ارشيف من :أخبار لبنانية

الإصرار على إثارة حفيظة دمشق

الإصرار على إثارة حفيظة دمشق
فداء عيتاني

للّه درّ رئيس حكومتنا، كلما حاول إصلاح أمر من أموره، والخروج من الحفرة التي وقع فيها، إذا به يتعثر ويقع في طامة أكبر وأعمق. يكاد المرء يصدق الحريري حين يسمعه يتحدث بين المقرّبين من حوله عن ضرورة إيجاد تسوية في البلاد بشأن النقاط الخلافية، والدفاع عن المحكمة، وعدم إثارة المشكلات مع سوريا، واحترام الرئيس بشار الأسد، ويكاد يقتنع بأن الرجل طلب من كل المحيطين به حصر النزاع في الملفات المثارة بجانب دفاعي، ومحلي فقط، ولكن يشاهده جالساً إلى جانب الرئيس المصري حسني مبارك، ويسمع التصريحات المصرية عن لبنان المواكبة لزيارة سعد الحريري، فيكتشف أن رئيس الحكومة الشاب يحب النكد، ويعشق إثارة حفيظة سوريا، والرئيس السوري تحديداً، وإلا فما معنى هذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات.
في المملكة العربية السعودية يروي من يزورها ويجول بين جناحي الملك والآخرين أنه يمكن سماع القادة السعوديين يتحدثون بعبارات مثل «الآن فقط نشعر بأن رفيق الحريري قد مات»، وهم لا يبدون أية قيمة فعلية لسعد الحريري، بمعزل عن الحيثية الطائفية والسياسية للطائفة التي يمثلها، فرئيس الحكومة لم يسجل لنفسه حيثية خاصة، لا في العمل ولا في الأرض والجمهور، ولا في المال والأعمال، ولا في العلاقات الدولية، باختصار فإن سعد الحريري يصرف من رصيد والده ومشروعه ومن رصيد المملكة. وهو قد لا يدري أنه لو كان مشروع والده قابلاً للبقاء في المنطقة لما جرى القضاء عليه بما يقارب الطنّين من المتفجرات في نهار مشؤوم.
لكن كل الأطراف تعلم أن سعد الحريري حاجة للكل، هو حاجة للملكة للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه في لبنان، مع طموح البعض في المملكة إلى تطوير النزاع الإقليمي ـــــ انطلاقاً من لبنان ـــــ لحصد المزيد من المكاسب في المنطقة، وهو حاجة لأهل السنّة في لبنان، لأنه لا أحد تمكن من تعبئة الفراغ السياسي في قيادة الطائفة، ولو جزئياً، فأسندت الى أحد ورثة رفيق الحريري.
وهو حاجة لسوريا، وللرئيس السوري، فحين طرح الملك عبد الله على الرئيس السوري استبدال سعد الحريري بشخص آخر، صمت الأسد لحظة ثم أجاب: «فلنعط سعد فرصة أخرى». فالرئيس السوري يفترض أن أفضل من يمكنه إلغاء المحكمة الدولية (المسيّسة) هو سعد ولا أحد آخر. وسعد الحريري حاجة لحزب الله، على الرغم من كل المعاناة اليومية مع أكاذيب فريق الحريري، والتلاعب على الكلام والتسويف في الإيفاء بالالتزامات والتحريض المذهبي الذي أصبح السلاح الوحيد لدى تيار المستقبل، إلا أن سعد وحده يمكنه أن يحبط الكثير من مفاعيل تسعير الفتنة، كما أنه لا أحد يمكنه هدّ عزائم أهل السنّة مثل سعد الحريري.
ويبقى سعد في هذا الإطار رهين المحبسين، السعودي والسوري، وهو حتى لو أراد الرحيل، فقد تنتفض الضاحية ودمشق رفضاً لاستقالته، وتمسكان به وتتعبانه بمفاوضات مملة وحملات سياسية مرهقة بانتظار الإيفاء ببعض التزاماته، إلا أن سعد، وعن قصر نظر، وكلما اقترب من تسوية يدفعها بقدمه كأنه يلعب كرة قدم في المدينة الرياضية إلى جانب سامي الجميل وعلي عمار في مباراة «كلنا فريق واحد»، وليس بمصير بلد في منطقة مأزومة.
هكذا، يمّم سعد شطر القاهرة، وهكذا أبعد عن فمه كأس التسوية التي يعلم جيداً أنه لا مفر من إبرامها، والتي كانت تقتضي في مرحلتها الأولى تأجيل صدور القرار الظني حتى شهر آذار من عام 2011، وهكذا عاد إلى اللعب بنار التوتر الشمالي، وبات الحديث عن شحنات أسلحة (برية وبحرية وعبر الحقائب الدبلوماسية) يغطي صفحات الجرائد، ويتسرب بين الأنصار، ولكن على أرض الواقع فإن المعنيين مباشرةً يعلمون أن لا شيء جدياً، ولا إمكان أصلاً لأي حركة مسلحة أو استيراد لأسلحة وذخائر بكميات تكفي لما يقال ويشاع.
وفي إطار مراكمة الأخطاء يحذّر المنسقون في تيار المستقبل عناصرهم من «خطر السلفية والتطرف السلفي» وانتشار القوى الجهادية في لبنان، ووصول مقاتلين جهاديين، بينما واقع الأمور لا يشير الى أكثر من مناقلات بسيطة لعدد من البنادق الهجومية الخفيفة، وبعض اللقاءات التي تعقدها شخصيات معروفة كداعي الإسلام الشهال وكنعان ناجي وعميد حمود وغيرهم، بينما الإشارة الدائمة إلى الخطر السلفي الجهادي، ومخاطر التسلح بين أبناء السنّة في أكثر من منطقة، لا تعدو كونها محاولة إخافة الآخرين بالخيارات البديلة لدى الطائفة السنية.
في انتظار أن يقول سعد الحريري العبارة السحرية ويعمل بمقتضياتها، فإن بمقدوره أن يثير حفيظة سوريا وحلفائها أكثر عبر تقديم استقالته وترشيح الرئيس فؤاد السنيورة لشغل منصب رئيس الحكومة. على الأقل يمكن أن تكون هذه أول خطوة ذكية ومعبّرة يقوم بها الحريري الابن.
2010-10-13