ارشيف من :أخبار لبنانية

حصان شهود الزور بعد عربة القرار الاتهامي

حصان شهود الزور بعد عربة القرار الاتهامي

صحيفة "الاخبار" - حسن عليق

لم يمسك وزير العدل إبراهيم نجار بعصا ملف شهود الزور من الوسط، إذ أمالها نحو فريقه السياسي. فمع تأكيده أن القضاء اللبناني صاحب اختصاص لملاحقة شهود الزور، إلا أنه ربط كل شاردة وواردة فيه بما سيصدر عن المحكمة الدولية: المستندات، القرار الاتهامي، وتالياً تحديد من هو شاهد الزور ومن هو المتضرّر منه


«حمّال أوجه». بهذه العبارة يمكن وصف تقرير وزير العدل إبراهيم نجار عن شهود الزور، الذي قدّمه إلى الوزراء مساء أول من أمس، تمهيداً لدرسه في مجلس الوزراء غداً. فرغم أن الوزير يخلص في تقريره إلى أن القضاء اللبناني هو صاحب اختصاص لملاحقة شهود الزور، فإنه لفت إلى أن لهذا القضاء، «باستقلال كامل عن السلطة التنفيذية، تقرير ما إذا كان يجب السير بالدعوى أو استئخارها، ريثما يصدر القرار الظني». وفي تقريره، حسم نجار رأيه في عدد من القضايا، وفق الآتي:

عرّف نجار شاهد الزور بأنه الشاهد الذي يدلي بإفادة كاذبة في أي مرحلة من مراحل التحقيق، بما فيها التحقيق الأولي الذي تجريه الضابطة العدلية، ثم عاد وربط تحديد شاهد الزور بالقاضي الواضع يده على الدعوى الأساسية، وهو في الحالة الراهنة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وتالياً، يرى نجار ضرورة التمهل إلى ما بعد صدور القرار الاتهامي، لأن دون ذلك صعوبات منطقية وعملية، من باب غياب اليقين بأن المحكمة لن تتهم أشخاصاً متضررين من إفادات الشهود المشكوك في صدقيّتهم.

ــ أكد نجار أن لجنة التحقيق الدولية أحالت في عام 2005 ملف التحقيق مع زهير الصدّيق إلى المدعي العام التمييزي اللبناني، الذي ادّعى عليه بجرم المشاركة في الجريمة وطلب استرداده من فرنسا التي لم تستجب للطلب. أما هسام هسام فلم يستمع القضاء اللبناني إلى إفادته.

ــ اعترف نجار بوجود شاهد زور واحد على الأقل، هو إبراهيم جرجورة الذي كان القضاء قد ادّعى عليه بداية عام 2006 بجرم الإدلاء بإفادة كاذبة، وبقي في السجن نحو ثلاث سنوات من دون صدور أي قرار اتهامي بحقه.

ــ ذكر نجار في تقريره رسالة جوابية من المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، دانيال بلمار، يؤكد فيها الأخير أن «الشهود المشكوك في صدقيّتهم»، والذين أدلوا بإفادات للجنة التحقيق الدولية أو القضاء اللبناني (أي قبل مباشرة المحكمة الدولية عملها)، لن يُلاحقوا أمام تلك المحكمة.

ــ جزم نجار بأن ملف شهود الزور لا يمكن السير به أمام المجلس العدلي، إذ لا تنطبق عليه المواد القانونية التي تحدد القضايا المحالة على المجلس، وهي الجرائم الواقعة على أمن الدولة، والتجسّس والجرائم الماسّة بالقانون الدولي أو تلك التي تريد النيل من هيبة الدولة.

فريق تيار المستقبل، استناداً إلى تقرير نجار، سارع إلى تأكيد عدم جواز فتح ملف التحقيق في قضية شهود الزور «قبل صدور القرار الاتهامي». وقال مصدر مقرّب من رئيس الحكومة لـ«الأخبار» إن «من يطالبون بفتح الملف يريدون الحصول على نص إفادات شهود قبل صدور القرار الظني، لأن في ذلك تهديداً مبطّناً لأي شاهد يريد الإدلاء بمعلومات عن الجريمة، عبر القول له إنه سيكون عرضة لفضح هويته ومضمون إفادته». وكرّر المصدر ما ورد في تقرير نجار لناحية أن إحالة الملف على المجلس العدلي غير ممكنة، لسببين: الأول قانوني يرتبط بتوصيف هذه الجرائم، والثاني يتعلق بالمبدأ الحقوقي، إذ لا يجوز أن نتناسى أن الجريمة الأساسية التي وقعت هي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأن نساوي بها جريمة أخرى لا يزال مشكوكاً في أمر وقوعها».

