ارشيف من :أخبار لبنانية
ريّا الحسن تعترف بالتحايل على مجلسي الوزراء والنوّاب
محمد زبيب، الأخبار
في كل مرّة تحاول فيها وزيرة المال ريا الحسن «تكذيب» حقيقة ما، ترتكب خطأ، فتؤكّد ما تحاول تكذيبه... هذا ما حصل في البيان الصادر أمس في شأن إعفاء مديرة المحاسبة العامّة بالتكليف رجاء الشريف من مهماتها، إذ ظهرت الحسن قليلة الإلمام بالقوانين والأنظمة، أو أنها قصدت أن تعلن أنها لا تعيرها أي اهتمام
أصدرت وزيرة المال ريا الحسن بياناً، أمس، حاولت عبره نفي كل المعلومات «الموثّقة» لدى ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، التي تنبئ بوجود تلاعب في حسابات الدولة وعمليات تزوير في المركز الإلكتروني في الوزارة، كذلك حاولت أن تنفي وجود أي رابط بين انكشاف هذه المعلومات وبين إعفاء مديرة المحاسبة العامّة بالتكليف الدكتورة رجاء الشريف من مهماتها، على الرغم من أن هذا الإعفاء جاء بعد يوم واحد من جلسة استثنائية عقدها مجلس ديوان المحاسبة للبحث في هذه المعلومات التي وفّرتها الشريف نفسها انطلاقاً من إصرارها على أداء واجباتها الوظيفية.
ماذا جاء في هذا البيان؟
أولاً: تقرّ الوزيرة الحسن بحقيقة أنها أعفت الشريف من المهمة التي كانت قد كلّفتها بها في أيار الماضي، أي قبل أقل من 6 أشهر، لكنها تبرر ذلك بأن الشريف لم تستطع إنجاز المهمة المنوطة بها على أكمل وجه نظراً إلى ضخامة هذا العمل، ولذلك أعفيت من هذا التكليف وكلف مكانها شخص آخر، وتذرّعت الحسن بصلاحياتها (وهو أمر لم يناقشها أحد به) في إجراء المناقلات الداخلية في الوزارة، إذ يعود لوزيرة المال، بحسب ما جاء في بيانها، أن تكلف بالمناصب الشاغرة من ترى أنه في مرحلة معينة قادر على القيام بالمهام المطلوبة، و«ليس لأحد أن يتدخل في كيفية إدارتها الشأن الداخلي لوزارتها، وهي لذلك، لا ولن تتأثر بضغوط سياسية ولا بغيرها».
تغفل الحسن التوضيح للرأي العام أن الشخص الآخر الذي اختارته محل الشريف للقيام بالمهمّة الصعبة، هو زياد الشيخ، الموظّف في الفئة الثالثة، والذي كان يشغل وظيفة مراقب عقد نفقات في مديرية الموازنة، أي أنه لا يمتلك أي خبرة في مجالات عمل مديرية المحاسبة العامّة، ولا سيما في مجال قطع الحساب والمطابقة مع حساب المهمّة، بينما الشريف كانت تشغل منصب رئيسة دائرة الرقابة المالية على المؤسسات العامة، وهي أنجزت في 6 أشهر قطع حسابات سنتي 2006 و2007، وأعادت النظر بقطع حساب سنة 2005 بطلب من الوزيرة الحسن نفسها، وذلك بعدما كان مدير المحاسبة السابق أمين صالح قد وضع مشروع قطع حساب السنة المذكورة، مرفقاً بكمّ هائل من الملاحظات على أداء المديريات الأخرى المعنية، وكان «قرفه» من هذا الأداء سبباً من أسباب استقالته.
ربما تعتقد الوزيرة الحسن أن وزارة المال «مغارة علي بابا» فعلاً، ولذلك «لن تسمح لأحد بالتدخّل في شؤونها الخاصّة»، وبالتالي لا ترى أنها تجاوزت صلاحياتها عندما أعفت الشريف من مهامها لأنها أنجزت ما لا تريد الحسن إنجازه!
ثانياً: تحتجّ الوزيرة الحسن في بيانها على أن «المديرية المعنية بإرسال الحسابات لديوان المحاسبة» لم تلفت انتباه الوزيرة إلى أنه سبق أن أودع ديوان المحاسبة قطع حسابات عامي 2006 و2007، وتعترف الحسن بأن الشريف أودعت قطع الحسابات للأعوام نفسها من دون انتظار قرار مجلس الوزراء ومن دون إعلام وزيرة المال. وقالت إن البيان الصادر عن ديوان المحاسبة قبل أيام يؤكد أن ثمة تلكؤاً من مديرية المحاسبة، وممن ترأسها ومن أشرف على عملها، في أداء الأعمال المطلوبة منها في هذا الشأن.
وهنا ترتكب الحسن الخطأ المعتاد، فهي تقرّ بأنها أعفت الشريف من منصبها لأن هذه الموظّفة تجرّأت على التزام القوانين وأرسلت قطع الحساب عن السنوات المذكورة إلى ديوان المحاسبة، أي أن إعفاء الشريف من منصبها لا علاقة له بما ورد في الفقرة السابقة عن أنها لم تُنجز مهمّتها، والدليل هو ما أدلت به الحسن نفسها... إلا أن المشوّق في بيان وزيرة المال هو جهلها لأحكام قانون المحاسبة العمومية، الذي لا تريد الحسن قراءته أو أنها لا تعترف به، فهذا القانون ينص بصراحة على أن مديرة المحاسبة العامّة «ملزمة» بإرسال قطع الحساب إلى ديوان المحاسبة مباشرة ومن دون إذن من أحد ولا علاقة للواجب الوظيفي بما يصدر عن مجلس الوزراء، بل إن التقاعس عن القيام به يعرّض المتقاعس للمساءلة، وبالتالي ليس هناك أي صعوبة في فهم هذا النص واستيعابه، حتى على الذين لا يفقهون شيئاً بالقوانين.
