسوا كثرا. يعرفون انه أمام استحقاقات كبيرة وخيارات دقيقة يترتب عليها مصـير بلد وأهله. يعلمون كل ذلك، لكنه لا يكفيهم لتلمس المرحلة المقبلة وصوغ خطاب يفهمه جمهورهم او يخاطب هواجسهم ويجيب عليها. يحتاجون هم انفسهم ليفهموا ويقتنعوا ليتمكنوا من إفهام الآخرين وإقناعهم.
ليس هذا الكلام جديدا. بدأ الارتباك مع انفتاح الحريري على سوريا قبل اقل من سنة. لم يُعطَ النواب فرصة للتمهيد لتغيير خطابهم، ولم تتم تهيئة القواعد. لكن الأمور سوّيت بالحد الادنى من الخسائر والحد الاعلى من «التفهم». لكن فجاة، ومن خارج اي سياق بالنسبة لنواب المستقبل، ادلى الحريري بمقابلته الشهيرة لصحيفة «الشرق الأوسط» في 6 ايلول الفائت. تحدث عن شهود الزور الذين ضللوا التحقيق. أقر بارتكاب اخطاء وبالتسرع بالاتهام السياسي لسوريا. أُسقط في يد النواب. سُرقت منهم السنتهم. وهو امر مفهوم ومبرر.
وفي اول اجتماع للكتلة الزرقاء، برئاسة فؤاد السنيورة، اثر المقابلة الحريرية الشهيرة، تركزت الاسئلة حول المقابلة: خلفياتها، أسبابها وما يترتب عليها من تداعيات واستحقاقات. لم يملك السنيورة اجابات شافية. هو نفسه لم يكن في اجواء المقابلة. وفي الاجتماع الذي تلا وكان برئاسة الحريري، لم يخرج النواب بحال افضل. حاول كل منهم قراءة ما بين سطور العموميات. ارادوا تلمس الطريق الذي تم تحويلهم للسير عليه. لكنهم تُركوا وحدهم يكتشفون تعرجاته ويحاولون تجنب مطباته. حتى ان بعضهم، في مواضيع حساسة، يتصلون بالحريري شخصيا للبت بالاجابة على اجراء مقابلة او عدم اجرائها، خصوصا اذا كانت تتعلق بموضوع من اثنين: سوريا أو «حزب الله».
في لقاء ضم احد النواب من «كتلة المستقبل» ـ وهو لا ينتمي الى «تيار المستقبل» ـ حاول الحاضرون تعداد اصوات النواب الذين يمكن ان يصوتوا لمصلحة تمويل المحكمة الدولية في حال وصل الامر الى مجلس النواب. ابتسم النائب وقال «هل انتم متأكدون من ان سعد الحريري حينها سيكون من المصوتين على تمويل المحكمة؟».
في هذا الكلام اكثر من دلالة. لكن المضمَر فيه اسوأ دلالاته. ففيه تلميح الى اكراه وفرض ضمنيين سيتعرض لهما سعد الحريري ليضحي بما هو مقتنع به تمام الاقتناع. وفيه اشارة الى ان الحريري سيضطر مكرها الى التخلي عن المحكمة الدولية مع ما يعني ذلك من تنازل عن امور كثيــرة اخرى مرتبطة بهذا الملف.
يعلق النائب المعني بالسؤال قائلا «قد تفرض الظروف على الرئيس الحريري تضحيات كبيرة. لكن احساس جمهور تيار المستقبل بأنه مكره ومغلوب على امره وقيادته مستهدفة لا يجنب البلد الفتنة على الاطلاق. ولا يمكن التأسيس عليه للاستقرار. قد يمرر ظرفا صعبا، لكن التجارب اللبنانية المتكررة اظهرت ان لا استقرار في البلد اذا كانت احدى طوائفه تشعر بالغبن والظلم». يسارع النائب الى التوضيح ان هذا موقفه واستنتاجه الشخصي.
لا يشذ في ذلك عن سائر نواب الكتلة الذين يتجرعون المياه الكثيرة التي في افواههم كأنها علقم. لكن «لا تقل شئنا فإن الظرف شاء».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018