ارشيف من :أخبار لبنانية
مظلـة حمايـة شـهود الـزور تكتمـل دوليـاً... ومحليـاً
عماد مرمل، السفير
بات واضحا أن «حزب الله» وحلفاءه يعتبرون أن أقصر طريق وأقلها كلفة لإثبات هزال القرار الظني المرتقب تكمن في فضح كل ملابسات شهود الزور الذين شكلوا عصب الاتهام لسوريا والضباط الأربعة خلال السنوات الخمس الماضية.
أما فريق 14 آذار وفي طليعته تيار المستقبل، فإن هاجسه هو العكس تماما، مانحا الاولوية في التراتبية لصدور القرار الظني، وبعد ذلك يتم فرز الخيط الابيض من الخيط الاسود في قضية شهود الزور، على قاعدة أنه يمكن رفع سرية التحقيق حينها وبالتالي تبيان حقيقة الإفادات التي أدلى بها هؤلاء الشهود.
وبدلا من ان يشكل تقرير وزير العدل ابراهيم نجار فرصة للخروج من السجال السياسي الى آفاق المعالجة القضائية، عبر خارطة طريق واضحة، تحول بحد ذاته الى مادة خلافية جديدة، بعدما خذلته الشجاعة في حسم الخيارات، تاركا بين السطور أبوابا خلفية مفتوحة تتيح تسرب ملف شهود الزور وتمييعه، تارة بحجة عدم صلاحية المجلس العدلي، وطورا بالاشارة الى إمكان تأخير الخوض فيه الى ما بعد صدور القرار الظني.
وهكذا، يكون نجار قد تناغم بشكل وبآخر، عن قصد أو عن غير قصد، مع توصية مساعدة الامين العام للامم المتحدة المرفوعة الى رئيس المحكمة انطونيو كاسيزي، والقاضية بالامتناع عن تسليم اللواء جميل السيد الوثائق التي طلبها حول شهود الزور، حرصا على سرية التحقيق التي سبق ان انتهكها ديتليف ميليس نفسه أكثر من مرة عبر السيناريوهات الخيالية التي تضمنتها تقاريره الشهيرة.
وبهذا المعنى، تكون مظلة الحماية المركبة لشهود الزور قد اكتملت، مرة من خلال البعد الدولي المتمثل في الامم المتحدة ومرة أخرى من خلال البعد المحلي المتوافر في تقرير وزير العدل. وما عزز القناعة بوجود مثل هذه المظلة قول زهير الصديق نفسه امس إنه ما زال يخضع الى نظام حماية الشهود الذي تؤمنه الامم المتحدة.
ويعدد خبير دستوري بارز مجموعة من الملاحظات الجوهرية على تقرير نجار كالآتي:
- لقد جاء مطابقا للتوصيف الذي أعطاه له مسبقا قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع عندما قال إنه «تقرير نظري»، وهذا يعني ان جعجع اطلع عليه قبل ان يتسلمه الوزراء، وفي ذلك تجاوز للأصول.
- ان التقرير يتضمن في العديد من جوانبه آراء شخصية لنجار وإيحاءات للقضاء حول ما يجب ان يفعله، كما تشير العبارة التي ورد فيها انه يعود للقضاء ان يقرر ما إذا كان يتوجب السير بالدعوى او استئخارها ريثما يصدر القرار الظني، الامر الذي ينطوي على تناقض صارخ مع مبدأ فصل السلطات الذي أكد وزير العدل الالتزام به في متن تقريره.
- لا مبرر أو مسوغ أصلا لطرح خيار تأجيل النظر في ملف شهود الزور الى ما بعد صدور القرار الظني لأن شهادة الزور، وفق قانون العقوبات، هي جرم آني تكتمل عناصره فور ارتكابه.
- لقد أخطأ نجار في مراسلة المدعي العام الدولي دانيال بيلمار وسؤاله عما إذا كانت له (أي بيلمار) ولاية على ملف شهود الزور أو لا، لان مثل هذه المراسلة - الأقرب الى الاستئذان - من شأنها ان تكرس أسبقية وأولوية ووصاية القضاء الدولي على القضاء اللبناني الذي يُفترض انه لا يحتاج الى إذن من أحد للقيام بواجبه في ملاحقة شهود الزور، باعتبار أن جرمهم طال مواطنين لبنانيين، على أرض لبنانية.
- تعمد نجار التقليل من شأن كلام الرئيس سعد الحريري الى جريدة «الشرق الاوسط» عندما تجاهل الأخذ بدلالات مضمونه، وصولا الى انه لم يجد في ملف شهود الزور ما يطابق شروط الإحالة الى المجلس العدلي كما وردت في قانون أصول المحاكمات الجزائية (التسبب بالفتنة والنيل من الوحدة الوطنية والمس بالامن الخارجي والداخلي للدولة وتهديد السلامة العامة..)، علما أن رئيس الحكومة كان واضحا في شرح فداحة الاضرار التي ألحقها شهود الزور بالعلاقات الداخلية ومع سوريا.
ـ إن تهرب وزير العدل من الإقرار بأحقية المجلس العدلي في وضع يده على قضية شهود الزور، مرده إدراكه أن أهمية المجلس العدلي تكاد توازي أهمية المحكمة الدولية، وبالتالي فإن هناك من لا يريد أن يحصل هذا التوازن أو التوازي بين الجهتين، حتى تبقى المحكمة طليقة اليدين في عملها ولئلا يؤدي خوض المجلس العدلي في ملف شهود الزور الى فتح أبواب مغلقة قد تقوده الى الإمساك بخيوط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأن القانون يتيح له التوسع في التحقيق، حتى لو كانت هناك ولاية للمحكمة الدولية على القضية.
- من المفيد عدم إغفال حقيقة أن نظام إجراءات المحكمة الدولية تم تعديله استثنائيا في إطار المسار نفسه، الذي توجته الدائرة القانونية في الأمم المتحدة، وهو حماية شهود الزور.
ويخلص الخبير الى ان المجلس العدلي يصبح، متى صدر مرسوم تكليفه بقضية ما، كالخيل في البرية او كالرصاصة التي لا تعود الى الوراء عندما تنطلق، وبالتالي فإنه يغدو من المستحيل في مثل هذه الحال شله أو التأثير عليه، ويبدو ان البعض يرغب في ان تظل المحكمة الدولية هي الوكيل القضائي الحصري لقضية رفيق الحريري وما يتفرع عنها، حتى لو حصل ذلك على حساب هيبة القضاء اللبناني وكرامته.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018