والأهم، أن الحسن تقرّ في هذه الفقرة من بيانها بأنها كانت تتحايل على مجلسي الوزراء والنواب بادعائها العجز عن وضع قطع حسابات السنوات الماضية، إذ تأخذ على الشريف أنها أرسلت قطع حسابات سنتين من السنوات الأربع الماضية في الوقت الذي كانت الحسن تحاول فيه أن تمرر مشروع قانون في مجلس الوزراء ثم في مجلس النواب يعفيها من هذا الموجب الدستوري! لا شك في أن الشريف تستحق العقاب لأنها نجحت بالمهمّة الموكلة إليها على عكس ما تريده الحسن.
أمّا القول إن ديوان المحاسبة اتهم مديرية المحاسبة بالتلكؤ، فهو أمر يثير الضحك، فالجميع يعرف القراءة على ما يبدو إلا وزيرة المال ومن يتولى امور وزارتها نيابة عنها، إذ إن البيان الصادر عن الديوان كان شديد الوضوح بمساندته لمديرة المحاسبة بالتكليف عندما أشار إلى ضرورة تمكينها من التدقيق بالحسابات عبر تسليمها حسابات المهمّة المحجوبة منذ عام 2001، وهو ما طالبت به الشريف مراراً وتكراراً ولم تستجب له مديرة الخزينة موني خوري التي حمّلها الديوان مسؤولية مباشرة، فعمدت وزيرة المال إلى تثبيتها في موقعها وضمّها إلى لجنة حديثة مهمّتها إخفاء الحسابات الحقيقية وإلغاء عقوبة بعد أقل من 12 ساعة من اتخاذها من جانب المدير العام للمالية العامّة بسبب تقصيرها الفاضح وتجاوزها للأنظمة التي تحكم عملها! فديوان المحاسبة قال في بيانه الشهير إنه ومديرية المحاسبة العامّة لا يستطيعان التدقيق بالحسابات من دون إنجاز حسابات المهمّة.
أكيد أنّ لا أحد يريد أن يتدخل بعمل الوزيرة الحسن، لكن الجميع معنيّ بمنعها من المبالغة في استخدام السلطة عبر مكافأة المتقاعسين ومعاقبة الشريف التي أنجزت في أشهر قليلة ما كان ممنوعاً إنجازه.
ثالثاً: تدّعي الوزيرة الحسن في بيانها أمس بأنها أعطت موضوع قطع حساب الأعوام 2004 و2009 اهتماماً كبيراً منذ تسلمها منصبها، لكنها لا تكاشف الرأي العام بأن هذا الاهتمام انتهى إلى صوغ مشروع قانون مهين يتألّف من بضعة اسطر وجدول مسخ لا يرقى إلى مستوى حسابات الدكاكين لتعفي نفسها من موجب دستوري أساسي... لا شك في أن هذا دليل على الاهتمام الكبير، وهو دليل ساطع إلى حدّ أن الوزيرة الحسن أعفت الشريف من منصبها لأنها أنجزت قطع حسابات سنتي 2006 و2007 وأصرّت على المطالبة بتسليمها حسابات المهمّة.
رابعاً: تقول الوزيرة الحسن في بيانها إن قطع حساب سنة 2005 أرسل إلى ديوان المحاسبة في المرة الأولى من دون تدقيق وبصيغة أفاد عنها ديوان المحاسبة أنها مخالفة للقانون، ولذلك طلبت إعادة التدقيق به ووضعه بالصيغة القانونية وإيداعه مجدداً لدى ديوان المحاسبة.
ربما فات الوزيرة الحسن أن انتفاضة ديوان المحاسبة تتصل بما أدلت به في هذه الفقرة، إذ إن الديوان أعلن بوضوح أن ليس هناك أي إمكانية للتدقيق بقطع الحساب من حساب المهمّة، فكيف دقّقت الحسن به في الوقت الذي تكافئ مديرة الخزينة على عدم إنجازها حسابات المهمّة منذ سنوات طويلة؟ على أي حال، تمتلك «الاخبار» كل الوثائق التي تؤكّد أن قطع الحساب الأول أرسل إلى ديوان المحاسبة من دون أي تدقيق بطلب منها شخصياً، وهناك ملف كامل لدى الديوان بهذا الخصوص... والغريب أن بيان وزيرة المال يردّ على بيان ديوان المحاسبة الذي أشار إلى أن قطع حساب سنة 2005 ورده مجدداً مغايراً لنسخته الأولى، أي أن هناك تلاعباً بالحسابات، فتقول إن الحديث عن تلاعب بالأرقام في قطع حساب 2005 هو محض افتراء، إذ تبين بنتيجة التدقيق أن الفارق بين قطع الحساب الأول وقطع الحساب الجديد هو نحو ثمانية ملايين ليرة فحسب... ربما لا تعلم الحسن أن المعايير المحاسبية الشفافة لا تعير قيمة الفارق أي أهمية، إذ إن وجود الفارق بحدّ ذاته هو الفضيحة، وعدم التطابق قد يعني أن الثمانية ملايين ليرة هي 80 مليار ليرة مثلاً، فمن يجزم في هذه الحالة إذا كانت الوزيرة الحسن لا تأبه بتسليم مديرية المحاسبة حسابات المهمة المتوجّبة على مديرية الخزينة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018