في المقابل، فإن فريق المعارضة السابقة، رغم حديثه عن إيجابية وصول الملف إلى مجلس الوزراء، فإن مصادر رفيعة في هذا الفريق قالت لـ«الأخبار» إن تقرير نجار يتضمّن محاولة جديدة للتسويف، من خلال ربط الملف بما بعد القرار الاتهامي. وأشارت مصادر أخرى إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سيرأس اجتماعاً يضم وزراء المعارضة بعيد السابعة من مساء اليوم في مقر إقامته بعين التينة، بهدف تنسيق المواقف بشأن تقرير نجار وكيفية التعامل معه في مجلس الوزراء. وأشارت المصادر إلى أن ما سيركز عليه وزراء المعارضة هو المطالبة بإحالة الملف على المجلس العدلي، وخاصة أن إفادات شهود الزور ترتّب عليها تعكير علاقات لبنان بدول صديقة وأوصلت البلاد إلى حد الوقوع في الفتن المذهبية، فضلاً عن المسّ بهيبة الدولة عبر اتهام قادة الأجهزة الأمنية بارتكاب جريمة بحجم اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولفتت المصادر إلى أن ما تضمّنه تقرير نجار ليس قراراً نهائياً، إذ بإمكان مجلس الوزراء عدم الأخذ برأي الوزير لناحية إحالة الملف على المجلس العدلي.

أما أول المطالبين بمحاكمة شهود الزور، اللواء جميل السيد، فقد عكف فريقه القانوني على دراسة التقرير أمس، تمهيداً لإصدار تقرير شامل اليوم عن «المغالطات التي تضمّنها تقرير نجار في الشكل والمضمون». وفي تعليق أوّلي على التقرير، قال السيد لـ«الأخبار» إن نجار اعترف بأن صلاحية القضاء اللبناني في جريمة اغتيال الحريري ملغاة منذ ما قبل إنشاء المحكمة الدولية، «وبالتحديد منذ بدء عمل لجنة التحقيق الدولية منذ عام 2005، إذ كيف يمكن أن يكون القضاء اللبناني قد أصدر مذكرات توقيف بحق الضباط الأربعة من دون أن يطّلع على المعلومات الموجبة لهذا التوقيف؟».

من ناحية أخرى، أورد خبراء قانونيون، الملاحظات الآتية:

1ــ يقرّ وزير العدل في تقريره بأن القضاء اللبناني ملزم بقبول أي ادّعاء بحق شهود الزور من المتضررين منه، فلماذا لم يتحرك القضاء اللبناني منذ أن حاول عدد من المتضررين ملاحقتهم؟ فلو أن هذا القضاء تحرك وفقاً للدعاوى الشخصية لما فتح ملف شهود الزور في القضاء السوري.
2ــ ما ذكره وزير العدل في تقريره عن «الإجراءات الطارئة»، وبينها مذكرات التوقيف السورية، لا معنى له.
3ــ لا يجوز لنجار الذي يقول إن القضاء اللبناني لم يستمع إلى إفادات عدد من الشهود المشكو منهم، أن يبتّ سلباً صلاحية المجلس العدلي في القضية، إذ إن حسم هذا الأمر بحاجة إلى الاطلاع على مضمون إفادات الشهود ومترتّباتها.
4ــ يربط نجار بين ملاحقة شهود الزور وصدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهذا الربط يؤدي عملياً إلى منع محاكمة شهود الزور إلى ما بعد انتهاء المحاكمات في الجريمة وإعلان المحكمة الدولية انتهاءها من مهمتها. فبحسب قواعد الأدلة والإجراءات في المحكمة الخاصة بلبنان، يجوز إصدار أكثر من قرار اتهامي، وما يتوقع صدوره خلال الأشهر المقبلة لن يكون بالضرورة آخر التقارير الاتهامية في الجريمة. فضلاً عن ذلك، فإن القرارات الصادرة عن المحاكم الدولية لا تتضمن أدلة، بل هي أشبه بورقة الطلب التي يصدرها المدعي العام في لبنان ويحيلها على قاضي التحقيق، طالباً التحقيق مع المدعى عليهم بالجرائم المنسوبة إليهم.

2010-10-11